أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - -الاشياء تتداعى-.. وآلام لا تموت










المزيد.....

-الاشياء تتداعى-.. وآلام لا تموت


منير ابراهيم تايه

الحوار المتمدن-العدد: 5594 - 2017 / 7 / 28 - 19:05
المحور: الادب والفن
    


"الاشياء تتداعى".. وآلام لا تموت
الأدب فن غير محايد مهما حاول أن يتجرد من انتمائه السياسي أو الأيديولوجي؛ ذلك انه يعبر عن رؤية فكرية، عن تصور للكون والإنسان والحياة، يسعى إلى ترسيخ مفاهيم أو تغيير مفاهيم، مستغلا قدراته النفسية والجمالية لإحداث هذا التغيير، فالكتابة عملية استرخاء نفسي تحرر الكاتب من توتره...
يقول ميخائيل نعيمة في مقالة له بعنوان "ماهية الأدب ومهمته" "وإذن فمهمة الأدب هي التعبير عن الإنسان وكل حاجاته وحالاته تعبيرا جميلا صادقا من شأنه أن يساعد الإنسان على تفهم الغاية من وجوده، وأن يمهد الطريق إلى غايته. وإذن فللأدب رسالة سامية، وكل من أنكر على الأدب رسالته كان مارقا من الأدب".. ان الأدب ليس مجرد قصة نقرأها ثم ننساها، إنه يلعب دورا هاما في حياة الإنسان والمجتمع، الأدب الجيد يساهم في تغيير رؤيتك لذاتك وللأشياء وللعلاقات الإنسانية والعالم ككل. هذا هو دور الأدب. أنا لا أتحدث عن وظيفة تعليمية أو تربوية، لكن وظيفة معرفية بالمعنى الفلسفي للمعرفة.
اعتاد الادب وخاصة الروائي منه التنبؤ بالتغيير الاجتماعي، فلا غرو أن الأدب تجسير لعلاقة الإنسان بالعالم، فهناك علاقة عضوية بين الأدب والمجتمع. الإبداع الأدبي لم يعد يقف عند حدود الجمالي أسلوبا و بيانا، فقد شكل في كثير من الأحيان أصوات المقموعين ووجودهم و إثباتا لهوياتهم، فقلم الكاتب هو لسان القارئ، وليس من قبيل المصادفة ان يتصدر الأدباء والمفكرون المشهد في كل زمان يُعَّبِدون الطرق ويَبسِطونها لما يجيش الصدور، يحملون قناديل الحكمة لتضيء الطريق، إن الصعوبة التي يواجهها المرء حين يحاول الإجابة عن سؤال لأي شيء يصلح الأدب تتعلق في جزء كبير منها بمقاربة جدوى الأدب والحاجة إلى ضرورته. ان قيمة الأدب لاتكمن في محاولة بيان كيفية انتصار المثال على الواقع، بل في العلاقة التي يقيمها الأدب مع تعدد الواقع في الزمن والمكان، الأدب يحتاج إلى بيئة مناسبة ليؤتي أكله ، إنه يحتاج حد أدنى من الحرية، حرية الفكر والتعبير بأشكاله ، فالحرية هي مرادف للابداع...
و الرواية اليوم باشكالها المختلفة هي سيدة الفنون الادبية الحديثة، "اشياء تتداعى" واحدة من الروايات الإفريقية الأكثر شهرة وتصنف على أنها من الادب الافريقي الحديث، للكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، وإحدى علامات الرواية العالمية المعاصرة البارزة؛ كونها تعالج موضوعات مثل القومية، والهوية الإفريقية، و الاستعمار الإنجليزي في دول أفريقيا والتبشير بالمسيحية وسط القبائل الوثنية، يصور أتشيبي حياة هذه القبائل وكيف تحدت الإنجليز وبعثاتهم التبشيرية، والرجل الأبيض غاية في الذكاء، جاء بدينه في هدوء وسلام فسمحنا له بالبقاء، حتى تمكن من استمالة إخوتنا إلى جانبه وما عادت في قدرة عشيرتنا الاتحاد، وعمل المبشرين يتم في الخفاء حتى تنتشر المسيحية وتستسلم المجموعة الباقية على الوثنية؛ إلا "أوكونكو" بطل الرواية يقرر أن يحارب الرجال البيض وحده ....
تدور الاحداث حول اوكونكو بطل "اشياء تتداعى" رجل قوي شجاع طويل القامة ذو حاجبين كثيفين وانف عريض ضخم البنية طويل القامة، اب لسبعة اطفال من ثلاث زوجات، ورغم انه عصبي المزاج الا انه لم يكن رجلا قاسيا فهو يحب ابنته الكبرى ويشعر بالفخر بابنه الاكبر الذي كان يرى فيه والده، جاد ومجتهد، يسعى للتسيد في قومه والحصول على الألقاب التي تكفل له الاحترام بينهم، عن طريق إثبات قوته كونه مصارعا صلبا ومحاربا شجاعا، يعمل على زراعة أرضه وحصاد محصوله وإكثار ثروته "المال والبنون"، تصف الرواية مجرى حياته من خلال التزامه الصارم بتقاليد قريته، وإيمانه الراسخ بمعتقداتها المخلصة لديانة تتمثل في تقديس أرواح الآباء والأجداد، وتقديم القرابين لآلهة متعددة، خاصة وعامة. ومن تلك المعتقدات أسبوع السلام الذي يمتنع فيه أي شخص عن أذية الآخرين ولو بكلمة سوء، وإلا غضبت ربة الأرض ومنعتهم الحصاد، والشجرة التي تعيش فيها أرواح الأطفال بانتظار أن يولدوا وتأتي إليها النساء الشابات الراغبات في الأطفال ليجلسن في ظلها، وغابة الشر التي يمنحها الأهالي للمبشرين معتقدين أن الأرواح الشريرة التي تسكنها ستقضي عليهم. ورغم رسوخ تلك المعتقدات، كان للدين الجديد الذي أتى به هؤلاء المبشرون مع المستعمرين أثر كبير في قلب عالم أوكونكوو رأسا على عقب..
يقتل أوكونكو أحد أفراد قريته عن طريق الخطأ ، ما يستوجب عقوبة النفي في قانون الإيبو. وأثناء فترة نفي أوكونكو ،التي تستمر لسبع سنوات ، تصل طلائع البعثات التبشيرية البريطانية إلى القرية. وبعد عودته من المنفى يرى أوكونكو أن قريته قد تبدلت تماما ولم تعد كما كانت ،فالمبشرون أقاموا الكنائس وعسكروا داخل القرية ، وتدخل المستعمرون في كل شيء وفرضوا وجودهم
يرى أوكونكو في المستعمرين البريطانيين خطرا على جماعته واعلن عن رغبته في قتالهم ، ولكنه يجد نفسه وحيدا فلا أحد في القرية يدعمه ويقف إلى جانبه حتى صديقه أوبيريكا يقول له : "لقد استطاع الرجل الأبيض كسب ود أهل القرية ولم تعد هناك رغبة في قتالهم، ورغم انه اكتشف أن أفراد القبيلة تغيروا و أصبحوا جبناء إلا أنه رفض التسليم بهذا الواقع الجديد فيقوم بقتل المبعوث الذي أرسلته الإدارة الاستعمارية، ليحكم عليه بالإعدام، ورغم اعترافه بجرمه الا انه يرفض الخضوع لقانون المستعمر ويفضل الانتحار ، بعد أن يجد أن الأمور قد تغيرت ولم تعد كما كانت ، وأنه ليس باستطاعته أن يتماشى مع هذا العالم فيسقط ويتداعى بما يمثله من قيم فكل الأشياء منحوله تنهار وتتداعى...
الموضوع الاساسي الذي تركز عليه الرواية هو اثر الاستعمار الاوروبي والثقافة الغربية على طريقة الحياة في افريقيا عامة ومجتمع الايبو في نيجيريا بوجه خاص، لقد تناول اتشيبى المخلفات المأساوية للاستعمار البريطاني ووثق انهيار الحياة القبلية التقليدية في وجه الوجود الاستعمارى البريطانى فى نيجيريا، تشينوا اتشيبي كمقاتل فكري ومستفز يتوجه في هذه الرواية الى القراء الغربيين وخاصة قراء جوزيف كونراد في روايته "قلب الظلام" لان كونراد صور افريقيا بصورة سلبية حتى انه يتهمه بانه عنصري بامتياز، الفكرة الأساسية في الرواية إثبات وجود ثقافة إفريقية خلافا لما تزعمه الحضارة الأوروبية التي تدّعي أنّ أفريقيا قارة متوحّشة يسكنها مجموعة من البدائيين، فحرص على الحديث على عادات قومه الاجتماعية "تعدد الزوجات، الأعياد، الاحتفالات الدينية وتقديم القرابين، استشارة الكاهنة" مواسم الحرث، والحصاد، منافسات في المصارعة ومعاهدات الصلح بين القبائل، وقوانين الرهائن... يكتب أتشيبي روايته بإنجليزية تتخللها أسماء لأشخاص واماكن والآلهة بلغة نيجيرية محلية، ولذلك فتجدها أسماء صعبة القراءة غريبة الوقع على الاذن، وربما يجد القارئ ذلك أمرا يمكن التغاضي عنه في مقابل المتعة التي يجدها وهو يقرأ عن الخرافات والأساطير التي تؤمن بها قبيلةٌ نيجيريةٌ في ذلك الوقت، فجعل من الرواية مرآة ينظر فيها الأفريقي ليرى نفسه أنه ليس ذلك الهمجي الذي وصفه المستعمر، ويرى أفريقيا غنية بالتراث والثقافات واللغات، فيعرف أنها ليست أرضا بلا ماضٍ أو ثقافة أو هوية كما واظب الفكر الاستعماري على تصويرها. من المؤكد ان اتشيبي كان يعاني صراعا نفسيا ودليل ذلك انه غير اسمه الحقيقي البرت تشينو الوموجو اتشيبي الى اتشينوا اتشيبي ليعكس بذلك ارتباطه باصوله الافريقية وهويته المنتسبة للايبو اكبر القبائل النيجيرية، انها قصة مكابرة انسان من العالم الثالث متمسك بتراثه ولكنه تمسك فردي لا جماعي ينتهي بالاندحار، ان ابرز ما اثر في اتشيبي ذلك الصراع بين الهوية التي فرضت عليه وهويته الاصلية كونه افريقي، والرواية تكشف اساليب الاختراق والقمع والتشويه للتراث النيجيري وتكالب المؤسسة العسكرية والاقتصادية والدينية الاجنبية على زعزعة الكيان الافريقي، انها تكتسب مصداقيتها من كونها لا تقدم الصراع على انه صراع بين خير افريقي وشر اوروبي بل تشرح عملية الغزو الذي يتم على جبهات مختلفة يستغل الثغرات في الكيان الافريقي وثقافته ليمتلكه ليمحوه لا ليتفاعل معه او يستفيد منه كونه رافدا حضاريا، فالتغييرات التي تطرأ عى المجتمع النيجيري بعد الغزو الانجليزي والتبشير المسيحي تجعل من استمرارية القيم امرا مستحيلا ورغم ان الرواية تبين العجز الافريقي فهي تفضح آليات الاستعمار الذي يستخدم القوة لارساء هيمنته....
لا عجب إذن فى اختيار هذا الاسم للرواية "الاشياء تتداعى" او الترجمة الحرفية "عندما ينهار كل شىء" فقد انهار بالفعل كل شىء، حتى انتهت بقيام البطل "أوكونكو" بقتل نفسه






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القهوة.. مشروب له تاريخ؟!!!
- مفهوم العنف في الفكر الاجتماعي
- بين الادب والتاريخ... محاولة لفك الاشتباك؟
- زوابع يوسف زيدان...؟؟!!
- الكتابة على حافة الهاوية
- صناعة الوهم؟!!
- العبودية التلقائية
- صناعة الوعي
- موسم الهجرة الى الشمال... والتخلي عن الذات
- في مديح الموت وذم انقطاعاته
- اللغة العربية الضائعة في جاهلية اهلها
- صناعة العزلة؟
- الهوية الحائرة... تغريبة -الحسن الوزان- او -ليون الافريقي-
- بوصلة السماء
- هل الاسطورة هي الخرافة؟
- في بلد العميان
- هوس الكتابة.. وطقوس لا تخلو من الغرابة؟!
- أدباء وشعراء -منحوسون- واحلام على قائمة انتظار -نوبل-؟!
- وعد بلفور.. بيت العنكبوت الذي صار حصنا
- من هم البرابرة*؟


المزيد.....




- محلل سياسي: المساعدات الإنسانية للمغرب تعكس تضمانه المتواصل ...
- مثل أفلام هوليود... فيديو لعاصفة تمر بين المباني
- فنانة مصرية تفتح النار على محمد سامي: شتمني أثناء تصوير -نسل ...
- أزمة جديدة تلاحق المخرج المصري محمد سامي بسبب مسلسل -البرنس- ...
- بعد أزمة تصريحات مها أحمد ضد السقا وكرارة.. «المهن التمثيلية ...
- فن التضامن مع الفلسطينيين.. موسيقى راب وفيلم قصير و-تيك توكر ...
- نقابة المهن التمثيلية في مصر تصدر بيانا بعد الأحداث الأخيرة ...
- مصدر: محمد رمضان تدخل لحل أزمة المخرج محمد سامي... والنتيجة ...
- تفاصيل أزمة مها أحمد مع السقا وأمير كرارة بعد وقف مخرج «نسل ...
- فلسطين تقاوم| فيلم «المكان» يلخص كل شيء يحدث في الأراضي المح ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير ابراهيم تايه - -الاشياء تتداعى-.. وآلام لا تموت