أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - لون جديد














المزيد.....

لون جديد


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6310 - 2019 / 8 / 4 - 15:43
المحور: الادب والفن
    


لم يخرج السوريون من بلادهم وحيدين، خرجت معهم سورية التي عجزت عن "إسقاط النظام"، فراحت تبحث عن مكان آخر تولد فيه. خارج الحدود، على يد السوريين، أطفال وشباب، أمهات وآباء، أخوة وأخوات، تولد سورية لطيفة مثل غيمة لا تعرف الحدود. السوريون في الخارج يصنعون بلاداً لا حدود لها سوى في قلوب أبنائها.
في الخارج تولد سورية أخرى، بلا حدود وبلا سلطات أمر واقع وبلا وصايات، بلا شوارع تملؤها حواجز التفتيش، وتستعمرها أبنية عمياء صلدة تحرق أعمار الأهالي وطمأنينتهم وآمالهم، وبلا أسطح تملؤها القناصات، وبلا بيوت وطرقات يسكنها الخوف والموت العشوائي. في الخارج تولد سورية فتية، بعيدة عن الأيدي الشريرة التي واظبت على خنقها، وعن العيون الشريرة التي واظبت على زرع الرعب في عروقها. تولد سورية أخرى على يد سوريين من كل حدب وصوب، ينسجونها بكل الحنان الذي يولده القهر، وبكل الحرص الذي تولده التجارب المريرة.
تلاميذ يتوجهون إلى مدارسهم في صباحات الشمال المعتمة، يقود خطواتهم الأمل، ويحملون سوريا في قلوبهم، فيما ألسنتهم تعتاد لغات العالم الأخرى. شباب يبحثون عن عناصر ومتممات لمشاريعهم الثقافية، يترجمون سوريتهم في الإبداع. مخرج شاب يحاول بموهبته أن يستخرج الألم السوري المزمن، كمن يخرج شظية من اللحم الحي. فنان يفتح أمام السوري أبواباً تحرر الروح من ثقل الكلام الدفين. موسيقي وممثل ونحات ورسام وكاتب، يسكبون الحياة في سورية التي تطفو فوق الحدود، في سورية طليقة، مشبعة بحريتها، ملونة بالموسيقى والفن والمنحوتات والرسوم والنصوص.
في الشعور الذي يدفع سورياً للسفر الطويل عبر البلدان كي يعين سورياً آخر، تولد سورية. في سعادة السوريين بإعداد "ثرود البامية" أو "التبولة" أو "الكبيبات" ودعوة الأصدقاء، تولد سورية. في السهرات الصغيرة وقطع العهود على التواصل الدائم، تولد سورية. في استعداد امرأة سورية على تحمل متاعب جمع السوريين في لقاءات تعارف، تولد سورية. في المفارقات التي يكتشفها الطفل السوري بين ما يرى هنا وما كان يرى هناك، تولد سورية. في التأكيد الذي يأتيك من أصدقاء سوريين استطاعوا البقاء أو يرفضون الخروج: "لا بد أنه سيتاح لنا اللقاء من جديد"، تولد سورية. في المرأة السورية التي تقول بعد الاطلاع والتجربة: "كم تحتاج سورية إلى فكرة الجمعيات الأهلية والعمل الطوعي"، تولد سورية. بين عجلات الكرفان التي يطوف بها السوري "محمد الرومي" في بلدات فرنسا وغيرها، كي ينقل ويعرض الفن التشكيلي والمسرح والأدب والموسيقى السورية، تولد سورية. بين أصابع "عاصم الباشا" وهو يشكل رأس المعري السوري، تولد سورية.
إنها تولد في صرخة طفل: "هذا البيت يشبه بيوت سورية"! وفي لكنة معلمة اللغة الفرنسية السورية القديرة وهي تحتل مكانها المستحق بين الفرنسيين. إنها تولد وراء الستائر الشفيفة لبيوت الأسر السورية اللاجئة، وبين سطور الوظائف المدرسية، وفي ثنايا الجوارب الصوفية التي تحيكها الأم، ومع فرحة السوري بنجاحه في صنع شراب العرق سوس، أو في استخراج العرق السوري من العنب المتاح.
من "رفع الكلفة" في اللقاء الأول، من انشغال السوريين الذين لا يعرفون مكاناً لقبور أبنائهم، بابتكار مقبرة افتراضية للشهداء، تولد سورية. تحت سطح التعب واليأس وحيرة العيون، حين يجتمع السوريون في الخارج، تولد سورية. من ثقل الخسارة، تولد. من عظمة التضامن، تولد. من الضعف، من الكبرياء، من اقتسام اللقمة، من الذات الجريحة، من "حلاوة الروح"، من التحدي الرقيق، من الموت المفاجئ في المنفى، من تربة الحنين والشوق، من اليد التي توضع على الكتف لتوحيد المشاعر، من كبت الرغبة في البكاء، تولد.
يولد لون جديد يضاف إلى اللوحة الأصلية، لون أصيل ومن عمق اللوحة، فيه من الشقاء ظلال ولكنها مغلوبة فيه لبريق نجاح لا يكف عن الاتساع. لون بحث طويلاً عن مكان يولد فيه، بعيداً عن يد الاستبداد، وسوف يكون له دور في جعل الاستبداد غريباً في سورية.
تشرين أول 2018






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الانتفاضات العربية ومآلاتها
- من الرئيس إلى البلد.. والمعنى واحد
- منطقان في الثورة السورية
- من التشبيح الاقتصادي إلى التشبيح السياسي
- نظام قتل عالمي
- رحلة شيوعي صغير
- منكوبون ولامبالون
- تسلية مأساوية
- الخطاب الموالي للنظام السوري: مواجهة الداخل بالخارج (2)
- الخطاب الموالي للنظام السوري: مواجهة الداخل بالخارج (1)
- يحدث في الثورة السودانية
- الجهاديون مرض الثورة السورية
- بماذا يفكر القناص؟
- التشبيح الموازي
- بورتريه ريفي
- التحديق في الموت
- رثاء الأحياء
- حركة أحرار الشام، بين الجهادية والأخوانية
- مقابلة عن الحالة السورية في 2014
- أبو طالب وأم اسماعيل


المزيد.....




- جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يعطي تعليماته السا ...
- خبير سياسي إسباني يتقدم بشكاية إلى القضاء ضد المدعو إبراهيم ...
- القضاء الفرنسي يقر حظر تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ومنظموها يتم ...
- -بروسيدا- مرشحة للقب عاصمة الثقافة الإيطالية
- برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى جلالة الملك من أسرة القوات المس ...
- سلاح ذو حدين في مجتمع المخاطرة.. مناظرة حول -التقدم- في العص ...
- المغنية مانيجا: مشاركتي في -يوروفجن- فوز شخصي كبير لي
- مصر.. الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- وفاة فنان مصري مشهور بعد مشاركته في مسلسلين في رمضان
- الموت يغيب فنان مصري شهير


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - لون جديد