أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نادية خلوف - جهنّم، وجهنّم الحمرا، والوطن














المزيد.....

جهنّم، وجهنّم الحمرا، والوطن


نادية خلوف
(Nadia Khaloof)


الحوار المتمدن-العدد: 5712 - 2017 / 11 / 28 - 14:08
المحور: المجتمع المدني
    


عندما كنت أعيش في دمشق .كانت جارتي التي تسكن في الطابق الأوّل تخيط لي بعض الثياب. وعندما عشت في القامشلي ذهبت إلى بيتنا في دمشق مرة من المرات هاتفتها فأتت لزيارتي. لم تعد ترى بعينيها إلا خيالات. إنها أم محمد. تلك المرأة التي أفنت عمرها في تأمين حياة أولادها الأربعة. توفي زوجها في حرب " النكسة" ، لكنّه سجل تحت اسم مفقود، وفي هذه الحال ليس لها مستحقات، ومع أنه مضى على الوفاة زمناً طويلاً يمكن تسوية الأمر، لكنها لم تنجح في ذلك. زارتني وقالت لي: " ربيتهم بدموع العين" وكنت أجلس على ماكينة الخياطة طوال اليوم. لست نادمة أنّني لم أتزوج، مع أنه كان بإمكاني الزواج. كل امرأة بإمكانها أن تتزوج وفي أي عمر. استطعت ضبط رغباتي، وكنت سعيدة مع أولادي الأربعة. كنّا عائلة حقيقية، وبدلاً من أن يساعدني أهل زوجي أو أهلي كانوا يستغلون جهدي وأخيط لهم مجاناً.
تناولنا طعام الإفطار معاً في منزلي. قالت: جئت إليك بحاجة. هل يمكنني أن أعمل عندك بأجر يكفيني ثمن عيشي؟ أربي أولادك، أنظف المنزل، وأعد لك الطعام، وأعيش معك. أرغب أن آكل بالحلال.
لم أجبها، فهو قرار صعب عليّ. لست من الذين تعودوا على ذلك وأحبّ أن أتابع أموري بنفسي. لكنني منحت نفسي فرصة التفكير، وقلت لها سوف نناقش الأمر عندما نشرب القهوة.
سألتني: هل تعرفين جهنّم؟ بالطبع لا تعرفينها، ولن تعرفينها لأنّه لا وجود لها. استغربت من حديثها وهي تلك المؤمنة التي تصوم وتصلّي، لكنّني أصغيت لها باهتمام فعند المرأة أشياء قد تفوق معرفتي.
أكملت: في جهنّم الأولى عاشت ابنتي وزوجها في بيتي كوني أرملة وهناك غرفة زائدة في المنزل، ولا أعرف هل تغيّرت ابنتي أم أنا التي تغيّرت ،أم هو الفقر؟ بل إنّه الفقر الذي جعلنا نعيش معاً ونضغط حاجاتنا، ونتصارع من أجل البقاء.
ليس لدي مال للإنفاق عليهما هي وزوجها، وبخاصة بعد أن أنجبا طفلاً. كنت خادمة في منزلي، ولو كنت قد أجّرت غرفتي لشخص غريب لعشت حياة طبيعية. كانت حياتي تشبه الحياة في جهنّم. يومها فقط عرفت ان لا وجود للنار، لكن هذه المرحلة انتهت، واشترت ابنتي منزل، وهي لا تزورني . منعها زوجها من زيارتي، وتقول أنّه على صواب فقد كنت أعيش على حسابهم بينما أحبّ ابني وأعطيه ما عندي، وأنني غنيّة أخفيت مالي. أشتاق إلى حفيدي كثيراً.
أصبحت وحيدة، أتى ابني لزيارتي مع زوجته. قالت له زوجته: أليس من العار أن تترك والدتك هكذا؟ تعالي يا خالة عيشي عندي معزّزة مكرمة، أو إذا أردت نحن نعيش عندك كي لا تشعري بالوحدة. سرعان ما وافقت وطلب مني ابني أن نبني البيت القديم في الحارة على طريقة الاستثمار، لكن عليّ أن أسجله باسمه، وقلت له حينها: لإخوتك حقّ في المنزل مثل حقّك حتى لو كانوا بعيدين. أتى ابني إلى الشّقة وعاش معي ريثما ينتهي من البناء، وبموجب وكالتي له سجل كلّ ما أملكه باسمه.
إنّه الفقر ثانية، اعتقد ابني أنه سوف يصبح غنيّاً، ويعيد الحقوق إلى فحاصرته الحياة، لكن لا ذنب لي في ذلك.
لن أطيل عليك الحديث جرى ما جرى، أعيش الآن مع ابني وعائلته، وأنا اليوم أعيش في جهنّم الحمراء. لست خادمة فقط. بل أتعرض للإهانة من ابني نيابة عن زوجته التي تبتسم عندما يسترسل في شتيمتي، ويصفني بالمغفّلة، ويخاف على أولاده من أن أعديهم بالمرض. لقد اختبرت الجهنّمين . جهنم العادية والحمراء.
طبعاً لم أوافق على أن تعمل عندي وترحل معي إلى مكان بعيد. ظنّاً مني بأنّ الحفاظ على خصوصية عائلتي أمر مقدس، لكنني عرضت عليها المساعدة، استأجرت لها غرفة بعيدة عن المنطقة بمبلغ بسيط، وخصصت لها مبلغاً يسد رمقها كل ّشهر وهو ليس كاف طبعاً، وفيما بعد تعثّرت أحوالي المادية، ولم أعد أستطيع تقديم الكثير لها، وبعدها غادرت المكان حيث لم أستطع إكمال حياتي فيه. ومنذ زمن طويل لم أعرف عنها شيئاً. عرفت فقط أنها لم تمت، وأنّ ابنها الأكبر قد مات في الغوطة حيث يقيم الآن وتقيم هي معه ثانية.
جلست دون حراك وأنا أتتبع الخبر. تعيش أم محمد اليوم وبعد وفاة ابنها في جهنّم جديدة لا أعرف كيف سوف تصفها، فقد مات زوجها دون أن يسمى شهيداً، ومات ابنها أمام بيته. جيلان فقدا حياتهما في مكان يدعى الوطن، وامرأت عاشت الجهنّمين بسبب ذلك الوطن لأنّه ليس لها حقوق فيه، وبسبب ضيق ذات اليد، وهي سوف تنهي حياتها بجهنّم ثالثة. إلى متى سوف تبدّل أم محمد جهنّمها، وكم مرّة سوف تبدّلها؟






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم جميل لم يصبح جميلاً أبداً
- هو أبي. . . النّذل
- يقدّسن الزّوج الخائن
- إعادة تعريف الدّعارة
- المكبوت في أعماق النّساء
- تداعيات حملة METOO#
- لا ضرورة للمعارضات السّورية
- عناصر الأمن السوري يعملون كنشطاء سياسيين
- #MeToo
- أنماط حياة والديك يمكن أن تحدد وضعك الصحي كبالغ
- جديرة بالحبّ
- فقط كشف الغطاء
- إذا سيطرت الروبوتات على العالم سيكون لها خمس وظائف من وظائف ...
- النّداء الأخير
- نحتاج للحديث عن المعايير الاجتماعية التي تغذّي الاعتداء الجن ...
- طريق المنزل الطّويل
- الحبّ السّوري المجنون
- حيث لا أمل
- لا تحاول. ليس لك في الطيب نصيب
- لماذا- القيم المسيحية اليهودية- هي أسطورة صافرة الكلب التي ي ...


المزيد.....




- إدارة بايدن تريد رفع عدد اللاجئين المستقبلين سنويا إلى الضعف ...
- نجوم فرقة BTS الكورية في الأمم المتحدة (فيديو)
- قتلى وجرحى بتفجيرات في جلال آباد والحكومة تقيل حكام ولايات
- الاتحاد الأوروبي يدين آخر عملية إعدام جماعي نفذها الحوثيون ف ...
- تفكيك شبكة كبيرة لتهريب المهاجرين في فرنسا
- بعد تقديم حماس خارطة طريق للوسطاء... هل تنجز إسرائيل صفقة تب ...
- تفكيك شبكة كبيرة لتهريب المهاجرين في فرنسا
- مركز علاج ضحايا التعذيب يعقد ورشة تدريبية في السيكودراما وال ...
- تونس.. توجيه تهمة الإتجار بالبشر لسيدة باعت أطفالها
- وزارة الداخلية التركية تأمر بهدم منازل للاجئين سوريين في أنق ...


المزيد.....

- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - نادية خلوف - جهنّم، وجهنّم الحمرا، والوطن