أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - حول الموقف من الكوميديا وموت البطل في المسرح المعاصر















المزيد.....

حول الموقف من الكوميديا وموت البطل في المسرح المعاصر


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 6292 - 2019 / 7 / 16 - 18:05
المحور: الادب والفن
    


غالبا ما نجد هنالك أكثر من وشيجة ما بين تراث الكاتب السويسري فريدريتش دورينمات (1921-1990)، مسرحا وسردا ونقدا، وبين الإبداع العربي في المسرح المعاصر، تأليفا وإخراجا وإعدادا ونقدا، وبين وجودنا في هذا العالم، واعتراكنا في أزماته المتواصلة، المعاصرة والآنية.
لقد انشغل دورينمات، مثل غالبية جيله من الكتاب، بقضايا ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو لنقلْ، بقضايا مرحلة الحرب الباردة التي كانت تتفاقم يوماً بعد يوم أثناء فترة إبداعه. وكان سباق التسلح أبرز ملامح تلك الفترة، وكانت اكتشافات الأسلحة النووية وتطويراتها المختلفة تقف بالناس على أطراف أصابعهم من الرعب عندما كان ينشب خلاف بين الدولتين العظميين في ذلك الوقت، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية.
وكان دورينمات رجلَ عصره بمعنى الكلمة. كان يعيش فضيلة التسامح بما تضيفه على روح الانسان من رحابة صدر وتقدير لكل نواحي الضعف البشري، ومن حب للبشر والرغبة في السلام ومن حرية التفكير وجسارته. وفضيلة التسامح هذه هي التي تمنح أيضاً روح الكوميديا ونقدها المرح والفكاهي لشطحات الانسان وادعاءاته.
وذاك هو بالضبط موضوعنا اليوم.
إن الالتباس الذي تثيره مواقف دورينمات نكاد لا نجده عند أي كاتب آخر. فهذا الكاتب كان يقف ضد النظام الرأسمالي بمقدار ما يقف ضد النظام الاشتراكي، في الوقت عينه.
ومع ذلك فإنّ كاتبنا يؤكد دوما في مقالاته عن الفن المسرحي إن المسرح ليس ساحة لاصطراع النظريات والفلسفات، إنّما هو "ماكينة" يحاول الفنان أن يكشف عن إمكاناتها بواسطة اللعب عليها. ويقول دورينمات إنّ على الـمسرحيّ ألا يكون منتميا إلاّ إلى نفسه وألا يتكلم إلاّ كشاهد على ما يرى وأن يكون ضمير عصره.
وليس بالإمكان أبداً دحضُ حقيقة أن فريدريتش دورينمات هو كاتب روائي تراجيدي، خذ مثلا على ذلك روايته الشهيرة "القاضي والجلاد"، وهو كاتب مسرحي كوميدي من الطراز الأول، وخذ مثلا على ذلك جُلّ أعماله الشهيرة، كزيارة السيدة العجوز وهبط ملاك في بابل والشهاب الخ..
ولكن، أية كوميديا هي التي عليها يقيم دورينمات عمارته المسرحية؟
في البدء كان على دورينمات أن يتصدى لمفهوم "القدر" ذلك الأساس المتين المكين للتراجيديا. لقد هجر مفهوم "القدر" بشكله التقليدي خشبة المسرح إلى ما وراء الكواليس. وها هو العالم قد تم دفعه إلى حافة الهاوية. وبينما أصبحت كل الأحداث في مقدمة الخشبة، عرضية، ومحكومة بالمصادفة، إذن، فقد أصبح العالم كله كوميديا، بمعنى ان كل شيء يبدو ضئيلا ولا معنى له، النشاط البالغ المصحوب بالصخب، والعمل الدؤوب غير المعقول، استثارة الجماهير العريضة، الأجهزة والآلات والمكائن التي تعمل بلا انقطاع في هذا العالم الذي ما يزال مهدّدا بالحروب. كل هذا مضحك وساخر، لذا فإنّ التراجيديا الخالصة كشكل من أشكال الدراما التقليدية لا تناسب مثل هذا العالم المهووس. ويعزو دورينمات ذلك إلى عدّة أسباب في مقدمتها تغيّر شكل الدولة. فقد فقدت الدولة واقعها الفيزيائي وأصبحت القوة شيئا مرتبا محسوسا. حينما تنفجر قنبلة ذرية تشبه آثارها عش غراب عملاق، يستطيل ثمّ يتمدّد من جوانبه كالشمس، وحينئذ يصبح الجمال والقتل الجماعي واحدا. سبب آخر يضيفه كاتبنا السويسري في معرض حديثه لعدم ملاءمة التراجيديا لعصرنا الحاضر، ألا وهو انعدام مفهوم البطل دراميا. يقول إنّ عالمنا الجديد المعقّد لا يمكن تمثيله عبر تشخيص الأبطال والبطولة لأنّ الذي "يشخص" تراجيديات حياتنا هم جزارو العالم الذين يتولون عملية "الخراج" بآلات القهر الجماعي أمّا الأبطال الحقيقيون فغائبون ومجهولون، حتى لقد أصبح أي موظف محتال وتافه وضيق الأفق، أو أي شرطي، يمكن أن يمثل عالمنا أحسن تمثيل. إنّ عصرنا هو بحق عصر اللابطولة، وإنّ تطور البطل التراجيدي يتّجه بهدوء وروية نحو الكوميديا. لقد انفقد إحساس الفرد بالمسؤولية، وضعف أو انعدم شعوره بالذنب والإثم.
التراجيديا تفترض سلفا الخطيئة واليأس وتأنيب الضمير وضرورة الاعتدال والشعور بالمسؤولية الخ.. وفي عصرنا هذا، عصر الكاراكوزات والمهرجين، عصر رؤساء الدول المضحكين المقرفين، عصر القتلة الجماعيين وعصابات الجريمة المنظمة والعشوائية، عصر المتلاعبين بالسوق والقوت والعقول، عصر الميديا المبرمجة والمأجورة من فقهاء الرأسمال، لم يعد هنالك ذنب ولا مذنبون. لا مسؤولية ولا مسؤولون ولا هم يحزنون. وإذا كان "الذنب" لا يزال موجودا فإنّما هو شعور شخصي وفعل مرتبط بالدين لا أكثر. وهكذا لم تعد التراجيديا ممكنة في هذا العالم. ومع ذلك يقول دورينمات فإنّ ما هو مأساوي لا يزال بالإمكان تقديمه على خشبة المسرح شريطة أن نحقّق ما هو مأساوي من خلال الكوميديا، عن طريق صياغتها كلحظة مرعبة، وهاوية انفرجت فجأة، تماما مثل كثير من كوميديات شكسبير، حيث يطفو على سطحها ما هو مأساوي.
بدأ دورينمات كاتباً للقصة عندما نشر مجموعة منها بعنوان (البلدة)، ثم تحول للمسرح مع مسرحية (المكتوب)، التي كتبها عام 1946، وقدمت على مسرح زيوريخ عام 1947 بإخراج كورت هورفتس. وبعد مسرحية (زواج السيد مسيسيبي) يكتب دورينمات مسرحيته المعروفة (زيارة السيدة العجوز) وهي المسرحية التي حققت له الشهرة على المستوي العالمي. و(السيدة العجوز) هي (كلير تسافانسيان) التي غرر بها (السيد آيل) في شبابها، وأنجب منها ولدا ثم تخلي عنها وعن ولدها. فتسافر إلى أمريكا، وهناك أغرت بجمالها العديد من أصحاب الملايين وتخلت عنهم بعد ان استولت على أموالهم، ثم تعود إلى بلدتها لتنتقم من (آيل) فتغري بأموالها أهالي البلدة وتدفعهم لقتل هذا الرجل المسكين. وهنا ينكشف، أمام زحف المال، المستوى الأخلاقي المتدني الذي وصل اليه أهالي البلدة. ان دورينمات يتحدث في هذه المسرحية عن (مجتمع الرخاء) أي المجتمع الرأسمالي الذي انعدمت فيه القيم والمبادئ والأخلاق. ولقد قلنا في مقال سابق لنا بعنوان (زيارة السيدة العجوز والمسرح الراسمالي) إن الشبه بين عالم هذه المسرحية وبين الأوضاع السائدة في أوروبا الغربية باد للعيان، فبعد الحرب العالمية الثانية تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إفساد وشراء المجتمعات الأوروبية الغربية، ولم تقصر عملية الإفساد هذه على الطبقات البرجوازية التي لها مصلحة في هذه العملية بل شملت العمال والمثقفين إلى حد كبير.
إنّ الكوميديا هي التي تساير العصر لأنّها لا تزال هي الأقدر على مخاطبته. هكذا نفهم من فريدريتش دورينمات. فبينما تفترض التراجيديا وجود عالم له موضوع وشكل، فإنّ الكوميديا تفترض العالم بلا شكل إطلاقا. تفترضه عالما يخلق للتو ثم يقلب رأسا على عقب. إنّ التحوّل إلى الكوميديا كجنس درامي يمكن أن يؤدّي إلى الاعتقاد بأنّ الكوميديا هي تعبير عن حالة اليأس، ولكن هذا الاعتقاد ليس حتميا، فمن الصحيح أنّ أي إنسان يمكن أن يصاب باليأس يتأكّد من خواء هذا العالم من المعنى ومن الأمل، إلاّ أنّ هذا اليأس ليس نتيجة لهذا العالم لكنه بالأحرى ردّ يدلي به الفرد أمام العالم.
وبحسب نظرته إلى تحديد ما هي الكوميديا، يقول دورينمات بكل أسف إنّها لا تزال أقل شأنا من التراجيديا، فهي ليست سخرية من مجتمع محدّد ومعروف كما هو الحال عند "موليير" فالكوميديا ستعتبر شيئا مريبا وغير لائق عندما تجعل متفرجيها يضحكون ويشعرون بسعادة بهيمية كمجموعة من الخنازير. الكوميديا موجهة فقط إلى هؤلاء الذين ينامون عندما يستمعون إلى محاضرة من "هيدغر".
لقد استطاع دورينمات أن يرصد أزمات النظام الرأسمالي والكوارث الناجمة عنه لدرجة أنه قد تم تصنيفه بناء على ذلك ككاتب سوداوي. لكنه في الوقت نفسه لم يستطع رؤية الكوارث الناجمة عن دولة عنصرية مثل (إسرائيل) عندما أعلن تأييده لعدوانها على العرب عام 1967، وعندما منحته الدكتوراه الفخرية عام 1974.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشكلة الأجناس الأدبية.. نظرة من جيرار جينيت
- ويتمان شاعر الشعب والعشب عربياً ملوحاً بالخيال
- تعال وكن حبيبي
- حجر الجنون - مقاطع من قصيدة نثر طويلة-
- لو افترضنا suppose
- حضور لا يضاهيه غياب
- هذا فقط لكي أقول
- صالونات ضيقة.. فضاءات مفتوحة
- حوار مع المسرحي التونسي لطفي ابراهم: أكتب انتصارا للمنسيين و ...
- بريشةِ نسْرٍ ستَرسمُ الغيابَ
- رُقْية لجَلْبِ الحَبيبْ
- يونس: أحد عشر عاما لستَ فيها
- برجك اليوم أو هوروسكوب
- حَمَّام
- الدكتور فخري الدباغ رائد الطب النفسي في العراق
- شعراء الإنستغرام: كيف تقوم وسائل التواصل الاجتماعي بصنع الشع ...
- نقد التحدّي والاستجابة: عرض مفاهيمي لجمالية التلقّي والتواصل ...
- الشاعرُ والتَّناصُّ (النصّ التصحيحيّ)
- نحو واقعية جديدة في الأدب العراقي الحديث
- عن المساواةِ والتفاوت بين البشر: جَانْ جَاكْ رُوسُّوْ مُسْتَ ...


المزيد.....




- فتى المسرح الأول.. سعيد صالح مفجر ثورة -الخروج عن النص-
- يبث غدا.. برنامج -ما خفي أعظم- يكشف خبايا فيلم -غريبو الأطوا ...
- فنانة مصرية لزوجها السعودي الراحل: لن أشتغل فن فيه ابتذال (ف ...
- وفاة الفنانة الكويتية انتصار الشراح
- محمد مهدي الجواهري عشق براغ فغيرت من بلاغته
- -ارتبط روحيا بمدينة القدس-.. رحيل شيخ الفنانين التشكيليين ال ...
- هكذا احتفلت سفارة المغرب في جنوب إفريقيا بعيد العرش المجيد
- السلطات الجزائرية تسحب إعتماد قناة - العربية -
- -باي باي لندن-.. وفاة الفنانة الكويتية انتصار الشراح في العا ...
- عرض موسكو للحلوانيين


المزيد.....

- معك على هامش رواياتي With You On The sidelines Of My Novels / Colette Koury
- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - حول الموقف من الكوميديا وموت البطل في المسرح المعاصر