أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي البدري - الطقوس الكورالية للرواية














المزيد.....

الطقوس الكورالية للرواية


سامي البدري
روائي وكاتب

(Sami Al-badri)


الحوار المتمدن-العدد: 5626 - 2017 / 8 / 31 - 17:59
المحور: الادب والفن
    



متى فقد الإنسان كماله الذي هو يمثل سعادته؟ أ بعد أن تكشفت له عورته وتعرف على غرائزه أم بعد أن وقف على قائمتيه الخلفيتين وبدأ يفكر؟
أعتقد أن هذا السؤال هو الذي قاد الإنسان إلى الشعر ومن بعده إلى الرواية، وليدته الأوسع في الطرح والمعالجة والتشخيص وتكثيّر زوايا النظر.
وإذا كان الشعر وسيلة تعبير الإنسان الأولى عن حاجته للكمال، فإن الرواية أخذت على عاتقها مسؤولية طرح تلك الحاجة كإشكالية ومد الصلات بينها وبين جذور صيّغها الفلسفية.
جاءت الرواية لتشخص وتؤطر حدود إشكالية ضعف الإنسان وإنحجاب الرؤية عنه وتمترسها خلف أسوار غير مفهومة، وأيضا كون أن هذه الأسوار أكثر فسادا في سبل تمظهرها وتعاطيها مع فساد الإنسان وضعفه، في بناه الفسلجية والبايلوجية وليس الأخلاقية أو القيمية طبعا.
وأمام هذا الضعف المستديم (في كون الإنسان محكوم بالهرم والتداعي والفناء) لم يجد أمامه من سلاح غير السؤال والشك الضروريان، وأيضا البحث المستبطن ـ الميتافيزيقي في البحث عن متسع للنظر وإيجاد البدائل ومراحات الإختبار ـ وهذا هو ما تولته الرواية وطاردته في غابات الضياع، وتركت مهمة تصنيفه وتبويبه، منهجيا وإصطلاحيا، للفلاسفة المحضين والدارسين المكتبيين.
الحلقة التي نالت النصيب الأوفر من جهد الرواية البحثي تمثلت في السؤال التالي: كم خسرنا من حقيقة وجودنا وفاعليته وغايته ومراحاته (الدنيوية) بخسارتنا (لسعادتنا الحيوانية)؟ وبصياغة أكثر تركيزا: هل ما ضحينا به من بساطة (ربما بساطة زوربا اليوناني هي المثال الأنصع هنا) وسعادة فطرية كافئه ما حصلنا عليه من (عذاب ميتافيزيقي) بتعبير أحد روائيي أمريكا اللاتينية؟
وإذا كانت الفلسفة قد بحثت عن حلول وتفسيرات (وهي التي قادت البشرية في النهاية إلى الرياضيات وعلوم الطبيعة ومنجزات الثورة الصناعية) فإن الرواية إكتفت بالعرض وتهيئة المراحات للتفسير: أنا موجود إذا من حقي طرح السؤال؛ وأنا أطرح السؤال، إذا أنا موجود!، وهذا التفسير كان إشاريا أو بمستوى الطقسية الكورالية، إذا جاز لنا التشبيه: طقوس عرض لا طقوس واجبات.
وأمام الحالة الإنتقالية التي يعيشها الإنسان، وتعاظم حدة تأثير هذه الإنتقالية على مساحة سعادته وراحته النفسية، لجأت الرواية للبحث عن صيغ تفسيرية، وصلت أحيانا إلى شطط السحرية في حلول التجميّل، وإنتهت بحلول الواقعية السحرية (على يد الكولومبي الكبير، غابريل غارسيا ماركيز) في تجميّل التفسيرات العصية على الهضم، والمدعوم منها بنصوص اكليروسية، على وجه الخصوص!
وإذا كانت بعض قداديس الكنيسة قد تخلت عن طقسها الكورالي فإن الرواية، ومنذ مطلع القرن العشرين على وجه الخصوص، كرست (طقسها الكورالي) كجزء من روحها الفنية والطرحية؛ بمعنى أن التفكير في العودة عن بعض علمية وحضارية الحياة لصالح (السعادة الحيوانية) صار من بين أهم محاور الرواية، رغم إختلاف وسائل التصوير والتعبير عنها بين كاتب وآخر.
ومن زاوية أخرى فإن حجم (طقس الرواية الكورالي) يقوم على مدى مساحة الوهم التي يعيش عليها الروائي ذاته، بإعتباره خالقا للنص، ومقدار إيمانه الشخصي بجدوى أو ضرورة (السعادة الحيوانية) كمعادل موضوعي لما جاءت عليه الحضارة الحديثة من مساحة حرية الإنسان في إختيار ما يشاء وما يناسب طقوس تقلباته الجوانية.. فالحيوانات في الغابة تتمتع بحريات تحسد عليها، فلم لا يتمتع الإنسان بمثلها وجده الأعلى كان من بينها، قبل أن يقف على قائمتيه الخلفيتين ويستخدم قائمتيه الأماميتين في أغراض أخرى، كان من المفروض أن تزيد من مساحة سعادته وحريته لا أن تصادر أجملها؟
وإذا كان إختراع الانسان للشعر هو أحد البدائل التعويضة عن تلك الخسارة، فإن إختراعه للرواية جاء لتسجيل وتوثيق ذلك الإختراع كصرخة إحتجاج، بإعتباره قد غبّن وخسر أكثر مما يستطيع تحمله من خسارة، كما قال الروائي الفرنسي، هنري باربوس (أشعر أني مخدوع ومغبون وغرر بي من جهة ما، وعليه أستحق تعويضا ما)!
وطبعا الانسان ـ الروائي والشاعر على الأقل ـ لا يبحث أو لا يؤمن بأن يكون ذلك التعويض ميتافيزيقيا مؤجلا، وإنما يريده أن يكون (كوراليا آنيا حاضرا صادحا!!) كي يتمم من خلاله (قداس) تجسيد إستعادة حريته: سعادته الحيوانية التي صادرتها الحضارة الحديثة بلا رحمة.



#سامي_البدري (هاشتاغ)       Sami_Al-badri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدخول من باب إله البحر
- دم هوليود
- الحب كبراغيث داجنة
- حين يتعقل بوكوفسكي اللعين
- خزانة رعاة البقر
- بلاهة ميتافيزيقية أو أرضية
- في ظهر المدن
- بعض ما يسقط كأسرار
- البعيد... حلم شاهق
- لا وقت للبغايا لسذاجة الدموع
- هذيانات كلبية
- بائعة هوى لم أفهم لغتها
- كغيمة، زيت المرأة العابرة
- آلهة ذاكرتنا الأولى
- العالم عبر نافذة القلب
- أنا وهندي أحمر كحجرين ثابتين
- كان بغل عربة متعب لا أكثر
- في شتاء لن يشبهني
- تشبيهات في إستراحة الخيول
- باب لشأني الخاص


المزيد.....




- أول روايتين لنجمي هوليود توم هانكس وكيانو ريفز تريان النور ب ...
- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية
- تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض ...
- تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا ...
- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...
- 5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه ...
- وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سامي البدري - الطقوس الكورالية للرواية