|
|
حديث عن عائشة: الفصل الثالث عشر/ 2
دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 6513 - 2020 / 3 / 13 - 18:35
المحور:
الادب والفن
بناء على طلب بَدو، ذهبت امرأة أبيه إلى منزل الحاج حسن لخطبة ابنته ذات الشعر الأحمر. لسوء الحظ، أنها هَدي من تولت فتح باب الدار للضيفة. ولم يكن ذلك اتفاقاً، طالما أن امرأة سلو لا تكف على مدار الساعة عن مراقبة الزقاق من خلال نافذة حجرتها. قالت للضيفة وهيَ تقبل وجنتها: " أعلمُ سببَ مجيئكِ، وسأحاول جهدي أن يسير كل شيء على ما يرام ". ثم قادت المرأة إلى حجرتها، بينما نظراتها تسبر الجهة الأخرى من الدار، أينَ كان يقيم بقية أفراد الأسرة. كان الوقت في أعقاب الغداء، والهاجرة أجبرتهم على الخلود إلى القيلولة. " آه، يا لبخت رابعة الأسود! "، قالتها امرأة سلو عقبَ سماعها طلب الضيفة. ثم أوضحت بالقول، متكلفة التأثر: " لقد خُطبت بالأمس لأجير زوجي، وتم أيضاً الاتفاق على عقد القران في خلال هذا الصيف " " ولكن زوجك تكلم أمس مع بَدو، فلم يذكر موضوع الخطبة وعقد القران؟ "، تساءلت الضيفة باستغراب. هزت هَدي رأسها بحركة تعبر عن الأسف، ثم أجابت بصوت رقيق: " كان ثائراً مثلما تعلمين، ولعله لم يجد حاجة لذكر الموضوع أمام شخص غريب " " فهمتُ منك قبل قليل، أنك تبغين مساعدتي؟ " " ما تريدينه هوَ الخلاص من ابن زوجك، ويُمكن التفكير بفتاة أخرى له! "، قالتها المضيفة غامزةً بعينها. كانت على علمٍ بحال الضيفة، وأن وجود بَدو في المنزل يُذكّر زوجها دوماً بعدم إنجابها سوى البنت تلو الأخرى. مع ذلك، بقيت المرأة مذهولة مما سمعته، ولم تدرِ بما تجيب. شاءت الأخرى إخراجها من حالة الحرج، بالقول مع ابتسامة مطمئنة: " أنتِ أديت واجبك، وسمعتِ الرد بشأن رابعة " " أخشى أن يكلم بَدو والدها، لو بقيَ مصراً على ما يبتغيه، فأبدو كاذبة في نظر الجميع؟ " " أنا مَن أخبرتك بأن أجير سلو خطب رابعة، وسأشهدُ بذلك عند اللزوم "، ردت هَدي ثم أردفت بنبرة باردة وببطء: " لن يستطيع أحد أن يمسّ سمعتكِ بكلمة سيئة، ما دمنا صديقتان! ". لما سمعت الضيفة الجملة الأخيرة، ارتعدت فرائصها. كأنما قالتها هَدي على سبيل التهديد، بأن مخالفة إرادتها سيجعلها تلفقُ قصةً تلوث شرفَ الضيفة: كانت هذه الأخيرة على علمٍ بأخلاق بنات سنجو، وما في وسعهن ارتكابه من شرور دونَ أن يفكرن بعاقبة ذلك على مصائر أسر الحارة.
*** راحت سارة وابنتها الكبيرة تجهزان حقائبَ السفر، وذلك قبل يوم واحد من رحلة الاصطياف السنوية إلى الزبداني. مساءً، اجتمعت العائلة في الإيوان لتناول العشاء. تداولوا على الأثر موضوعَ السفر، وإذا سلو يخاطبُ شقيقته الصغرى بنبرة آمرة: " أنتِ تبقين بالبيت، لأن امرأة أخيك بحاجة لمساعدة في غياب أمك وعيشو ". في مثل هكذا موقف، كانت رابعة تركض إلى حجرتها كي تعول هناك مثل جرو جريح. لذلك أدهشت بعضَ الحاضرين، لما طأطأت رأسها علامة على الخضوع للأمر. برقت عندئذٍ عينا هَدي، وما لبثت أن تبادلت مع رجلها نظرة مواربة: إنهما على معرفة أكيدة بسبب إذعان الفتاة، وأنّ ذلك أملاً منها بالحظوة في رؤية صديق شقيقها؛ هيَ مَن لم ينم لعلمها بعدُ، ما جرى معه في يومٍ أسبق. في مساء اليوم التالي، أدخل سلو ضيفاً إلى الإيوان وكان والده قد أنهى للتو صلاته. لم يكد الحاج حسن يعرف الضيفَ، وكان شاباً حسن الهيئة، يلمع شعر رأسه الأسود بالزيت والطيب، إلا بعدما هُرع هذا لتقبيل يده. كان برو، عامل النول، ويلوح من مظهره أنه قبلَ عرضاً مغرياً قدمه له معلّمه. هذا الأخير، أكّدَ تكهننا حينَ رفع عقيرته ليوصي حريمَ البيت بإعداد الشاي. انتبه الحاج لما في حركات ونظرات الفتى من ارتباك، فاعتقد أن مرد ذلك يعود إلى وجوده تحت سقف منزل زعيم الحي السابق وكان عادةً لا يتجاوز عتبة بابه أثناء مجيئه لحمل الغداء لمعلمه أو أشياء من هذا القبيل. حاول عندئذٍ الحاج التخفيف عن الضيف، بسؤاله عن أحواله وعائلته. لكن سلو لم يشأ إضاعة الوقت بالمجاملات، فدخل فوراً في الموضوع: " برو كلمني منذ مدة عن رغبته التشرف بمصاهرتك، وها هوَ قدم بنفسه كي ينال رضاك ". بقيَ الشاب ساكتاً، سوى أن لون وجهه شحبَ. هز الحاج مسبحته، وما لبث أن تنحنحَ وكأنه يُشجّع طالبَ القرب على الكلام. " يكون لي عظيم الشرف، عماه، لو أنني أحظى بمصاهرتكم "، تكلم الضيفُ أخيراً بصوتٍ كالحشرجة. هنا، أخذ المعلمُ على عاتقه الكلامَ، فأخذ يكيل المديح لأجيره على همته واجتهاده وسلوكه. حتى إذا قاطعه صوتٌ أنثويّ، صادر من مطبخ الدار، فإنه هُرعَ في الحال إلى تلك الجهة. ذلك كان صوتُ رابعة، وكانت قد حضّرت الشاي للضيف دونَ أن تعلم أنه قادمٌ لخطبتها. غبَّ مغادرة الشاب للدار، استدعاها الوالدُ كي يأخذ رأيها بالموضوع. الحاج حسن، كان فيما مضى يعطي أهمية قليلة لرأي الفتاة. لكنه خضع مرةً لحجة امرأته، لما تعلق الأمرُ بزواج الابنة الكبيرة. في حالة الصغيرة اليوم، وبغياب سارة وعيشو، كان قد مال إلى تزكية سلو لأجيره وأنه سيكون مستقبلاً معلماً ماهراً وربما صاحبَ نول أيضاً.
#دلور_ميقري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حديث عن عائشة: الفصل الثالث عشر/ 1
-
مدام بوفاري، في فيلم لكمال الشيخ
-
حديث عن عائشة: بقية الفصل الثاني عشر
-
حديث عن عائشة: الفصل الثاني عشر/ 2
-
حديث عن عائشة: مستهل الفصل الثاني عشر
-
جريمة كاملة
-
حديث عن عائشة: بقية الفصل الحادي عشر
-
فردوس الفقراء
-
حديث عن عائشة: مستهل الفصل الحادي عشر
-
جريمة مجانية
-
حديث عن عائشة: بقية الفصل العاشر
-
حديث عن عائشة: الفصل العاشر/ 2
-
حديث عن عائشة: الفصل العاشر/ 1
-
حديث عن عائشة: بقية الفصل التاسع
-
حديث عن عائشة: الفصل التاسع/ 3
-
صراع على العيش
-
حديث عن عائشة: مستهل الفصل التاسع
-
حديث عن عائشة: بقية الفصل الثامن
-
حديث عن عائشة: الفصل الثامن/ 2
-
حديث عن عائشة: الفصل الثامن/ 1
المزيد.....
-
فلسطين 36.. كيف أعادت آن ماري جاسر صياغة جذور النكبة سينمائي
...
-
حين بدأت الحكاية.. كيف يقرأ فيلم -فلسطين 36- جذور النكبة؟
-
عبد العزيز سحيم.. قارئ يرسخ حضور جيل جديد في الجزائر
-
7 رمضان.. يوم سيادة عثمانية على المتوسط وميلاد الأزهر
-
“المخرج الأخير”
-
سفينة الضباب في المرافئ
-
ملفات الشيطان
-
عن المعتوهين من بني جلدتنا!
-
فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة
...
-
حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا
...
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|