أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - مسرح الهجرة في إسبانيا نموذجًا للمثاقفة ومخاطر ترجمة التابوهات








المزيد.....



مسرح الهجرة في إسبانيا نموذجًا للمثاقفة ومخاطر ترجمة التابوهات


خالد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 5752 - 2018 / 1 / 9 - 02:03
المحور: الادب والفن
    


مسرح الهجرة في إسبانيا نموذجًا للمثاقفة ومخاطر ترجمة التابوهات

د. خالد سالم
لا شك أن الغاية الأساسية من الترجمة هي التواصل ونقل المعرفة، إلاّ إذا كان هناك مانع يؤدي إلى إسقاط المعاني الثانوية، والاحتفاظ بالمعاني الجوهرية والأساسية فيها. وما يُتّبع من أساليب حرفية في نقل الكلام، ولاسيما في المصطلحات والتعابير المجازية، غالباً ما يخفق إخفاقاً ذريعاً في هذه الناحية المهمة في الترجمة؛ ذلك أنه يولد معاني تختلف اختلافاً كبيراً عن المعاني الأصلية، ويرسم صوراً دخيلة تنفصم عن المعاني المقصودة من تلك الصور الأصلية في بيئتها الطبيعية في لغة المصدر.
هذا عن الترجمة بصفة عامة، أما ترجمة المسرح فهي مهمة شاقة تتطلب جهدًا كبيرًا عنه في حال ترجمة أي جنس أدبي آخر، من منطلق أن المسرح قد يكون أكثر التظاهرات البشرية الأكثر تعقيدًا في عالم الفن، إذ يقوم التواصل فيه من خلال عدة قنوات وتنوع في القواعد الجمالية. فمن خلال مسامعنا تصل الكلمات والأصوات والموسيقى والصمت، ومن خلال أبصارنا يصل الضوء والفضاءات والحركات والأشياء والشخوص، أي أن كل ما يوجد على خشبة المسرح يقوم بعملية الاتصال، كل شىء له معنى، ويكتشف مترجم المسرح أنه يترجم الترجمة، وليس النص فقط .
الهدف الرئيس المرجو من ترجمة عمل مسرحي يكمن في إمكان تمثيله بنجاح، وعليه فإن مترجم المسرح يجب أن يأخذ في عين الاعتبار المتلقي، المشاهد، ويدرك أنه يعمل في جو من القيود أو الإلزامات: على عكس مترجم الروايات أو القصص لا يستطيع أن يفسر، أو يشرح مواقف يكتنفها غموض أو إشارات ثقافية، ولا يدخل في إطار عمله كتابة ألفاظ بشكلها الأصلي في اللغة الهدف من أجل الحفاظ على التنوع المحلي في النص المصدر، فهذا النص درامي يقوم على تفخيم الكلمات وليس وصفيًا ولا تفسيريًا. ويرى ترنس راتيغان (1) T. Rattigan أن الكلمة المنطوقة أقوى من المكتوبة خمس مرات: فما يمكن أن يقوله روائي في 30 سطرًا يستغرق لدى المسرحي خمسة أسطر فقط، أي أن العمل المسرحي يجب أن يكون مقتضبًا مقارنةً بالعمل الروائي.
ما أود أن أعرضه هنا هو مسألة ترجمة مسرحيات إسبانية تعالج مسألة الهجرة، وهي الظاهرة الطارئة والدخيلة على الأدب الإسباني. أعني ظاهرة الهجرة من دول المغرب العربي وإفريقيا إلى إسبانيا بحثًا عن سياق اقتصادي ومعيشي أفضل. وقد أدى هذا إلى ردة فعل متنوعة في المجتمع الإسباني، وتلقفها الأدب الإسباني، وعلى وجه الخصوص المسرح، إذ نُشر في العقدين الأخيرين عشرات الأعمال تعالج ظاهرة الهجرة، وكيف يتعامل المجتمع الإسباني مع المهاجرين.
الأعمال المسرحية التي تعالج هذه المسألة تحاول جلُها توعية المجتمع تجاه هؤلاء الضيوف الجدد من منطلق أن إسبانيا كانت في تاريخها المعاصر بلدًا طاردًا للكثير من سكانه الذين اضطروا يومًا ما إلى الهجرة إلى بلدان أوروبية أخرى وأمريكية لاتينية، في منتصف القرن العشرين، إضافة إلى المناداة بالابتعاد عن العنصرية تجاه المهاجرين.
وبالإضافة إلى الأعمال المسرحية التي تعالج هذه المسألة فهناك أعمال أخرى تدور حول التعايش في الأندلس بين أبناء الثقافات الثلاث التي تعايشت في ظل الحكم العربي لشبه جزيرة أيبريا طوال ثمانية قرون.
معروف أن ما هو عربي، مورو moro أو موريسكي morisco، كان له حضور في الأدب الإسباني منذ العصر الذهبي Siglo de Oro بدءًا بأدب الحدود والقصة الموريسكية ومسرحيات كل من ثربانتيس ولوبي دي بيغا وكالديرون ديلا باركا مرورًا بالقرن التاسع عشر موصولاً بالقرن العشرين حيث برز في هذا المجال الكاتب خوان غويتصولو.
غير أن المشهد في العقد الأخير من القرن العشرين شهد تحولاً كبيرًا ما أفسح المجال أمام ظاهرة جديدة، ظاهرة الهجرة إلى إسبانيا عبر مضيق جبل طارق وما صحبها من خطاب إجتماعي سياسي حول الدمج والإندماج، وخطاب الإقصاء وكراهية الأجانب وعدم التسامح، والتهميش، والخوف على الهوية الوطنية، إلخ. الخوف من الاختلاط بثقافات أخرى وضياع التقاليد تمثل غطاءً لتمويه العنصرية وكراهية الأجانب، دون أن يدرك مؤيدو هذا التوجه أن ضياع التقاليد في المجتماعات الغربية مرتبط أكثر بظاهرة العولمة منه بظاهرة الهجرة.
وقد اهتم أكثر من مسرحي بمعالجة الظاهرة في أعماله، وهي الظاهرة التي تشغل المجتمع الإسباني ما يصب في تظاهرات سلبية متزايدة تجاه المهاجر، نتيجة مخاوف جماعية تنبع أمام المجهول والغريب والتمازج بين الأجناس. بعض هذه الأعمال يشجب تصرفات ومواقف للمجتمع الإسباني المعاصر تجاه المهاجرين.
ومن بين المسرحيين الذين عالجوا هذه الظاهرة خيرونيمو لوبيث موثو الذي وضع عنوانًا عربيًا لمسرحيته له وهو أهلاًAhlán ، (1996)، ودابيد بلانيل في مسرحية "بازار Bazar " (1997)، وخوان مايورغا في "حيوانات ليلية Animales nocturnos " (2003)، وسيرجي بيلبيل في مسرحية "غرباء Forasteros "، (2004)، وخوسيه مورينو أريناس " الشاطئ Te vas a ver negro " . الأعمال التي عالجت التعايش في الأندلس كثيرة، ويعنينا هنا مسرحية رأس الشيطان La cabeza del diablo" للكاتب خيسوس كامبوس غارثيا.
تجمع جل هذه الأعمال على رسالة رئيسة تصب في أن على المجتمع الإسباني أن يكون أكثر سخاءً بصفته مضيفًا، لكن هذا لا يعني أن هذه الأعمال لا تنتقد جوانب أخرى، بما في ذلك تصرفات المهاجر نفسه. كما أن رسالة هذه الأعمال واضحة: على المجتمع أن يتغير ليتواءم مع الوضع الجديد، أي وجود المهاجرين في المشهد المحلي.
من الملفت للنظر أن الأعمال التي تشهد هذه الظاهرة الجديدة في المشهد الأدبي والثقافي الإسباني حملتني على التفكير في مولد أدب حدود جديد يعالج التماس بين الثقافتين العربية والإسبانية، على غرار القصة الموريسكية وأشعار الحدود Romances fronterizos التي انتشرت في القرن السادس عشر، وعالجت صورة الموريسكي المهزوم لكنها رفعت من شأنه بابراز خصاله النبيلة وفضائله. ومن أبرز هذه الأعمال "قصة وأشعار بن السرّاج" (2).
هذه الأعمال المسرحية الجديدة فيها لبنات هيكلية، من ألفاظ وتعابير ومفاهيم تصطدم ببعض ما لدى المتلقي العربي من ثوابت أخلاقية واجتماعية. فكيف يمكن التعامل معها عند نقل هذه الأعمال إلى العربية؟ هل ننقلها بحذافيرها أم نطوعها لثقافتنا؟ مع الأخذ في الاعتبار أن تصرفًا كهذا يدخل في اطار الافتقار إلى الأمانة، أو ما يسمى بالخيانة أحيانًا.
التهم سلهة وجاهزة مسبقًا لتوجيهها للمترجم، وكأنه مؤلف النص وليس مجرد ناقل يحاول توخي الأمانة في أدائه. ولهذا فإن المترجم العربي يعمل في محيط يتلمظ للوارد من الآخر بقدر ما ينشد التعرف على منتجه، فالسياق العربي محافظ بطبيعته لظروف وأسباب دينية، من ناحية، وأخرى تتعلق بدرجة تطوره. لهذا فإنه يتوقف أمام كل لفظ شارد حسب المفاهيم المحافظة للغة التلقي، ما يحول دون إطلاق لعنانه في الترجمة، إفساح المجال أمامه لأداء دوره في حرية، فالخوف من المتلقي، الفردي والجمعي، الخاص والمؤسسي، يحوم فوق رأسه، خاصة في حالة الألفاظ والأفكار المرتبطة بالدين والسياسة والجنس.
في ظروف كهذه يجد الخوف متسعًا له، الخوف من العقاب، ما يُثقل خطى المترجم، ويُلجم الكلمات والمفاهيم الغير معتادة ويثقل يدي المترجم ما يجعله يحيد عن نقلها بأمانة، إذ يلجأ إلى التحايل اللفظي والدلالي خوفًا من المقص، مقص الرقابة، الشخصية والجماعية، سوط الرقابة المجتمعية، أو في بعض الحالات العقاب الجنائي.
حري بنا أن نعترف بأن طريق المترجم من لغات غربية محفوف بالمخاطر، وهذا يثقل كاهله، ولا يتركه يؤدي دوره بالشكل المرجو، وكلها أمور تُضاف إلى مشكلات الترجمة المعروفة.
يجب الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الهدف الأول من الترجمة يكمن في التواصل ونقل المعرفة بين ثقافتين، إلا أن الانحراف عن الهدف المنشود يحدث عند إسقاط بعض المعاني الثانوية والمرفوضة اجتماعيًا، والاحتفاظ بالمعاني الجوهرية فيها، ما يؤدي إلى أساليب حرفية في نقل النص الأصلي، ما يولد معاني تختلف عن المعاني المرجوة في الأصل، ويؤدي إلى انفصام بين النص المصدر والنص الهدف.
نظريات الترجمة كثيرة وواضحة في هذا السياق، فبعضها يعالج الترجمة الأدبية ويقر بأنه لا ينبغي الانتقال من مستوى إلى آخر من مستويات الترجمة الثلاثة: الأولي، الوظيفي والتأويلي إلا في حالة ما تفرضه القيود اللغوية والحضارية في اللغة الهدف. ويصبح على المترجم الانطلاق من أقرب نقطة بين لغة المصدر ولغة الهدف، ويكون ذلك في المستوى الأولي للنقل، أي الأولي primary فإن كان هناك ما يمنع ذلك لغة أو حضارة وجب الانتقال إلى المستوى الوظيفيoperative ، وإن لم تستقم الترجمة للأسباب ذاتها وجب الانتقال إلى المستوى التأويليinterpretive ، لكن المستوى الأخير يضع المترجم في حيز علامات الإستفهام.
الصعوبة لا تكمن في ترجمة مصطلحات وألفاظ أجنبية إلى العربية بل على العكس أيضًا، دون ولوج المفهوم الأخلاقي أو الديني في هذه المجال. كما أن استغلاق اللفظ الموارب في العربية يجعل المترجم الأجنبي يتوقف عندها، حرصًا على استغلاقها لدى متلقي اللغة الهدف.
الأمثلة التي عشتها في مدريد كثيرة، أذكر منها واقعة، فعندنا شاركت في مشروع لترجمة مختارات من الأدب العربي إلى الإسبانية في مدريد، من مجمل التعبيرات الصعبة التي واجهت مترجمة رواية لنجيب محفوظ كانت هناك جملة مفادها أن أحد الشخوص "أخفى عورته بيديه"... فمفهوم العورة أو العيب عفى عليه الزمان لدى المجتمع الإسباني. شرحت الموقف للمترجمة، وكانت متمكنة من اللغة العربية، فأخرجت الجملة من ركاكتها واستغلاقها للمتلقي الإسباني بكلمات لا مواربة فيها.
وتزداد الأمثلة وتتنوع عند ترجمة أعمال مسرحية تمثل نقطة تماس بين الثقافتين العربية والإسبانية. أعنى هنا المسرحيات التي تعالج قضية الهجرة بعد أن أصبحت ظاهرة تشغل المجتمع الإسباني، بعد أن أخذت القوارب الصغيرة pateras تنقل المهاجرين الغير شرعيين عبر مضيق جبل طارق. وهناك ظهرت الأيدي العاملة الرخيصة في مجالات المهن الدنيا في إسبانيا، من نظافة البيوت والعمل في المزارع والمصانع، ما أدي إلى وجود حيز من التواصل بين الثقافتين عالجته أعمال أخذت تضع أسماءً وألفاظًا عربية عناوين لها وفي متونها، إحداها تحمل كلمة "أهلاً" التي أشرت إليها أعلاه، وأخرى للأطفال اتخذت اسمي علم من العربية والإسبانية "أوسكار أسامة" عنوانًا آخر، هذا ناهيك عن الأسماء العربية وكيفية كتابتها بالإسبانية.
معروف أن المسرح قائم على الحوار والإرشادات، وكي يكتمل السياق الدلالي يلجأ المؤلف إلى جمل وألفاظ تنتمي إلى ثقافة مجتمعه لكنها تمثل أحيانًا خدشًا لحياء متلقي اللغة الهدف، ضمن الوعاء اللغوي لمجتمع محافظ بطبيعته لظروف تاريخية وإجتماعية، وفي أحيان أخرى تُعد إزدراءً دينيًا يتوجب العقاب، بموجب قانون العقوبات في بعض الدول. هذه الجمل والإرشادات تكمل دلالات العمل من خلال مستويات لغوية يومية تمس المفاهيم الدينية والجنسية في حالات كثيرة.
من الكلمات السحرية في ترجمة السباب والألفاظ النابية من لغات أوروبية إلى اللغة العربية لفظ "تبًا" الذي له وقع السحر والخروج من المأزق لدى المترجم العربي، إذ يتخلص المترجم من اثارة المتلقي باللجوء إلى هذا اللفظ السحري والملغز بينما لا يكتمل النص به، ويظل السياق أعرج، فهذه التعبيرات والألفاظ الغليظة التي تُختزل فيها تكسب النص في اللغة المصدر قوةً ودونها يعتريه جمود وانحراف في بعض السياقات.
وهذه الكلمة السحرية، تبًا، تختزل الكثير من ألفاظ وتعبيرات الإسبانية التي دخلت لغة الحوار المجتمعية في المسرح الإسباني، ضمن أجناس الأدب الأخرى، مع لحظة التحول التاريخية التي انبثقت بعد وفاة الجنرال فرانكو وعودة الديمقراطية إلى البلاد في نهاية سبعينات القرن العشرين. فكثير من الألفاظ الغليظة التي كانت تعد سبًا في ظل سيطرة الكنيسة وحكم الجنرال فرانكو المتسلط طوال ثلاثة عقود، أصبحت مجرد الفاظ وتعابير لا يتوقف أمامها كثيرون، إذ لم تعد خادشة للحياء، بل زادت النصوص المسرحية قوة في الدلالة ونقل حالة تعبير من خشبة المسرح إلى الجمهور في القاعة.
ومن الجمل السحرية الأخرى في اللغة العربية التي يلجأ إليها غالبية المترجمين عند الاصطدام بأفكار وألفاظ لا تتماشى مع المتلقي العربية، والتي توشي بهزيمة المترجم، جملة "إذهب إلى الجحيم"، ففي بداية الخوض في مجال الترجمة كنت أتوقف أمامها لتكرارها وأقارنها بالنص الأصلي، خاصة في السينما، لأـكتشف أن الفارق كبير بين ما قيل في لغة المصدر ولغة الهدف، الترجمة.
المحاذير والمحظورات الاجتماعية تضع العقبات في طريق المترجم إلى اللغة العربية لتُثقل خطاه وقلمه وانسيابية مهمته. والأمثلة كثيرة على ذلك، فطوال مسيرتي في ترجمة المسرح من الإسبانية إلى العربية توقفت كثيرًا أمام كلمات وإرشادات وحوارات كي أقربها إلى المتلقي العربي دون أن أسيئ إليه. هل أثر هذا على المنتج؟ بالطبع، وكان التأثير بالسلب. من الأمثلة التي أذكرها في إحدى المسرحيات التي ترجمتها من الإسبانية إلى العربية إرشادة نصها بالإسبانية:
¨En otro plano, un aposento del castillo de Paterno en el que una Mujer le hace una felación a Otton III¨
أما ترجمتها المبتورة فهي:
(في مستوى آخر، غرفة في قلعة باتيرنو حيث تقوم امرأة بمصمصة أتون الثالث)
وفي الصفحة التالية هناك إرشادة أخرى نصها:
¨La mujer al acabar la felación, se incorpora, y dándole la espalda a Otton III, se limpia con asco¨
الترجمة المبتورة:
(بعد أن انتهت المرأة من المصمصة، تعتدل في جلستها، تعطي ظهرها لأوتون الثاني، وتنظف نفسها بقرف.)
بيد أنني كنت أعي ما فعلت لهذا أشرت في هامش النص المترجم، دون مواربةـ إلى البتر الذي ارتكبته توخيًا للأمانة أمام الاضطرار (3). وكلتا الإرشادتين تمثل نقطة ارتكاز المشهد الرابع، قبل الأخير، في الفصل الثالث والأخير في مسرحية "رأس الشيطان" La cabeza del diablo للمسرحي الأندلسي خيسوس غارثيا كامبوس الذي استلهم فيها مساحة واسعة من تاريخ الأندلس والعلاقة بين الثقافتين العربية والغربية، دون نسيان الثقافة الثالثة، اليهودية، في حجمها التاريخ الضئيل مقارنة بالكبريين، العربية والمسيحية.
مخاوفي من الناشر والمتلقي جعلتني أخالف قواعد ونظريات الترجمة الداعية إلى توخي الأمانة ، ما حملني على ترجمة الإرشادة الأولى في جملة قصيرة نصها " في مستوى آخر، غرفة في قلعة باتيرنو حيث تقوم امرأة بمصمصة أُتون الثالث." أما الثانية فكانت على النحو التالي:" بعد أن انتهت المرأة من المصمصة اعتدلت في جلستها، ثم أدارت ظهرها لأُتون الثالث ونظفت نفسها بقرف".
البتر أصاب النص المنتج للإرشادتين، وضاع جزء مهم من المعني الرئيس لهما، فبصق مني الإمبراطور يعني اهدار فرصته في الانجاب، وكان ذلك انتقامًا نفذته تلك المرأة لتثأر من الإمبراطور الذي كان قد قتل زوجها، كريستنزيو.
كانت ترجمتي لهاتين الإرشادتين تحت تأثير سيف الرقابة المجتمعية، فقد حذرني زملاء من ثلاثة مخاطر: الدين والسياسة والجنس. بالغت في مخاوفي ما أدى إلى مخالفة الأمانة، فالمناخ العام في تلك السنة، وحداثة عودتي إلى القاهرة بعد غيية طويلة للدراسة والعمل في جامعة مدريد، والمخاوف من الصدام مع المجتمع وبالتالي تعرضي لدعوى قضائية، كلها أمور جعلتني آخذ طريقًا مخالفًا للطريق السليمة.
الأمثلة كثيرة ولعل ما يبرز الآن ما انتهيت من ترجمته مؤخرًا، وهي مجموعة مسرحيات للغرناطي خوسيه مورينا أريناس، فبعضها يدور حول قضية الهجرة، هجرة الأفارقة، وأخرى تعج بالتعبيرات والإرشادات الخاصة بالمسيحية والقديسين، وهناك مسرحية اختار لها عنوانًا بالفرنسية، ménage à trois، تدور حول علاقات جنسية لا تخلو من الفكاهة وفضح المسؤول، رجل الشرطة، الذي سال لعابه عندما عرض عليه بطل المسرحية القصيرة المشاركة معه في اللعبة الثلاثية، لتصبح رباعية.
في مثل هذه الظروف نصطدم بنظريات الترجمة ومشكلة التدخل ومراعاة الأمانة في نقل النص الأصل إلى النص الهدف. وهناك أسئلة كثيرة تُطرح في هذا السياق، منها: هل يجوز التدخل والتصرف في النص المترجم أم لا؟ إن كان الجواب بالإيجاب، فلم؟ وأين؟ ومتى؟ وإلى أي حد؟ وما معنى الأمانة؟
ويمكن الإجابة بأن النصوص المترجمة تتخذ أشكالاً مختلفة جراء عملية الترجمة، قد تُنفخ فيها روحٌ جديدةٌ تجعلها تشابه النص الأصلَ، أو تتحول إلى مسخ أو شَبَح هزيل ضعيف لا علاقة له بمقاصد النص الأصل، ولا ببيئته الفكرية والحضارية، بل ولا ببيئته الجديدة، ولعل هذا الأمر من أكثر الأمور أهمية وخطورة في عالم الترجمة. ومن الملاحظ في هذا السياق أن بعض الترجمات تفتقر إلى أربعة أمور رئيسة، هي الدقة، والضبط، والتحكم في المعنى، والقبول.
ويفتقرهؤلاء المترجمون إلى منهجية حديثة واعية وثابتة للترجمة، فتدخل المعرفة المنقولة إلى اللغة من باب متهرئ، وتحمل معها في جملة ما تحمله تعابير مجازية واصطلاحية لا علاقة لها بمقاصد النص الأصلي، وذلك لاتباع المترجم حَرفية الكلام دون النظر في الأبعاد الحضارية والثقافية لتلك التعابير.
ما وددته في هذا السياق هو التقديم لمعضلة كبيرة تعترض مترجم هذا النوع من المسرحيات الإسبانية، ما أطلقت عليه مسرح الحدود، وجميعها مترعة بمفاهيم وألفاظ وتعابير تثير قلق المترجم وتوجس المتلقي العربي، فهي تتضمن مخالفة لثوابته ومعاييره الاجتماعية والثقافية. فقد سبق وذكرت مثالين لمخالفة الأمانة عند ترجمة مسرحية "رأس الشيطان" لخيسوس كامبوس غارثيا تحت تهديد سيف الرقابة المؤسسية ورقابة الناشر. أعتقد أنها كانت المرة الأولى والأخيرة التي خالفت فيها الأمانة في نقل النص الإسباني. لكن المشكلة لم تُحل بعد، خاصة وأنني أقف أمام مسرحيتين آخريين مترعتين بالتعبيرات والألفاظ التي يصعب نقلها إلى العربية دون تدخل intervention أو تصحيفmanipulation . ومن المعروف أن مدرسة التصحيف تسمح بالتغيير والتصرف في عملية الترجمة، إذ يستطيع المترجم أن يغير النص وفقًا لهدف الترجمة وسياسات النشر التي تراعي قيم مجتمع اللغة الهدف.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان النص الأصل يهدف من خلال هذه الألفاظ والتعابير إيصال رسالة لا تستقيم دونها، فهل يحق للمترجم أن يعدله؟ وهنا أسوق بعض الألفاظ والتعبيرات المنقاة من المسرحيتين، لن أترجمها لأنني أعلم مسبقًا أنها لن تُنشر في أي مطبوعة عربية، فقد اكتفيت بالمواربة والالتفاف على النص الأصلي، لكن دون أن أحل المشكلة المطروحة.
وعملاً بنهج مدرسة التصحيف، وكي أنأى بنفسي عن مشكلات فقد لجأت إلى بعض التغيير والتصرف، رغم أنني غير راض تمامًا عن هذه المنهجية، إذ أرى أن هذا يلامس الخيانة حتى وإن لم أغير رسالة النص العلنية ولا الضمنية. ومن الجمل والألفاظ التي طوعتها عند ترجمة مسرحية "الشاطئ" أذكر بعض الأمثلة:
النص الهدف النص الأصل
خنزير عنصري! ¡Un cerdo racista!
كان هؤلاء الأنذال يدخلون الحانة Se metían en el bar los muy cabrones
إلى الجحيم! ¡A tomar por culo!
يا لإنداليثيو من صعلوك...! ¡Menudo pájaro estaba hecho el Indalecio
دائمًا هناك بؤس في كل مكان Y es que siempre hay una mierda para una esquina
لأنني لست عنصريًا، أتعلم هذا...؟ Porque yo no soy racista, ¿sabe
إن هذا الأحمق يلهو بما لديه El muy gilipollas sigue ahí a su rollo
يا للهول، يا للهول، يا للهول! / تبًا، تبًا، تبًا! ¡Joder, joder, joder!
يا لك من عفريت بائس...! ¡Vaya un genio de mierda !
عجبًا يا ماتشين...! ¡Coño, Machín…!
قل لي شيئًا، اللعنة...! فلتكن عطوفًا، تبًا...! ¡Dígame algo, coño !
يبدو أنك صدقت نفسك، أيها الصبي الصدئ...، أيها الهجين من متشرد مُولّد صائع من الشمال وعبدة لقيطة من الجنوب...! اللعنة على جدك الديوث، الموغل في الرذيلة...!
Que te lo has creído, mocoso de mierda…, híbrido de un vagabundo mulato del norte y una puta esclava del sur…! ¡Me cago mil veces en el bastardo cornudo de tu abuelo!
ورغم أنني غير راضِ تمامًا عن عملية التصحيف هذه ، فلم يكن لدي مخرج آخر تجنبًا للبتر من مقص الرقيب أو المساءلة القانونية، لكن هذا التطويع هو أقل الخسائر الممكنة. هناك ألفاظ وتعبيرات لا تتماشى مع ثقافة المتلقي العربي، وكان التصحيف معها منطقيًا وطيعًا أكثر بحيث لم تخسر من مضمون رسالتها شيئًا في اللغة المصدر. وهذا أسهل في مسرحية "الشاطئ" عنه في مسرحية "أهلاً" التي تعج بعشرات الإرشادات والألفاظ والتعبيرات الغير متماشية مع الثقافة العربية، رغم أنها تكسب النص قوة في المسرحية المصدر نظرًا لأنها أدوات لغوية نمت وتماشت مع تطور اجتماعي صاحب التطور السياسي الذي شهدت إسبانيا بخطوات واسعة وقفزات عالية منذ تحول إسبانيا إلى الديمقراطية منذ انتهاء حكم الجنرال فرانكو برحيله في نهاية سبعينات القرن العشرين.
أود أن أشير إلى أننا بصدد مسرحيتين تتبنيان قضية المهاجرين المغاربيين والأفارقة من منطلق أنها تنشد تحريك الرأي العام الإسباني من خلال التصويب على نقاط السخرية واللوذعية تجاه مواقف عنصرية بعينها لشخوص يمثلون الحياة اليومية في مرآة المسرح. فكلا العملين يعج بمواقف ساخرة من العنصرية وكراهية الأجانب في بلد كان طاردًا للعمالة على إثر الحرب الأهلية الإسبانية (1936/1939) التي دمرت البلد ومزقت أوصاله الإجتماعية والاقتصادية.
أما مسرحية "رأس الشيطان" فتعرج على قضية أخرى، قضية التعايش والمثاقفة بين الحضارات الثلاث التي تعايشت في الأندلس، دون أن ينسى أن يعطي لكل حضارة المساحة التي تتسق مع الدور الذي لعبته في ذلك السياق التاريخي. ورغم أنها تنتمي إلى المسرح التاريخي فإنها تمثل التزامًا مع مشكلات العالم المعاصر، كما أن عنوانها يحمل على الإيحاء، ويثير فضول القارئ منذ أن تقع عيناه عليه. ورأس الشيطان تعني في هذا السياق وحسب المؤلف رأس المعرفة، الرجل ذا الرأس الذي على شكل طائر، ويحيل إلى تمثال الإله الفرعوني توت. هذا دون أن يفوتنا الإشارة إلى أنه يحيل أيضًا إلى حلم البطل وجنونه وشبقه بالسلطة.
ولفهم المسرحية يجب وضعها في سياق معاصر إذ يمكن أن تنسحب أحداثها على المسرح العالمي لما فيه من تناضح ومواجهات بين ثقافات العالم المعاصر. تدور مشاهد المسرحية في إطار الواقعية التاريخية، وتنم عن مؤلف ذي معرفة عريضة بالموضوعات التي يطرحها، ويفاجئ القارئ العالم بهذه المعرفة. ومن بين معارفه العريضة اطلاعه على المصادر العربية، خاصة تلك المتعلقة بالإحالات التاريخية والفلسفية للصوفية. ورأس الشيطان ذاته يحيل القارئ أو المشاهد إلى هذا المجال، وهو ما أكده الكاتب إدريس شاه (4) في كتابه عن الصوفية حيث يؤكد الأصل العربي للعنوان، إذ أُخذ من "رأس الغول" أو "رأس الشيطان" في الفكر الصوفي. وهو عنوان يضفي غموضًا وتشويقًا، ويحيلنا إلى حلم السلطة، السلطة المطلقة.
بداية المسرحية وهمية، خيالية، تحيل إلى مواقف لا تفتقر إلى الهزل، دون تخلي الكاتب عن العمق في الرمزية. المشهد الأول من المسرحية محدد تاريخيًا، تدور أحداثه في قرطبة عام 960 ميلادية/344 هجرية –التاريخ الهجري من وضع المؤلف-. يبدأ المؤلف بإرشادة مسرحية شارحة يقدم فيها السارد عناصر تعريف تكشف هوية وشكل هذا الرأس محور العمل الدرامي. هذا الرأس الناطق من خلق خيال جيلبرت في بحثه عن السلطة. يتدخل الرأس ثماني مرات في المشهد الأول من الفصل الأول ليطالب جيلبرت بالوفاء له مقابل تحقيق ما يريد له، ما يشكل جزءًا مهمًا من البناء الدرامي. وفي بعض المداخلات، عندما يلجأ الرأس إلى صوت السارد، يضفي جوًا كوميديًا مما يلطف التطور الوهمي لعالم المسرحية.
والسارد، بعيدًا عن العالم الخيالي لما هو في إطار التمثيل، يشرح العرض عبر الخيال الدرامي الذي يتعامل معه المؤلف بفطنة. ومن هذا السياق يخلق جوًا قصصيًا يضعه القارئ أو المشاهد في سياق مسرحي بحت، بفضل التعامل الحذق مع الشخوص والزمان، بتداخل الحاضر والماضي والمستقبل. وتلعب الإرشادات دوراً مهماً في هذا السياق، إذ تحمل على خلق عالم زاخر بالمخلوقات الخيالية. والسارد والإرشادات هما السبيلان الوحيدان اللذان يقدمان معلومات مباشرة في هذه المسرحية. فمن المعروف أن المؤلف -نظرًا إلى قصور المسرح أمام الرواية- يلجأ إلى الإرشادات لتوسيع المعلومات الموعزة والذاتية التي تقدمها الدراما، هذا إذا أخذنا في الحسبان طبيعة الرواية إذ تقدم تفاصيل وصفية للشخوص والأجواء والأحداث.
مع أن الإرشادات مقصورة على الفنيين أو المخرج، المسئولون عن العرض، فإنها في هذه المسرحية توجه أيضًا إلى القارئ. لهذا نجد أن لا غنى عنها في القراءة، إذ ليس كل الأعمال المسرحية تتحول إلى عروض، وهي منتج أدبي في الوقت نفسه. هذا دون الخوض الآن في تقييم أزمة صالات المسرح أو تراجع اهتمام الجمهور بالمسرح الذي يولي اهتمامًا أكبر بنتاج العولمة والتكنولوجيا المعاصرة. والمؤلف، خيسوس كامبوس غارثيا، يتميز بدقة الإرشادات ووفرتها، وهو في هذا الصدد لجأ إلى تقنية خاصة بالمسرح تهدف إلى تزويد القارئ المتخصص وغير المتخصص بمعلومات عن تطور العمل المسرحي.
وهو شخصية فريدة، متكاملة في عالم المسرح، يتعامل مع أوجه الإبداع المسرحي كافة. وهو مسرحي قادر على ممارسة جوانب مسرحية عديدة، مثل الكتابة الدرامية، والإخراج والسينوغرافيا، والتنظير، والتدريس. وهذا الاستعداد حمله على إخراج كافة أعماله، إلى جانب مسرحيات كتاب آخرين. ويندرج نتاجه المسرحي ضمن ما يطلق عليه المسرح الإسباني الجديد، وهو ذو نظرة تشاؤمية للمجتمع المعاصر، الذي يعالجه في أعماله كلها (5).
إلا أنه مفكر يؤمن بالتفاهم، بالحوار بين الحضارات، يرفض أفكار العولمة الأمريكية المتمثلة في نظرية صامويل فيليبس هانتينغتون، في كتابه "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، التي أصابت المسرح السياسي العالمي بالفقر منذ أن أطلقها في مطلع التسعينات على أثر انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الكويت. ومن منطلق معرفتي عن قرب بخيسوس كامبوس غارثيا، ذي الأصل الأندلسي - من مواليد مدينة خاين، جيان العربية، عام 1938- يمكنني التأكيد أنه من المثقفين الإسبان الذين يقدرون الثقافة العربية، ويناصر القضايا العربية المعاصرة، وأبرزها قضية فلسطين.
ومسرحية "رأس الشيطان" هذه نتاج معتقدات مبدعها، طريقته الخاصة في فهم الإنسان. وعليه فإنه عادل في عرفانه بأهمية أكبر منبعين لحضارة الأندلس، العربي والمسيحي، دون أن ينقص الثقافة اليهودية حقها لتأتي في درجة أقل من السابقتين. ومع ذلك فإن المؤلف لم ينس التعريج على التعايش بين الأديان الثلاثة في الأندلس، وإن لم يكن سلمياً في كل مراحله، كان مثمراً، ينم عن تسامح عربي تًمثّل في شغل يهودي وظيفة مترجم في القصر، الحاخام موسى بن حنوش، والد سارة التي كانت تخبئ مخطوط رأس الشيطان في منزلها.
تندرج هذه المسرحية ضمن الأعمال الأدبية الإسبانية التي تغوص بنا، عربًا وإسبانًا، في أعماق ماضٍ مشترك، كانت تتعايش فيه الثقافتان اللتان تمثلان اليوم ضفتي البحر المتوسط. والأعمال القصصية والمسرحية التي تعالج هذا الماضي تثري أرفف المكتبات الإسبانية دون اهتمام كبير من قبل الإخصائيين، وتستحق أن تنقل إلى لغتنا، ومن بين هذا الأعمال يمكن الإشارة إلى "أهلاً"، و"مقبرة"، و"مكتوب"، و"كتاب"، و"الزهراء". وهي عناوين جاءت كما هي عربية بحروف إسبانية دون ترجمة.
والتراث المشترك ممثل بشكل جيد في هذه المسرحية المكتوبة على أعتاب القرن الحادي والعشرين، في مناخ معادٍ للضفة الجنوبية لحوض المتوسط. وهي دعوة إلى موقف انتقادي أمام الواقع. إنه واقع يقترح مراقبة حاضر يحاول الشركاء فيه تجميله بأدوات رثة كي لا ندرك أنه يماثل ماضيًا عاشته المنطقة من تكرار مكائدهم وحيلهم (6).
في هذه المسرحية، ذات البعد التاريخي، لا يرغب المؤلف في سرد أمجاد الماضي، بل في أن يكون العمل أداة نموذجية لانتقاد نواقص الحاضر عبر الإقصاء. ولهذا فإنه يسترد شخصًا من الماضي المشترك للثقافتين بهدف جعل المشاهد يتأمل ويفكر في مواقف وتصرفات تنتمي إلى الحاضر على أساس أحداث من الماضي. وعليه فيمكنه أن يستخدمه في التأمل في عيوب وتعسف ونواقص لا تزال ترتكب رغم مرور الزمن وطوله.
ومع ذلك فالمسرحية تعد عرفانًا بفضل العرب على الحضارة البشرية من خلال الحضور العربي الزاهر في شبه جزيرة أيبريا، إسبانيا والبرتغال. ولعل أبرز نموذج في هذا الصدد هو الذي يسرده جليبرت-سليفستر الثاني في مداخلات عدة حول مدينة الزهراء، منها مداخلة تتعدى الصفحة، حيث يحكي فيها تجربته في هذه المدينة، القصر، خارج مدينة قرطبة، مع كل ما تمثله وترمز إليه من أبهة معمارية وتنظيم إداري وسياسي، أي إنها نداء لتعايش يرغبه ويشتاق إليه كثيرون من الشرق العربي والغرب.
وإمعانًا في نقلنا إلى ذلك المناخ العربي الأندلسي يطرز المؤلف مسرحيته بكلمات عربية دخلت واستقرت في اللغة الإسبانية، كلمات تنتمي إلى تلك الحقبة، من بينها: وزير، قاض، حريم، فقيه، جب، قصر، درب.... هذا بالإضافة إلى أسماء الأعلام التي تزين النص المسرحي. غير أنه يسقط في خطأ يرتكبه غربيون كثيرون -ومعهم بعض العرب- عند الإشارة إلى لفظ الجلالة الله إذ يقصره على الخالق بالنسبة إلى المسلمين برسمه بحروف إسبانية Alá وعند الحديث عن اللفظ نفسه بالنسبة للثقافة الغربية فيكتبه بشكل آخر Dios، أي الله بالإسبانية، مع أن الخالق واحد لا يتغير في الأديان السماوية. لهذا أعتقد أنه ما كان لكاتب في ثقافة ودراية خيسوس كامبوس غارثيا أن يقع في مثل هذا الخطأ، مثله مثل ذوي الثقافة العادية، خاصةً وأنه وصل إلى معرفة دقائق التقويم الهجري وأسراره وهو ما تجلى في هذا العمل، وهذا أمر يستحق التوقف أمامه إذا أخذنا في الحسبان أن كثيرًا من العرب يفتقرون إلى دراية استخدام التقويم الهجري.
هذا بالإضافة إلى المعلومات الثرة التي يزود بها المشاهد في بداية المسرحية من خلال الإرشادة الأولى عند الحديث عن جيلبرت إذ يقول: " تدور أحداث هذه المسرحية حول حكاية جيلبرت دو أورلياك: المستعرب والرياضي والميكانيكي والمخترع وفيلسوف مدرسة رانس Reims، التي شغل فيها العرش البابوي في نهاية الألفية تحت اسم سيلفستر الثاني، وقيل عن -دون أساس من الصحة- إنه وصل إلى امتلاك رأس الشيطان".
وعن هذه الشخصية يقول د. بسام بركة ضمن مقال له عن الأرقام والأعداد ودور العرب في تطويرها ونقلها إلى الغربيين "... لكن تاريخ انتشار الرقم والأعداد عبر العلوم العربية، يتعدى مسألة الشكل أو الرسم. فالتأريخ لدخول الأرقام العربية إلى أوروبا، يبدأ مثلما تبدأ الحكايات التي لا يكاد العقل يصدقها. ففي سنة 945 ميلادية، وُجد طفل صغير على باب أحد الأديار في منطقة أوفرني في فرنسا. اعتنى رهبان الدير بهذا الصبي وأحسنوا تنشئته، وعندما شب وأبدى من الذكاء والفطنة ما لا يوجد عند غيره من الشباب، سُمح له بمرافقة الماركيز بورّيل دي برشلونة إلى الأندلس، وهو لا يزال في العشرين من عمره. وقد استطاع خلال وجوده في الأندلس أن يختلط بالعلماء العرب الذين علموه كيفية الحساب بالأرقام الجديدة التي كانوا قد أدخلوها إلى بلادهم منذ فترة قصيرة. وكان بذلك أول عالم غربي يستعمل الأرقام العربية. هذا العالم أصبح في ما بعد أسقف مدينة رينس ثم انتخب بابا في عام 999 تحت اسم سيلفستر الثاني(7).
ورغم تحامل خيسوس كامبوس غارثيا على بطل مسرحيته، إذ يصل إلى تعريته، فإنه يعزو إليه دورًا بارزًا في إطار التبادل الثقافي، إذ يؤكد أن فضل نقل الأرقام العربية إلى أوروبا يعود إلى جيلبرت، إلى جانب نقله الأسطرلاب والمعداد العربيين إلى أوروبا (8).
إننا أمام شخصية تاريخية، بطل مطلق لهذه المسرحية، سافر إلى قرطبة، عاصمة الخلافة، بهدف إبراز علاقته المباشرة مع الثقافة العربية في الأندلس. هذه الرحلات المتكررة إلى أراضي الإسلام، في أقصى جنوب القارة الأوروبية، تنم عن معرفة قوية بالنصوص الفلسفية لابن مسرة، مع أن الاثنين لم يعيشا في الوقت نفسه، فمن المعروف أن الفيلسوف العربي توفي قبل مولد جيلبرت بخمسين عاماً. وقد عني المؤلف من وراء هذه المفارقة التاريخية إضافة عنصر درامي مهم على المسرحية.
لم يقتصر المسرحي في استفادته من الماضي على الأندلس، إذ عرج على الحضارة المصرية القديمة، وعلى وجه الخصوص الإلهة إيزيس، مازجاً في ذلك ما هو أسطوري بما هو واقعي. وفي المشهد الخامس والأخير من الفصل الثاني عاود الخوض في مصر الفرعونية من خلال إله الحكمة توت، والبرديات، وذي النون المصري.
مما لا شك فيه أن قراءة "رأس الشيطان" أو مشاهدتها يمكن أن تسهم في جلاء كثير من القضايا المتعلقة بالواقع، فيما يتعلق بثقافات متجاورة وفي حالة احتكاك دائم، بدلاً من التسليم بالصدام المتقطع. إنها تلخص حكاية شخصية مثيرة للجدل عاشت بين هاتين الثقافتين، لتصبح بمثابة جسر بناء بينهما رغم كل المآخذ التاريخية عليها، خاصة في ما يتعلق بشبقه للسلطة. فرأس الشيطان كفكرة مجردة وليست ملموسةً، تأمل حول أسباب وآثار السلطة، الموضوع الذي تقوم على أساسه البنية الدرامية.
تلعب قرطبة، عاصمة الخلافة، دورًا مركزيًا لمسرح الأحداث من منطلق كونها بوتقة تاريخية للحضارتين، ولما لها من معنى مشترك لهما. وإلى جانبها نجد مدرسة طليطلة للترجمة، ومدينة الزهراء، والقصر، وأمكنة تاريخية أخرى وشخوصًا، كلها تثري حوارات الدراما.
غير أن هذا التعايش والتثاقف بين أكبر حضارتين في الأندلس، الإسلامية والمسيحية، نجده يتراجع أمام الصراع بينهما في نطاق آخر، ضمن أحداث تاريخية معروفة، وهو ما يكشف عنه حوار بين جيلبرت، أو أوتون الثالث، وهو في قمة السلطة المسيحية، وروحه التوءم، الفيلسوف ابن مسرة:
أوتون الثالث: غزو القدس؟
جيلبرت: نعم، إنه غزو القدس.
ابن مسرة: أترفعون الروح بمحاربة المسلمين؟
جيلبرت: لقد قام المنصور بهذا الأمر. فقد أدى سلبه لسانتياغو إلى تعزيز سلطته وحماسة المؤمنين.
ابن مسرة: هل دم المسيحيين رفع درجة روحانية الإسلام؟
جيلبرت: كنت في قرطبة عندما علقوا في المسجد أجراس كومبوستيلا وشاهدت كيف أن الشعب كان يتلاحم مع قائده وربه (9).

ختامًا أود أن أشير إلى أن المسرح ربما هو أكثر الأجناس الأدبية التي تؤدي دور الجسر بين الثقافات والشعوب المختلفة، لكن ترجمته مضنية ومحفوفة بالمخاطر الفنية والثقافية، خاصة عندما يُنقل من لغة لا تعير اهتمامًا كبيرًا للتابوهات، المحرمات، من أي نوع كان، إلى لغة هدف لها حساسياتها ومحاذيرها الخاصة بالمتلقي في هذا الصدد. وفي الكثير من الأحيان ما يعد محرمًا في لغة الهدف لا يعد هذا في لغة المصدر، وهذا ما يحدث في اللغة العربية.
ورغم تحري الأمانة لدى المترجم وحرصه على نقل معنى نص المؤلف (10) وحرفيته إلا أنه كثيراً ما يتدخل في النص، ويسقط خصائصه الحضارية والدلالية والجمالية ومعانيه الضمنية؛ إما لعدم تحمل النص دلالات ومضامين في اللغة الهدف؛ وإما لعدم استساغتها من قِبل المترجم نفسه، عن قصدٍ أو غير قصد، واعية أو غير واعية، مخلة بالنصّ في أبعاده كلها أم غير مخلة. بيد أن المترجم يتدخل أحياناً مجبراً بغية الحصول على إجازة الرقابة الرسمية أو المجتمعية، أو الرقابة الذاتية، بتعديل النص حذفاً وإضافة وتحريفاً واستبدالاً. أما الدوافع التي تغري المترجم وتفرض عليه التصرف فكثيرة منها الثقافية والدينية والعقائدية والسياسية.

المراجع:
1- Pilar Ezpeleta Piorno, Teatro y traducción, ed. Cátedra, 1ª edición, Madrid, 2007. PP. 19-20.
2- Peter Newmark, Manual de traducción. Ed. Cátedra, Madrid, segunda edición, 1995. P.233.
3- تسعى القصة إلى تعايش ممكن بين ثقافتين متنافرتين سنتئذ، في زمن كان يحاول النظام الجديد، المسيحي، توحيد ثقافة إسبانيا وافساح المجال أمام المسيحية كي تكون الدين الوحيد في شبه الجزيرة الأيبيرية، وهو ما أدى إلى طرد الموريسكيين بشكل نهائي في مطلع القرن السابع عشر. إلا أن هذا التعايش المنشود في "ابن السراج" لم يكن سوى حلماً، يوتوبيا، صعب المنال. ومع هذا فقد تجلت في القصة روح العرفان بفضائل المهزوم، ما كان يخالف الروح السائدة حينئذ، الأمر الذي وصفه البعض بأنه مغالاة في تمني التعايش بين ثقافتين متنافرتين بسبب ظرف الصراع التاريخي في تلك الفترة الذي ترتب على حرب الإسترداد، إسترداد إسبانيا من أيدي العرب. وينتظر أن تُنشر ترجمتي لهذا الكتاب خلال عام 2018 في القاهرة.
4- Shah, Idries, Los sufís, (Introducción de Robert Graves y traducción de Pilar Giralt y Francisco Martínez), 4ª edición, editorial Kairós, Barcelona , 2003. P. 290.
5- Gómez García, Manuel, Diccionario Akal de teatro, Madrid, ediciones Akal, S.A., 1997, p. 140
6- Serrano, Virtudes, ¨ La otra cara de Jano¨, introducción de La Cabeza del Diablo, Asociación de Autores de Teatro, Comunidad de Madrid, 1999, p. XVIII.
Shah, Idries, Los sufís, (Introducción de Robert Graves y traducción de Pilar Giralt y Francisco Martínez), 4ª edición, editorial Kairós, Barcelona , 2003. P. 290.
7- د. باسم بركة "الأرقام والأعداد ودور العرب في تطويرها ونقلها إلى الغربيين"، مجلة "حوار العرب"، عدد مارس (أذار) 2006. ص.126
8- Campos García, Jesús, La Cabeza del Diablo, Junta de Andalucía, Consejería de Cultura. P. 157
9- Campos García, Jesús, La Cabeza del Diablo., p. 244.
10 - Peter Newmark, Manual de traducción. Ed. Cátedra, Madrid, segunda edición, 1995. P.19.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,238,593,321
- صورتنا لدى الآخر وطابورنا الخامس المفقود
- المنطقة العربية والطغاة والشعبوية في أميركا اللاتينية
- المجد لكرة القدم وفلسطين
- البيت العربي في إسبانيا وجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم
- ثمانون عامًا تمر دون حل لغز مقتل الشاعر الأسطورة غارثيا لورك ...
- مهرجان طنطا الدولي للشعر دعوة للتنوع والمثاقفة
- محاولة للاقتراب من أدب الطفل الإسباني
- الأربعون ونوادر الزمالة
- الإنقلاب والاعدام
- نقاط إلتقاء وافتراق بين إنقلابي تركيا وإسبانيا
- كلمة - الرُبع- العربية الأكثر تداولاً في زمن العولمة
- المستعرب الإسباني فدريكو أربوس: الإستعراب الإسباني برئ من ال ...
- جمال الغيطاني وإسبانيا
- فن مَسْرَحة الصورة
- الهَنْكَرة والمَبْخَرة
- لماذا يكرهوننا؟!
- المسرح والخيال: مقالات في النظرية
- أرض الكنانة بين الإنجاب والحجاب
- مصر عبد الوهاب البياتي
- انتحار جماعي عربي


المزيد.....




- فيلم إيراني ينافس على -الدب الذهبي- في مهرجان برلين السينمائ ...
- BBC: كيف رسم رئيس الوزراء البريطاني تشرشل مسار حياة الفنان ا ...
- مواجهة بين مسجد والدولة الفرنسية بشأن رحيل رئيسه
- مايكروسوفت تتخطى حاجزي الزمن والمكان.. شاهد منصة -ميش- وتحوي ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس
- كيف رسم رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل مسار حياة الفنا ...
- رجال الأمن يحبطون نشاط استوديو أفلام اباحية في مدينة روسية
- رسالة غامضة من دينا الشربيني تكشف -سبب- انفصالها عن عمرو ديا ...
- -حلال عليكم حرام علينا-... فنانون وتجار تونسيون ينتقدون الاح ...
- المهاجل الشعبية.. أهازيج اليمنيين تعاني ضعف التوثيق وغياب ال ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - مسرح الهجرة في إسبانيا نموذجًا للمثاقفة ومخاطر ترجمة التابوهات