أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - على المنوفي: وداعًا أيها الفارس النبيل















المزيد.....


على المنوفي: وداعًا أيها الفارس النبيل


خالد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 5868 - 2018 / 5 / 9 - 11:15
المحور: الادب والفن
    


" لكنها تدور..."

على المنوفي: وداعًا أيها الفارس النبيل


د.خالد سالم
(رئيس قسم اللغة الإسبانية في جامعة بدر،القاهرة)

في غمرة الحزن على ما هو خاص وما هو عام انفرط مجددًا عقد الترجمة والدراسات الإسبانية في أرض الكنانة لتسقط معه لؤلؤة نادرة تجسدت في رحيل الزميل والصديق الرائع علي المنوفي الذي بُذر في طمي النيل وشرب عرق الفلاحين ووجعهم الأبدي ليعود إليهم في كفر الشيخ سليم، من أعمال طنطا، بعد أن حط عصا الترحال الطويل في جامعة الأزهر قبلها بيوم، وبعد عقود دراسة وكفاح في القاهرة ومدريد وسلمنقة.
المداد الإلكتروني لا يسعفني في أن أخُط كلمات بسيطة في نعيه لخلاصه من ظلم الإنسان وأزف روحه إلى السماء حيث العدل والعدالة والراحة الأبدية التي افتقدها في بعض محطات حياته.
سيظل جرح رحيله غائرًا في نفسي ونفوس كثيرين من الزملاء وتلامذته قبل أن نتخطى الحزن عليه، ففقده حدث جلل لم يكن أبدًا في الحسبان، إذ كان مقبلاً على الحياة ويريد أن يمتد عمره عقدين آخرين. غيبه الموت وهو في هذه الحالة، لهذا فإن صدمةً أصابت الكثيرين حوله. كان يحلم معي بمشاريع ثقافية وأكاديمية للسنة الدراسية القادمة في آخر لقاء جمعنا قبل وفاته بثلاثة أيام، دون اعداد مسبق، إذ كانت هناك حاجة للقاء سيصبح وداعًا أبديًا.
كان أفضل من استوعب محاور ثقافية ثلاثة في اختصاصنا، الدراسات الإسبانية والأميركية اللاتينية، إذ عرّج على الحضارة المصرية القديمة ومعها التاريخ الإسلامي والمسيحي من خلال محطة العمل في السياحة، وفي إسبانيا تجرع الثقافة الغربية وتمثلها جيدًا. وهناك استوعب التنوير والحاجة إلى الحرية والديمقراطية، وهو ما كان له في حواراته وحياته اليومية في وسطه العائلي والجامعي وطروحاته على وسائل الإتصال الإجتماعي التي كانت تستهويه.
بيد أن الفناء كان يؤرقه رغم تشبثه بالحياة. وبينما كان في جامعة الأزهر صباح الخميس، يوم السادس والعشرين من أبريل، باغته الموت وهو في حالة صحية جيدة بعد ستة أشهر من عملية جراحية ناجحة، فانفصل ما هو سماوي عن ما هو دنيوي ليبدأ رحلته الأبدية التي لن يعود منها مجددًا إلى عالم مترع بالظلم والصراعات والحقد. فأجأنا جميعًا برحيله غير المتوقع ليرتفي سلم النور نحو سماء تضيئوها أحلامه المتناهية وكأنه لا يفنى، وكان هو الشاهد الوحيد على بداية نهاية الرحلة في الجامعة التي كانت السلم قبل الأخير في الاعداد العلمي له.
رحل هذا الصديق والزميل العزيز فترك لي وجعًا لا تسعه روحي ولا صدري. غادر عالمنا بعد رحلة كفاح طويلة بدأت مع نعومة أظفاره ما أدى إلى انحناء روحه لكن قامته الصلبة والقوية صمدت أمام خطوب الكد والمعاناة في غابتنا اليومية التي ضاقت بنا وأخذ المتر المربع الخاص بكل واحد منا في رقعة مصر الجغرافية الواسعة الضيقة يتآكل ويمور تحت اقدامنا.
كانت قريته العزيزة عليه، كفر الشيخ سليم، حاضرةً في حياته وتصرفاته اليومية التي طغى عليها الصلابة والكرم والبساطة والنبل، وكلها خصال رضعها في أسرة ريفية فيها شمم وكرم ربت أبناءها وعلمتهم بعرق كفاح طويل، وكان الفرع خير مثال للأصل، وهو ما بثه في ولديه سمر، الكاتبة وطبية الأسنان، وكريم، المدرس في الجامعة.
بيد أن هذه المعاناة والكبد صقلا شخصية إنسانية ومهنية من طراز خاص، يعلوها التأمل في ما حوله وتحدي الواقع ليصنع منه فردوسه الذاتي في عالم من النجاحات المهنية في دنيا الترجمة والوشائج الجامعية الإنسانية والعلمية مع مريديه الذين تكاثروا حوله في السنوات الأخيرة.
إذا كان هناك أحدنا، في حقل عملنا ونشاطنا الأكاديمي، يستحق تاج الغار فهو الدكتور علي إبراهيم منوفي –الشهير بعلي المنوفي- فقد حقق نجاحات كبيرة يصعب على شخص واحد في اختصاصنا أن يستعرض ذاته وسطها على مسرح كبير، إذ لا يسعها، شملت ترجمة حوالي خمسين عنوانًا ووسام الاستحقاق المدني من ملك إسبانيا وجائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة الشيخ حمد آل ثاني للترجمة، ومنذ شهرين نال شرف اختياره عضوًا مراسلاً في المجمع الملكي للتاريخ في إسبانيا.
كانت روحه قلقة، لؤوبًا، في حالة بحث عن الجديد، بعيدًا عن الترهات الشائعة. وكان دائم التفكير لا يقبل بالكثير من المسلمات، إذ كان يغربلها ويخرج منها بما هو صالح ويصارح برفض الغث منها رغم ما كان هذا سببًا في متاعب جمة، فأغلبية المستنيرين والمثقفين يؤثرون السلامة أمام الجماهير وقصور الحكم العربية. خاض في غالبية حقول المعرفة لترجمتها، فلم يكتف بالأدب، بل حلق في سماء العمارة الإسلامية والفلسفة والفكر ونظرية الترجمة والبحث العلمي.
من آخر أحلامه العريضة حلُم ترجمة كتاب عمدة في الثقافة الإسبانية المعاصرة، "التاريخ النقدي للفكر الإسباني" يتكون من سبعة أجزاء، وبعد أن حصل مجانًا على حقوق الملكية الفكرية من المؤلف، خوسيه لويس أبيّان، لم يجد ناشرًا يضطلع بهذا المشروع الكبير. كان في جعبته أيضًا مشاريع ترجمة أخرى، من بينها بعض أعمال الفيلسوف خوسيه أورتيغا إي غاسيت.
كان مشغولاً دائمًا بعناوين ينقلها إلى العربية، رغم عشرات الكتب التي ترجمها بالفعل، ولهذا فهو، في رأيي، نموذج مشابه لأستاذ الأدب الإنجليزي الدكتور محمد عناني، في كثرة ترجماته وتنوعها وعمق الكتب المختارة، مع الفارق في أن اختصاصات اللغات الأجنبية التي تبدأ الدراسة فيها في الجامعة، كالإسبانية والإيطالية والصينية والألمانية، لا تصل إلى مستوى اللغات التي تُدرس في مراحل التعليم السابقة على الجامعة، كالفرنسية والانجليزية، إذ يظل المخزون اللغوي والثقافي الخاص بالمجموعة الأولى أقل منه لدى دارسي المجموعة الثانية. لهذا فالمقارنة تفتقر إلى بعض العدل، لهذا فإن ارتقاء المنوفي سلم الدراسات الإسبانية والأميركية اللاتينية أمر يُحسب له بين عشرات من المشتغلين فيه اليوم.
كان خيّرا وكريمًا مع الجميع، خاصة الشباب، إذ مد لهم يد العون والمساعدة وأخذ بيد الكثيرين في البحث والترجمة التحريرية والفورية، وفتح لبعضهم أبواب الاختصاص الأخير، وهو أمر يُحمد له، خاصة أن دخله مرتفع ومن يسيطر على شريحة منه لا يتقاسمها مع أحد وإن كان متدربًا. لعل بادرة المؤتمر الذي عقد في سبتمبر الماضي في شرم الشيخ لا تزال ماثلة في أذهان الشباب الذين أشركهم في الترجمة رغم عدم دراية بعضهم بها، لكنه برحابة صدره اعتبر المؤتمر تدريبًا على العمل في هذا الحقل. ومهنة الترجمة التحريرية والتتبعية شرب أصولها وحده في مدريد في أثناء عمله في مكتب تمثيل جامعة الدول العربية في إسبانيا، ثم صقلها في المركز الثقافي الإسباني في القاهرة، معهد ثيربانتس، سنوات طويلة. عصاميته خيمت على أفقه الرحب في دنياه ووحدته في الكثير من لحظات الحياة العصية، وكانت كثيرة في السنوات الأخيرة، وحبسها بين ضلوعه منذ غادرته زوجه في رحلتها الأبدية وتركته وحيدًا في صراعه مع الدنيا.
استوعب الثقافة الغربية جيدًا خلال السنوات العشر التي أمضاها في إسبانيا بين الدراسة والعمل. وهناك درس الدكتوراه في جامعة سلمنقة وأشرف عليه بكتور غارثيا ديلا كونشا أحد أبرز أساتذة فقه اللغة والأدب في إسبانيا والأستاذ في جامعة سلمنقة ورئيس المجمع الملكي للغة الإسبانية ومدير معهد ثيربانتس. وهي أمور كانت تجعل الدكتور علي المنوفي يزهو بها.
كان المنوفي محاربًا من الطراز الأول لمثالب الدنيا والزملاء ما عرضه لسوء الفهم وجلب له مشكلات جمة لا تقل عن حب وعشق كثيرين له، وفي الخلف كانت نجاحاته الكثيرة والكبيرة وانتصاراته العديدة التي ازعجت الكثيرين في حقل اختصاص الدراسات الإسبانية وزهرة العمل فيها، الترجمة بأنواعها البارزة والفاعلة. نجاحاته كانت نعمة ونقمة عليه، نغصت عليه محطات عدة من حياته، فانسحبت على من حسدوه مقولة الجاحظ "حقد الصنف"، من منطلق أن "عداوة ابن الكار لا تشفع بالجار". ولعل مشكلة سرقة أحدهم لرسالة دكتواره في المسرح من باحثة أميركية التي زجوا به في أتونها من أكثر المعارك التي سبببت له مرارة إذ أصبح هو هدفًا للتنكيل من المتهم. كل هذا جاء في جوء تخيم عليه روح الطوائف الأندلسية بين زملاء وأقسام هذا المجال.
كان قلمه في سرعة البرق في الترجمة، ورغم السرعة كان يخرج لغة عربية سلسلة، وهي شهادة لا ينكرها أحد. استطاع أن يثري أرفف المكتبة العربية بعشرات الكتب. حصد ثمرة كده وعنائه في هذا المجال الحديث نسبيًا، إذ ينتمي إلى جيل مؤسسيه، فمن سبقونا فيه دخلوه من خلال الدراسات الأندلسية واللغة العربية من بينهم أساتذتنا الدكتور أحمد هيكل والدكتور الطاهر أحمد مكي والدكتور محمود علي مكي والدكتور لطفي عبد البديع والدكتور صلاح فضل، والكتور سليمان العطار، إضافة إلى آخرين، وهم الذين غرسوا بذرة الدراسات الإسبانية في تربة خصبة، راغبة في احتضان نبتاتٍ واعدة وراغبة في البزوغ سريعًا، جمع بينها طمي النيل في الدلتا والصعيد، في معظمها، فصارت أشجارًا وارفة، بعضها يعيش خريف العمر، وأصبح نبراسًا لأجيال جديدة من المشتغلين بالدراسات الإسبانية والأميركية اللاتينية.
عندما عدت من إسبانيا بحث الدكتور علي المنوفي عنى ووجدني فتأصلت بيننا صداقة وعلاقة جميلة مترعة بجولات جميلة من النقاش والجدل الفكري والثقافي، سبقها متابعة دقيقة لما أكتب وأعمل وأنا أعمل في جامعة مدريد. كان يتمتع بنهم كبير في قراءة ما ينتجه الزملاء، وهو ما كان له تجاه ما أنشر وأنا لا أزال في شبابي في إسبانيا.
وفي القاهرة انضم إلى جلساتنا ونقاشاتنا عمود خيمتنا الثالث الصديق الجميل الدكتور علي البمبي فأضفى هدوءًا بشخصيته المميزة. وكانت تربطهما علاقة منذ مرحلة الدراسة في المعهد الديني في طنطا الذي كان مثار نكات شبابية وذكريات جميلة وأنا أتأملهما وأستمتع أمام مشاكسات المنوفي للبمبي، بدءًا بالملبس الأزهري وقاعات الدرس والمدرسين إلى أن تخرجا فيه وحصدا المركز العاشر والعاشر مكرر في الثانوية الأزهرية على مستوى الدولة، ومن الصدف الجميلة أنهما حصدا المركز الأول والأول مكرر في الجامعة. وكان حصول المنوفي على هذا المركز نقطة تحول مفصلية له وللأسرة في القرية، والذكريات عنها كثيرة، تعلوها شقاوات شاب وعزم على النجاح وشق عباب المستقبل مهما كانت شاقة.
كانت لنا مشروعات كثيرة، خاصة في ما يتعلق بالدراسات الفكرية في إسبانيا وأميركا اللاتينية، فقد تشبعت السوق بترجمات للأدب المكتوب بالإسبانية وانحصرت في الرواية وبعض الشعر، وكأن إسبانيا ومعها الدول الناطقة بالإسبانية لا تاريخ ولا فكر ولا ثقافة لها. وكانت الواقعية السحرية مشجب هذا القصور إذ حظيت باهتمام كبير برغبة من المثقفين الذين أرادوا أن يقرأوا نتاجها الأدبي. كان من بين مشروعاتنا المستقبلية ترجمة بعض الكتب عن لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية لعله يفيد في تحريك المياه الآسنة في وطننا العربي على اتساعه، فهو التيار الديني المستنير الذي كان أحد أسباب تحرر أميركا اللاتينية من الطغاة والمستبدين والعسكر والأميركيين نحو الحرية والديمقراطية.
استطاع الدكتور علي المنوفي أن يغير دفة ومجرى الدراسات والترجمات المتخصصة من الإسبانية إلى العربية في السنوات الأخيرة في محيطه، وعقد دورات وورشًا في الترجمة المتخصصة، الأدبية والسياسية والصحفية والقانونية، في المركز القومي للترجمة وفي مراكز خاصة يشرف عليها تلامذته ومريدوه في دنيا الترجمة وتعليم اللغات. كان لا يكل من الحركة والتنقل من مكان إلى آخر وراء الثقافة والتعليم، وبدا للكثيرين نحلة شغالة لا تنفد قواها أبدًا رغم التقدم في العمر نسبيًا. كان حراكه يزوده بملعومات كثيرة عن أبناء حقلنا، لولاه لما عرفناها. لكن قول الحق لا يروق للكثيرين، فكان يُزج به في أتون معارك لا حاجة لها، وكان يقابلها بضحكات ساخرة ويؤولها حسب السياق واللحظة. ومن أبرزها معركة سرقة أحدهم لرسالة دكتوراه في الخارج، وزجوا به فيها. إلا أنه كان قادرًا على ابتكار الجمل والمبررات التي تحسم المواقف لصالح أرائه ومواقفه لسرعته في التقاط الخيوط والقدرة على التحليل. أذكر أن أحدهم تصرف بكبرياء لأنه يشغل منصبًا إداريًا في جامعة أخرى وفي لمح البصر رد قائلاً: أستاذانا الطاهر مكي ومحمود مكي لم يشغلا منصبًا إداريًا في الجامعة المصرية، وأين هذي الدعي منهما؟!
عمل في الإرشاد السياحي سنوات طويلة ما جعله يقرأ في تاريخ مصر القديمة والعصرين المسيحي والإسلامي ما زوده بزخم كبير ومعرفة واسعة ندرت بين المشتغلين في هذا مجالنا، فوسعت أفاق المعرفة لديه واحسن هضم تاريخ مصر وثقافتها الشعبية فأفرز لديه أفكارًا رائعة صقلها ذكاؤه الحاد الذي كانت تنم عنه نظراته ووتشع به أفكاره. كان مدركًا أن الحقبة المسيحية في تاريخ مصر لم تلق ما تستحقه من اهتمام رغم ثرائها وأهميتها المفصلية في تاريخ وهوية مصر والمصريين.
لهذا كانت ثقافته عبارة عن ترنيمة مصرية قديمة ورقصة فلامنكو إسبانية لا تقل آصالة عن الترنيمة، رقصة الفلامنكو، الفن الذي شاهدناه معًا في دار الأوبرا المصرية قبل رحيله بخمسة أيام وحينها هام في دنيا هذا الفن وأبدى اعجابًا لم أره في شخص آخر ونحن في القاعة إذ رفع يديه وشدهما على مقربة من وجهه وأغمض عينيه تأكيدًا للاستمتاع بالعرض وصفق طويلاً عدة مرات. تصورته للحظات أن المسافة تقصر ليعتلي خشبة المسرح ويراقص الفنانة الإسبانية، خاصة وأن قامته المميزة كانت تؤهله لهذه الشطحات الخيالية. هذا دون أن ينسى، بين لحظة تناغم وأخرى ونحن في الحفل، التغذية الراجعة لعشاقه على صفحات التواصل الاجتماعي، وكانوا آلافًا، بفقرات فيديو من العرض، فأسعده عدد مرات مشاهدة فيديوهات الفلامنكو التي نشرها على صفحته. تصرف يومها كالطفل السعيد بلعبة أهدتها إليه أمه توًا.
أحسن علي إبراهيم منوفي، الريفي الأصيل والفطحل في مجاله، استيعاب كل ما وقعت عليه عيناه بفضول معرفي ليخرجه عسلاً شهيًا لطلابه بغية تسليحهم ضد التطرف وسوء فهم الدين من أجل الحفاظ على الشخصية الوسطية الأصيلة للمصريين. كان يعشق الثقافة الإسبانية وروح الشعب الإسباني في اقباله على الحياة واستمتاعه بها. كنت أكرر عليه عنوان ديوان الشاعر الشيلي بابلو نيرودا "أعترف أنني عشت" وهو ما اعترفت به مرارًا بعيدًا عن المحرمات والممنوعات، إذ تخطاها معي في أحاديثنا وفي حياته الأسرية فربى ولديه عليها وحصد ثمرة تربيته في شابين رائعين وناجحين، يفهمان الحياة ويعيشانها سائرين على درب أب تحلى بالعقلانية ومنح الأبناء متسعًا من الحرية. وهنا يحضرني وحدته في الدنيا بعد رحيل زوجه إذ كثيرًا ما أسر إليه بأن وفاتها كان ضربة قاصمة له، فقد تركته في سن حرجة، فلا هو بالشاب ولا بالمسن.
ذكريات شعرية وأبيات ومقاطع بعينها كانت تحوم على حواراتنا ومزاحنا المتكرر، ولعل أنطونيو ماتشادو ورفائيل ألبرتي وقصائدهما التي تحولت إلى أغانٍ كان أوفر حظًا من ترديدنا لها، وإليهما انضم شاعر العراق العظيم عبد الوهاب البياتي عندما أخذت عليه شطرًا له "كبُرت يا خيام" لممازحته حول شعره الأشيب مبكرًا، وأمام مزاحي المتكرر ألح على أن أقرأ عليه القصيدة المطع المتضمن هذا الشطر من قصيدته "الموتى لا ينامون"، فحفظها وكان يرددها معي ليداعنبي عندما أخذ شعري يقلده:
في سنوات الغربة والترحال
كبرت يا خيّام
وكبرت من حولك الغابة والأشجار
شعرك شاب والتجاعيد على وجهك والأحلام
ماتت على أسوار الليالي ومات أورفيوس
ومات في داخلك النهر الذي أرضع نيسابور
وحمل الأعشاب والزوارق الصغيرة
إلى البحار، حمل البذور،
وعربات النور
إلى غد الطفولة
كبُرت يا خيام
وكبرت حولك القبيلة
عائشة ماتت، وها سفينة الموتى بلا شراع
تحطمت على صخور شاطئ الضياع
-قالت، ومدّت يدها: الوداع
أراك بعد الغد، في المقهى، وغطت وجهه سحابة
من الدموع، بللت كتابه.
كان مرهفًا يتمع بذائقة راقية للشعر، وكانت لنا شطحات سمر في استرجاع قصائد تعني بالإنسان. ومع الأيام اختصرنا هذه القصيدة في شطري " كبرت يا خيّام/شعرك شاب والتجاعيد على وجهك والأحلام" للمزاح أمام شَعره الذي شاب وصار كندفة ثلج منذ سن مبكرة. كان في شخصيته جانب يذكرني دائمًا بالشاعر العظيم عبد الوهاب البياتي، أعني الجانب المشاكس، المحب للصراعات، وفي الخلف قلق دائم يحرك روحهما صوب هذا الاتجاه، مقارعة الاعوجاج والادعاء.
استخدم المنوفي صفحات التواصل الإجتماعي ساحة نزال قارع فيها الأفكار الرثة والجامدة والارتزاق والفساد والإداري والجامعي أينما حل، وكان آخرها توالد رسائل الماجستير بعد زرع برنامج دراسات عليا جاءت به جامعة سلمنقة إلى الجامعات المصرية التي تُدرس فيها اللغة الإسبانية وآدابها واختصر في كلمة "مُولش"
Master Universitario en Lengua y Cultura Hispanicas (MULCH)
إذ كان يرى فيه خطرًا على مستوى اعداد طلاب الماجستير في هذا المجال، وما هو إلا طريقة للتربح يتربع عليها البعض!! إضافة إلى تكاثر حملة ماجستير لم يتلقوا الاعداد العلمي اللائق. كل هذا يتسق مع روحه اللؤوب الباحثة عن الإصلاح وارتقاء أعلى درجات السلم.
وامتدت عراكاته الأكاديمية حتى آخر أيامه في الدنيا، ولعل الجميع يذكر واقعة الاعتراض أن يُكون ثلاثة عشر طالب دكتوراه دفعة واحدة في قسم اللغة الإسبانية في جامعة الأزهر العام الحالي، وهي معركة خاض غمارها على صفحات التواصل الاجتماعي قبل وفاته بخمسة أيام. هذه الآراء كان يرمي بها على الملأ لكننا لم نُجبل على حرية الرأي، وطالما أننا نستفيد من الأمر فلا ضرورة لتحريك المياه الآسنة التي تُزكم الأنوف على مسافة مئات الفراسخ.
يوم أن خرجنا من دار الأوبرا، بعد حفل الفلامنكو، كنت شاهدًا على مكالمة هاتفية أجراها مع زميل له يشغل منصبًا إداريًا في الكلية حول رأي زميل آخر على هذه القضية التي أثارها يومها على صفحته. ارتفع صوته واحتد نبرته كثيرًا ، هدأته قليلاً ثم حكى لي ما حدث في ذلك اليوم. وبعدها بيوم اتفقنا على أن نلتقي مرة أخرى، على غير عادتنا، خففت عنه واتفقنا أن نسترد العمل معًا – بعد اعتذاره عن التدريس في الفصل الدراسي السابق جراء الجراحة التي أجريت له- في جامعة أخرى أعمل فيها منذ بداية العام الدراسي الحالي، بغية أن نواصل تأسيس القسم الذي أنجزت فيه، مع زملاء آخرين، خطوات ناجحة. سعادته كانت كبيرة بعد أن اطلع على مستوى الطلاب واعتبر عرضي رد اعتبار له ووفاء، إذ كان يشعر بالغبن من علاقته بالبعض في مجالنا وجحد تجاهه، وهو ما شكا منه بمرارة.
والمرارة هنا تنسحب أيضًا على عدم حصوله على أي تكريم رسمي من مصر، فقد قدره أشقاء الخليج والإسبان، ولم تعره أرض الكنانة اهتمامًا بمنحه جائزة أو حتى ندوة تكريم لمسيرته الطويلة. كثيرون يسكننا الألم من هذا التهميش لعدم الانتماء إلى عالم الشللية. أتمنى أن تتذكره جامعة الأزهر بندوة علمية لتأبينه ترصد فكره المستنير الذي تجلى في محاضراته ومقدمات ترجماته ومراجعاته لزملاء آخرين، إضافة إلى أسلوبه في الترجمة.
وسط مشاعر الحزن والألم على رحيله سعدت باهتمام صفحات التواصل الاجتماعي برحيله وانجازاته في حقل الترجمة إلى جانب وسائل الإعلام الإسبانية والعربية. إلا أن مريديه اعطوه حقه في زفه إلى السماء. كان مشهدًا عجائبيًا، بدا وكأنه قد أخرج من إحدى روايات الواقعية السحرية التي كان يعشقها. تمنيت لو شاهد هذا التكريم والحزن على رحيله، لكان قد شعر بسعادة غامرة لا يسعها صدره. ولكنها أحلام أضغاث تنتابني، فقد ولوج في سفرة الرحيل الأبدية التي لا عودة منها.
تميزت صفحته بسعة الأفق ورحابة الصدر، لا تصادر رأيًا وإن اختلف مع صاحبها، وشهدت مناوشات وحروبًا كثيرةً مع البعض تماشيًا مع رأي الجاحظ. إلا أن ثقافته الواسعة والمتشعبة منتحته هامشًا عريضًا للتغاضي عن التفاهات وصغائر الأمور، دون أدنى استعلاء على الآخر مهما كانت حجمه وبؤس مشاركته في القضايا التي يطرحها التي كانت تشمل أفرعًا كثيرًا من المعرفة الحياة اليومية والاجتماعية والثقافية والأكاديمية.
كانوا كلما ارادوا النيل منه يتهمونه بالعلمانية! وهي في الأذهان الرثة والنفوس الخبيثة صنو للإلحاد، وهذا أمر صعب لمن رضع الحياة في ريف أرض الكنانة الذي بحث عن الخالق وفك شفرات الكون عقائديًا منذ فجر التاريخ. لقد ملأ الدنيا صخبًا وكثيرًا ما كانت ملاحظاته المثيرة للجدل تربح الرهان لأنه كان مثقفًا نوعيًا وأزهريًا مستنيرًا كان يُعمل العقل متأثرًا بما تجرعه من الثقافة الغربية في أثناء الدراسة في إسبانيا.
تميز عن كثيرين من المثقفين والمشتغلين بالدراسات الإسبانية بأنه كان اجتماعيًا، يساعد بتفانٍ شباب هذا الحقل، وكان يروق له أن تحلقوا حوله في كل مكان، سواء أكان حقيقيًا أم افتراضيًا. وعن بعد كان الجميع يدركون هذه الومضة المضيئة في شخصيته التواقة لتقديم العون والمحبة للتواجد والحضور.
ظل طوال عقدين أقرب زملاء اختصاصنا والأصدقاء إليّ فكرًا وثقافة. كنا نتناقش في كل شئ دون خوف من محاكم التفتيش التي ينصبها الآخرون لمن اختلف عنهم. وكثيرًا ما شهدت مقاهي مدينة نصر حواراتنا البناءة التي كان ينضم إليها عمود خيمتنا الثالث كثيرًا إلا أنه احتجب مرات عدة عن لقاءات السمر والنقاش مؤخرًا بعد أن غير مسكنه إلى أحد أحياء شريحة الأغنياء، حسب القراءة اللوذعية للمنوفي.
في آخر لقاء كان هاجس الموت يتملكني فطلبت منه، إذا تجسدت هواجسي في واقع، ألا ينقطع عن الاطمئنان هاتفيًا على نجلي ناصر، فأطلق ضحكة مجلجلة، إذ كان يرى أنه سيترجل من قطار الحياة قبلي، نظرًا لفارق السن. إلا أن القدر شاء أن يسبقني في رحلته الأبدية نحو العدم. وعدته يومها بأن أكتب عنه إذا تجسد توقعه. وكان الموت قد سبق أن اقترب من ثلاثتنا إذ تعرضنا لحادث سير تهشمت سيارته بينما كنا في طريق العودة من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا إلى القاهرة منذ أكثر من عامين. يومها كتبت لنا حياة جديدة، لكنه لم يتأخر كثيرًا في مغادرتها نهائيًا، ليمثل رحيله خسارة فادحة للثقافة العربية.
سيظل الدكتور علي إبراهيم منوفي، الأصل والأصيل، خالدًا في نفسي ما حييت بفكره المتقد وعقليته المنفتحة وشخصيته البسيطة وكرمه وبشاشته، عكازًا توكأت عليه في محني وأزماتي السريالية في أرض الكنانة، إذ كان شاهدًا على العهر الأكاديمي الذي عشته في السنوات الأخيرة لخصام افتعله الطرف الآخر لأنني رفضت تعيين معيد لا حاجة للقسم به، إذ رأيت أنه نموذج فساد حي واهدار للمال العام في أكاديمية الفنون. وكان ربك بالمرصاد، إذ لم تأت الرياح بما تشتهي السفن وكانت الغلبة للقانون في هذه الحالة إذ عُين من لم تكن عليه العين لأنه كان أعلى في التقديرات، لكن النقمة تجرعتها أنا، إذ رأوا أن عدم رفضي لم يفسح المجال أمام التواطؤ فنفذ القانون وزاد القسم عمالة لا حاجة لها.
خصاله الطيبة يصعب حصرها في هذه العجالة، خاصة أن ألمي عليه لم يتقلص بعد، إذ يبدو لي رحيله كابوسًا لا ينتهي. كرمه عمّ كل من حوله، وظل يحنو على الأقارب في المناسبات الدينية والاجتماعية طوال حياته في القاهرة ومدريد. ترجماته ومغامرات الفكرية والثقافية تعج بها مناقل المكتبات وهو ما سيجعله يعيش بيننا سنوات طويلة مرجعًا لأجيال قادمة في حقلنا. سيظل مصباحًا مشعًا يستضاء به كثيرون في هذا المجال، عبر تراثه الثر، وسوف يظل حيًا رغم رحيله الجسدي.
وداعًا أيها الفارس النبيل، شقيق روحي!

* الدكتور خالد سالم. رئيس قسم اللغة الإسبانية في جامعة بدر في القاهرة.





لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,656,248
- خذلان وتأملات أمام المشهد البشري في أرض الكنانة
- يوميات صعلوك، قصة من الأدب الإسباني
- رسالة حول مسرح خوسيه مورينو أيناس
- مسرح الهجرة في إسبانيا نموذجًا للمثاقفة ومخاطر ترجمة التابوه ...
- صورتنا لدى الآخر وطابورنا الخامس المفقود
- المنطقة العربية والطغاة والشعبوية في أميركا اللاتينية
- المجد لكرة القدم وفلسطين
- البيت العربي في إسبانيا وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم
- ثمانون عامًا تمر دون حل لغز مقتل الشاعر الأسطورة غارثيا لورك ...
- مهرجان طنطا الدولي للشعر دعوة للتنوع والمثاقفة
- محاولة للاقتراب من أدب الطفل الإسباني
- الأربعون ونوادر الزمالة
- الإنقلاب والاعدام
- نقاط إلتقاء وافتراق بين إنقلابي تركيا وإسبانيا
- كلمة - الرُبع- العربية الأكثر تداولاً في زمن العولمة
- المستعرب الإسباني فدريكو أربوس: الإستعراب الإسباني برئ من ال ...
- جمال الغيطاني وإسبانيا
- فن مَسْرَحة الصورة
- الهَنْكَرة والمَبْخَرة
- لماذا يكرهوننا؟!


المزيد.....




- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعة
- بعد اتهامها فنانة بنقل العدوى...دعوات للتحقيق مع مي العيدان ...
- ورشة تفكير تصوغ -الأفق العملي- للهيئة الأكاديمية العليا للتر ...
- ليدي غاغا تعرض نصف مليون دولار مكافأة للمساعدة في استعادة كل ...
- ديو غنائي بالأمازيغية والحسانية بعنوان -وني يا سمرا- يجمع اس ...
- الكشف عن آخر تطورات الحالة الصحية للفنان يوسف شعبان
- المسلسل الكوميدي الشهير -فريرز- يعود للشاشة بعد غياب 17 عاما ...
- رئيس الحكومة: إنجاح حملة التلقيح إنجاز يحق لجميع المغاربة ال ...
- المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد وموقف نقدي من الأدب ال ...
- وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام عن عمر يناهز 48 عامًا بعد م ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - على المنوفي: وداعًا أيها الفارس النبيل