أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(15)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف(15)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 6422 - 2019 / 11 / 28 - 22:24
المحور: الادب والفن
    


انتظم الدوام في المدارس بعد أن وضعت الحرب أوزارها،لم تكن هنالك امتحانات نصف السنة،كانت الكثير من العوائل البغدادية التي قدمت للمدينة في أيام الحرب سكنت المدارس،لهذا كانت مدرستنا بحاجة لتنظيف كبير خاصة وإن مياه الأمطار تجمعت بكثافة في ساحتها،الكثير من الرحلات المدرسية كانت محترقة لأنهم استخدموا خشبها للتدفئة أو الطبخ،كان واضحا آثار ذلك حتى على جدران الصفوف التي تحمل آثار الطبخ على نار من الخشب أو ربما كانوا يتدفئون من برودة شهري يناير وفبراير.
وها نحن في مارس حيث بدأ الجو يعتدل،لا أحدا يمتلك المال لتصليح ما تم تخريبه،لم يكن بمقدورنا أن نعيد صبغ جدران المدرسة،لا أحد فكر في ذلك ومن فكر لم يطرح فكرته لأنه يعرف جيدا إن كل ما نمتلك من نقود سندفعه لبائع الطحين أو البقال،الأسعار ترتفع يوميا ولم نعد نفكر بنوعية ألأكل وجودته،ولا بنوعية السجائر المهم إنه دخان ليس إلا.
أمي كانت تعاني في إعداد وجبات الطعام لنا،كانت توزع لكل منا حصته بيده،صحيح إنها ثلاث وجبات اكل لكنها تبدو متباعدة بين فطور الصباح والغداء ظهرا والعشاء،الوقت يبدو طويلا لأننا نجوع بسرعة بسبب نوعية ألأكل.
ماذا يمكن أن تفعل الأمهات أو حتى الآباء،الموظفون هم الضحايا،رواتب محدودة وسوق يرتفع كل لحظة وليس كل يوم.
عندما استلمنا رواتبنا ضحكنا لأنها تكفي ليوم واحد فقط،ربما أمي إن سلمتها راتبي هذا سترفض أن تستلمه،لكنه على كل يكفي ليوم أو يومين في أحسن ألأحوال.
هذا الوضع دفعني وغيري من الموظفين أن يمارسوا العمل بعد الدوام،ولأنني من كشكين لم يكن أمامي سوى أن أقدم أوراقي كعامل بناء،أحاول أن أزيد مواردي القليلة بأموال أخرى تجعلني أعيش بكفاف.
لم أجد صعوبة في إيجاد فرصة عمل في العطل وأيام الجمعة،الكثير من عمليات البناء لم تكن في المدينة بل في القرى.قلت لصديقي في العمل لقد بدأ عصر القرية من جديد،ضحك وقال في كل مرحلة من مراحل العراق تكون هنالك طبقة من المجتمع تقفز،سابقا قبل حرب إيران كانت طبقة المعلمين هي الأعلى،وزعوا لهم الأراضي ومنحوهم قروض للبناء،كان الكثير منهم يقضي عطلته الصيفية خارج البلد.
جاءت الحرب مع إيران ليقفز الضباط إليها،حتى البنات كن يرفضن الزواج إلا من ضابط ،وتراجع المعلم،ضحكت وقلت له المعروف عن المعلمين إنهم بخلاء،قال له بل يخططون لحياتهم،قلت له وهل أنت تخطط،ضحك وقال لا قيمة للتخطيط اليوم حتى صدام ألغى وزارة التخطيط الآن نحن في عصر(يوم بيوم) حتى اليوم الواحد تفشل في التخطيط له.
كانت أمي وغيرها من النسوة معاناتهن الحقيقية في الخبز،الطحين الممزوج بالجص والتراب أو أشياء أخرى لم نعرفها من قبل.
صحيح الحرب العسكرية انتهت لكن هنالك حرب أكثر قساوة،برزت طبقة الفلاحين،باتت البنات يرغبن بالتزوج من هؤلاء،الكثير منهن فعلن ذلك،كنا نعمل في بناء بيوت جديدة لهم،لم تكن لهم معاناة في توفير وجبات ألأكل للكثير من العمال،البعض منهم كان يضحك علينا وعلى رواتبنا التي لا تساوي سعر حذاء نايلون.
كانت رواتبنا تزداد والسوق يرتفع،تفقد الزيادة قيمتها وتصبح عبء علينا،في أحاديثنا الخاصة كنا نلقي اللوم على صدام الذي دخل الكويت وجعلنا بهذا الحال.
بدأ الكثير من الناس يبيع حاجيات البيت من أجل الطعام،أنا بدأت ببيع مكتبتي التي تضم الكثير من الكتب والمجلات،تحولت هذه الكتب والمجلات إلى طحين وبطاطا وأحيانا كثيرة باذنجان،قالت أمي ذات يوم وهي تجدني أحمل كمية منها،أنت قرأتها أليس كذلك؟قلت لها نعم ولأكثر من مرة،قالت يمكنك الإستغناء عنها،ضحكت وقلت لها ممكن جدا،شعرت إنها تحاول التقليل من معاناتي،لكنني بصراحة لم أكن كذلك،صحيح أنا طالعتها فلماذا تمكث معي لتكون طعاما للجرذان لما لا تتحول طعاما لي.
كنت في بداية ألأمر أنتقي الكتب والمجلات التي أبيعها لصاحب المكتبة،بعدها لم أكن أميز بين مجلة وأخرى أو بين كتاب وآخر،ذات مرة سألني صاحب المكتبة هل انتهت كتبك ومجلاتك؟قلت له توجد بقايا ربما أبيعها،هذه البقايا كانت فيها مقالاتي الأولى في مجلات عربية،بعد أيام حملتها إليه،أعطاني سيجارة وقال أنا مثلك بعت آخر ما عندي.لكني سألته من يشتري هذه المجلات والكتب،ضحك بقوة وقال أصحاب محلات البقالة يضعونها تحت سلال التمر أو العنب،ضحكت وقلت له وهل يشترون الصحف القديمة،نظر إلي قال عندك؟قلت له إي عندي قال إجلبها كلها إنها أفضل من أوراق المجلات والكتب.
شاهدت ساعي البريد الذي يعرفني جيدا،سألته هل لا زال البريد يعمل،قال نعم يأتينا بريد من دول عدة،فكرت أن أعيد هوايتي القديمة التي أنتهت بدخولنا الكويت.
عدت لأوراقي ومكتبي الصغير وغرفتي حاولت أن اكتب لكن لمن؟لا أحد ستصله رسائلي في الكويت والسعودية وحتى المغرب أو الجزائر،ربما الجزائر لم تشارك في التحالف،كتبت عدة رسائل وانتظرت لم يصلني ردا.
ذات يوم كنت في البريد أضع بعض الرسائل كوجبة ثانية لعلني أحظى بالرد،وجدت شاب يأخذ بريده،قلت له هل لديك عناوين صحف عربية،فتح حقيبة صغيرة بيده وناولني ورقة فيها مجموعة عناوين وقال لي يمكنك الكتابة إليهم،نقلت العناوين في دفتر كان بيدي.
أخترت صحيفة تونسية،لكون تونس هي الأخرى كان موقفها معنا،لهذا أضمن نشر ما أرسله وقد أعيد هوايتي المفقودة،كتبت رسالة سريعة وضعتها في البريد.ربما أجد صدى لها فيما بعد في بلد يبعد عني آلاف الكيلومترات هو في قارة أخرى.
ساعي البريد صديقي،كنت بحاجة أن أساله هل وصل بريد يحمل أسمي،فضلت أن أنتظر،قلت مع نفسي لو وصل بريد سيقول لي قبل أن اسأله،لم يطل الانتظار كثيرا بعد ذلك،حمل لي ذات مجموعة كبيرة من الرسائل كلها من تونس،فرحت كثيرا بها وعرفت إن ما أرسلته للجريدة قد وصل،كان هدفي أن أفتح نافذة أطل منها على العالم الذي يحاصرنا كشعب ولا يحاصر النظام الذي أرتكب حماقة نحن ندفع ثمنها أو فاتورتها.
أغلب الرسائل تحمل كلمات تضامن،الجميع يريد أن يكون سفيرا لوطنه دون أن يفكر أحدا أن يكون سفيرا لنفسه،مع هذا وجدتها رسائل جميلة وأنا كنت بحاجة إليها،ولأول مرة أجد من بين الرسائل هنالك رسائل من شابات متحمسات ليعرفن شيئا عن العراق.
ورسائل من شباب ورجال تجاوز بعضهم الخمسين،من بين هؤلاء رجلا كبيرا في السن وعلى ما يبدو في منصب عسكري في بلده،كان يشيد بصمودنا وتحدينا لأمريكا ومن تحالف معها،ربما تصور الرجل إننا سنظل نقاتل نيابة عن الجميع،من بين كل تلك الرسائل كانت ثمة رسالة أنيقة،كلماتها تختلف أعدت مطالعتها أكثر من مرة،فتاة في السابعة عشر من عمرها،طالبة ثانوية أسمها حنان،وحنان أسم شائع في العراق جدا.
في المساء كنت أكتب الردود على هذه الرسائل،فضلت عدم الرد على حنان مع هذه المجموعة،لأنني أريد أن أطالع الرسالة مجددا،أنا بطبعي لم أكتب من قبل رسالة لأية فتاة،ولم تصلني قبل هذا اليوم أية رسالة من أية امرأة.
بقيت أطالع رسالتها وقررت أن أرد عليها بما يليق بها،وجدت نفسي أكثر شهية في الكتابة،أكملت رسالة الرد وفي الصباح وضعت كل ردودي في البريد.
لم أكن بحاجة لشيء في هذا اليوم أكثر من حاجتي أن ينتهي الدوام وأذهب لدائرة البريد لعلي أجد رسائل جديدة،كنت قد انتهزت وقت فراغ لي في المدرسة وكتبت رسالة ثانية إلى حنان أجيبها عن سؤال كان في نهاية رسالتها الوحيدة.
بعد الظهر وضعت الرسالة في البريد وسألت صديقي ساعي البريد الذي قال لم يأت بريد اليوم ونصحني باستئجار صندوق بريد يكون عنواني الثابت والدائم،فكرة بدت لي جميلة وأنيقة وحضارية،توقفت أمام مبلغ الإيجار السنوي كان يساوي نصف راتب شهر،المبلغ ليس كبيرا أمام أسعار المواد الغذائية،قال لي يمكنك دفعه على شكل دفعات،لم أتردد في القبول ودفعت ما في جيبي دفعة أولى وتسلمت مفتاح صندوق بريدي الذي حمل الرقم(4).
أسرعت لغرفتي وبدأت بكتابة رسالة ثالثة لحنان،لم يكن لدي ما أكتبه سوى أن أفترض إنني قد أستلمت رسالة جديدة منها وها انذا أجيب على أسئلتها التي طرحتها،كنت ادخل في حوار افتراضي معها،في نهاية الرسالة درجت لها عنواني الجديد ورقم صندوق بريدي.
كانت حصتي من وجبة الغداء محفوظة،تناولتها بسرعة وانتهت قبل أن اشبع،مضت الأيام ما بين انتظار للرسائل ومشاغل العمل سواء في المدرسة أو في العطل والإجازات،وكل يوم افتح صندوق بريدي أجده فارغا،ساعي البريد صديقي أكد لي إن بداية ألأسبوع تأتي الرسائل وشرح لي آليات وصول الرسائل للخالص.
في ظهيرة يوم شديد البرودة فتحت صندوق بريدي وجدت فيه كدس من الرسائل،حملتها،لم أبالي بالعدد كنت أبحث عن رسالة منها،لم تكن رسالة واحدة،بل ثلاث رسائل كما فعلت أنا،كان يجب أن انتظر وصولي لغرفتي كي افتح هذا البريد القادم من قارة أخرى.
فرحت كثيرا بالردود وبالكثير من الكارتات الجميلة التي حملت جمال تونس التي كنا نعرفها بالخضراء،كانت أيضا قصاصات من صحف تونسية منها ما نشر لي مؤخرا.
هنالك صحف تونسية كاملة وصلتني،كلها ركنتها جانبا وبدأت أطالع رسائل حنان تلك الفتاة التي كنت بحاجة لأن أرسم تفاصيل وجهها من خلال كلماتها وخطها،لا أدري كنت بحاجة لأن أضع ملامح لها.
توالت الرسائل وفي كل مرة عندما أفتح رسالة تحتوي على كارت يخيل لي إنها صورتها، أغمض عيني ومن بين أصابعي أطل عليها لعلها تكون صورتها التي لا أريد أن أراها دفعة واحدة فأجدها منظر طبيعي وصورة بحر وسفح جبل،وخلف كل صورة تكتب هذه صورتي الجديدة.
في يوم نقل إلينا معلم رياضة جديد،كنت اعرفه من قبل،سألني أنا أراك كل يوم تمرق مسرعا تحمل بين يديك رسائل،ضحكت وقلت يا محمد تلك رسائل أبعثها وأخرى تأتي لي،هو محمد صادق جراد صديقي الذي أصبح هو الآخر معلم رياضة،نظر للرسائل التي بين يدي وضحك وقال هواية جميلة،قلن له هذه ليست هواية بل نافذة نطل منها على العالم الذي لا يريدنا أن نراه.
كنت بحاجة لصديق بمواصفات محمد أتكلم معه،يشاركني هوايتي هذه،كان يدير محل كبير لبيع الزجاجيات، يمكنني أن أشرب قدح شاي على حسابه الخاص،وأحيانا كثيرة سندويش فلافل.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (14)
- يوميات الحرب والحب والخوف (13)
- يوميات الحرب والحب والخوف (12)
- يوميات الحرب والحب والخوف (11)
- يوميات الحرب والحب والخوف (10)
- يوميات الحرب والحب والخوف (9)
- يوميات الحرب والحب والخوف (8)
- يوميات الحرب والحب والخوف (7)
- يوميات الحرب والحب والخوف (6
- يوميات الحرب والحب والخوف (4)
- يوميات الحرب والحب والخوف (5)
- يوميات الحرب والحب والخوف (3)
- يوميات الحرب والحب والخوف (2)
- يوميات الحرب والحب والخوف (1)
- لماذا الخدمة الالزامية؟
- الصوت الإنتخابي
- المحكمة الإتحادية واستفتاء كردستان
- البرزاني هل أختار النهاية؟
- اتفاق حزب الله
- صحوة سعودية أم ماذا؟


المزيد.....




- الزبدية
- بينَ ليلٍ وصباحٍ
- خبراء: مقابر غزة الجماعية ترجمة لحرب إبادة وسياسة رسمية إسرا ...
- نقابة المهن التمثيلية المصرية تمنع الإعلام من تغطية عزاء الر ...
- مصر.. فنان روسي يطلب تعويضا ضخما من شركة بيبسي بسبب سرقة لوح ...
- حفل موسيقى لأوركسترا الشباب الروسية
- بريطانيا تعيد إلى غانا مؤقتا كنوزا أثرية منهوبة أثناء الاستع ...
- -جائزة محمود كحيل- في دورتها التاسعة لفائزين من 4 دول عربية ...
- تقفي أثر الملوك والغزاة.. حياة المستشرقة والجاسوسة الإنجليزي ...
- في فيلم -الحرب الأهلية-.. مقتل الرئيس الأميركي وانفصال تكساس ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف(15)