أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الرابع/ 5














المزيد.....

سارة في توراة السفح: الفصل الرابع/ 5


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6435 - 2019 / 12 / 12 - 14:13
المحور: الادب والفن
    


في الخريف المستهل سبعينيات القرن التاسع عشر، بينما الموجة الأولى من الأمطار تهاجم السفحَ لتطرد آخر المصطافين المتنعمين، القادمين من دمشق، كانت والدة سارة تهنئ نفسها بالحصول على الحرية مع طفلين في كنفها. حقاً إن طليقها سبقَ واستفاد جملة وافرة من المال، بعيداً عن رقابة صاحبته، لكنها لم تفرط بأيّ من أملاكها وعقاراتها، سواءً المورّثة من الأم أو الأب. هذه المرأة، القوية الشكيمة والشديدة المراس، لم تكن على الأرجح لتقدّر ما سجّلته من مآثر وهيَ في ذلك العُمر الربيعيّ، قياساً إلى حالة ندّاتها في السفح الآخر؛ أينَ ولدت ونشأت كابنة لأسرة كردية من الوجهاء، اختار قطبها أن يلوذ في حمى الزبداني كي يؤسس فرعاً جديداً من سلالته قبل أن يتوسد جثمانه ثراها.
سأتدخل هنا، كالمتطفل، على هامش سيرة والدة جدتي لأبي، لأعقد مقارنة بينها وبين النبيلات الروسيات، المُعرَّفات أدبياً ب " نساء تورغينيف "، اللواتي لم يُظهرن سوى في الريف ما حُبينَ به من موهبة وإرادة ودهاء ومكر!

***
شوكة كأداء، كانت ما تنفك منغرسة في ظهر أديبة، وعليها كان أن تتفرغ لها الآنَ بعدما ظفرت بقضية الطلاق وحضانة الأطفال. في هذا السبيل، أوحى لها ذهنها أن تشيع على الملأ قصة أرملة الأب مع عشيقها، بوصفها واقعة زنا كانت سبباً في قرار القاضي، المعلوم. الزوجان العاملان في خدمتها، المربية والبستانيّ، كلاهما أخذ على عاتقه نشرَ الخبر في البلدة كونه من ساكنيها الأصليين والأقدر على فهم العقلية المحلية. مثلما ينفذ ضوء الشمس من خلال سحب الخريف، كذلك كان حال الحكاية الشائنة التفاصيل، التي راحت تنتقلُ في البلدة من فم لفم، وصولاً إلى سمع والد حوريّة. فيما سلف، كنا قد نوهنا بما اتصف به هذا الفلاح البسيط من شيمة الكرامة والاعتداد بالذات، وذلك بملء شرطه على رمضان آغا لما جاء ليخطب ابنته الوحيدة. ردة فعل الرجل، فيما يتعلق بقصة ابنته وعشيقها، كانت فورية واتسمت بالصرامة ـ كما نمى لغريمة حوريّة، استناداً لمعلومات من العم عمر. هذا الأخير، كان ما زال في وهم الأرملة أنه في خدمتها ويواظب على مخاتلة سيّدته.
استدعى إذن الرجلُ الملول ابنته، ليفهم منها ملابسات تلك المزاعم الماسّة شرف الأسرة. تفطنت المرأة بذكائها، إلى أنها أضحت مثل ظبية محاطة بوحوش مفترسة. فلم تجد سبيلاً للنجاة، إلا في إنكار أيّ علاقة ربطتها برجل خارج إطار الزوجية. وإذا الوالد يفاجئ الابنة بطلبٍ ملح، وهوَ أن تترك منزلها كي تأتي لتعيش في مسكنه مع طفلها. فيما كادت تغلق بابَ النميمة، فُتِحَ لها بابٌ آخر وهذه المرة سيُفضي لتأكيد نصر غريمتها وما يتبعه من شماتةٍ وتشفٍّ. لكنه طلبٌ لا راد له، وعليها كان أن تتقبله صاغرةً. رجت والدها أن تُمنحَ مهلة من الوقت، لتتدبّر أمرَ الانتقال من منزل إلى آخر. في حقيقة الحال، أنها شاءت بذلك الانفراد خفيةً مع عشيقها بغيَة محاولة الخروج من المأزق. هذا ما تحقق لها بعد بضعة أيام، حينَ تسلل السيد سليم إلى بيتها.
البستانيّ العجوز، في المقابل، أخفى عن أديبة سر اللقاء. وكان ذلك، عقبَ تمعّنه جيداً في عواقب انفضاح ستر العشيقين مع دليل ملموس: بمكره ودهائه، أيقنَ أن الفضيحة ستترافق بجريمة على أغلب تقدير، وأن التحقيق لا بد ويكشفَ أمر تورطه فيها ولو بشكل غير مباشر.
ما لم يعلمه العجوز الماكر، أنّ حوريّة المجروحة القلب والكرامة، وصل إليها عبرَ شخص آخر غيره، خبرُ استعانة غريمتها بالوجيه الدمشقيّ، طراد آغا، وذلك للوساطة عند القاضي. كان الوقت بداية الخريف، وقد أملت الأرملة الجميلة أن تتصل بالآغا، بطريقة ما، قبيل عودته إلى الشام: حدسها كامرأة، أوحى لها أنّ أديبة ربما تفكّر بذلك الرجل المزواج ـ كقرينٍ مناسب، تستعيد من خلاله الاعتداد بالذات بعدما خانها الرجلُ، الذي كانت قد تزوجته وفرت معه برغم أنه من خدم والدها.

***
من ناحيته، كان سليم يأمل أن يجمعه بأرملة سيّده مجدداً مخدعُ العشق والوصال. لكن حوريّة، للسبب المذكور آنفاً، صدّت رغبته وليسَ بغير قليل من الازدراء. وضعته بعدئذٍ في صورة الحال، وأن الحل الوحيد أمامهما هوَ الافتراق نهائياً. ارتاع العشيق من الفكرة، مبدياً استعداده للذهاب منذ الغد لخطبتها من والدها. قالت له حوريّة بنبرة ساخرة: " تأخر الوقت، ولن تفعل شيئاً بذهابك إلى أبي سوى توكيد حكاية الزنا! "
" إذاً نتقابل على فترات متباعدة، لحين أن تقطع ألسنة الوشاة وتنسى الحكاية؟ "
" لِمَ لم تفكّر بحل آخر، أنتَ مَن كانت لك سابقة الهروب مع الحبيبة والزواج بها في سرغايا؟ "، تساءلت بدَورها وبنفس اللهجة المتهكّمة. أجابَ بعد وهلة صمت، ضائعاً محتاراً: " بوسعنا ترك البلدة إلى مكان أبعد، لا يُخامر الشك أحداً بوجودنا فيه. وأعني الانتقال إلى الشام، بعد بيعنا ما نملك هنا في الزبداني "
" على علمي، فلا أملاك لديك هنا أو في أيّ مكان آخر؟ "
" لديّ المال، لكنني أطمح للمزيد منه كي يتسنى لي العمل بالتجارة في دمشق "، قالها متلعثماً ومتضايقاً أشد الضيق من طريقتها في الكلام. بقيت نظرتها تجول في سحنته ملياً، قبل أن ترد بحسم وشدة: " لستُ في حاجةٍ للمال ولا لصاحبه! أريدُ رجلاً، وليسَ شبه رجلٍ يخون امرأته الشابة، ابنة سيّده، التي هربت معه وكان من الممكن أن تفقد حياتها لا أسرتها حَسْب ".
ذلك، كان اللقاء الأخير للعشيقين، اللذين افترقا وكل منهما يحمل الضغينة والحقد على صاحبه. حوريّة، عقبَ اجتيازها للمحنة، راحت إذن تخطط بهدوء للانتقام من ابنة زوجها الراحل؛ ممَن كانت سببَ كل ما حاق بها من مشاكل، غبَّ ترملها، إن كان بخصوص الإرث أو الأقاويل الملوثة للشرف، المؤدية لتخليها عن منزلها.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع/ 3
- سارة في توراة السفح: مستهل الفصل الرابع
- سارة في توراة السفح: الفصل الثالث/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الثالث/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الثالث/ 3
- سارة في توراة السفح: مستهل الفصل الثالث
- سارة في توراة السفح: بقية الفصل الثاني
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 3
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الثاني/ 1
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 3
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 2
- سارة في توراة السفح: الفصل الأول/ 1
- ليلى والذئاب: الخاتمة
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 5
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 4
- ليلى والذئاب: الفصل الرابع عشر/ 3


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سارة في توراة السفح: الفصل الرابع/ 5