أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إلهام مانع - -دم مختلط-














المزيد.....

-دم مختلط-


إلهام مانع
إستاذة العلوم السياسية بجامعة زيوريخ


الحوار المتمدن-العدد: 5525 - 2017 / 5 / 19 - 15:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"دم مختلط"



كتابان.
وأبنتي.
كان عليها أن تقرأ كتابين الأسبوع الماضي.
واحد بالإنجليزية والأخر بالفرنسية.
هي في الثانوية.
في مدرسة سويسرية.
وجزءٌ من دراستها يتطلب منها إتقان لغتين، إضافة إلى لغة التدريس الألمانية.
وبالطبع تتكلم لغة أمها العربية.
كان عليها أن تقرأ الكتابين، ثم تختار مقاطع منها، ثم تتحدث عن حبكة القصة والمقاطع التي اختارتها بلغة الكتاب مع مدرستها/مدرسها.
وقد فعلت.

ما يهمني هو الكتاب باللغة الإنجليزية: "اتبعي سياج الأرنب".
كتاب إسترالي، كتبته دوريس بيلكنغتون، نُشر عام 1996. يحكي قصة حقيقية.
قصة أمها.
والجيل المسروق من سكان إستراليا الأصليين ـ الأبوريجين.
هم الذين سكنوا القارة الأسترالية والجزر المحيطة بها قبل الاستيطان البريطاني. واليوم يشكل السكان الأصليون حاليا ما نسبته 2.4% من مجموع سكان أستراليا.

بين عامي 1910-1970 اتبعت الحكومة الاسترالية من المستوطنين البيض سياسة عنصرية.
عمدت إلى نزع أطفال سكان أستراليا الأصليين من ذويهم، وخاصة لو كانوا/ن من عرق مختلط.
أي من أب أبيض وأم ابوريجين.
كانت رؤية الحكومات الأسترالية المتعاقبة أن السكان الأصليين "عرق أدنى"، وأن الأفضل نزع أطفالهم/طفلاتهم منهم/ن "للرقي بهم/ن" في مستعمرات خاصة كي يتعلموا ثقافة الرجل المستوطن.
وكانت القناعة السائدة أن الأطفال من دم مختلط لديهم فرصة أكبر للتعلم.

لك عزيزي القاريء، عزيزتي القارئة، أن تتخيلا وقع وتأثير هذه السياسات على الأطفال وأهلهم.
تخيلا لو انتزعت منكما الحكومة أبناً أو أبنة لكما بحجة أن عَرقكما أدنى؟
ياوجعي.

الكتاب يحكي قصة ثلاثة فتيات، إحداهن أم الكاتبة، مولي.
أخَرجتهن السلطات قسرا من بين ذويهن.
وقصة هُروبهن الناجحة من مستوطنة حكومية عام 1931.
في رحلة على أقَدامهن، نحو 1600 كيلومتر.
عرفن الطريق من السياج.
لأن أم مولي نبهتها إلى أن الطريق إلى منطقتها سهل الوصول إليه. كل ما عليها فعله هو اقتفاء أثر سياج هائل تمت إقامته لإبعاد الأرانب في غرب أستراليا.


قصة مؤلمة.
تحكي عن تاريخ عنصري مُوجع.
اعتذرت عنه الحكومة الأسترالية، بعد أن اعترفت بحدوثه، وواجهته في سلسلة متعاقبة من سياسات خُصصت للتعامل مع نتائج ما حدث، إلا أن السكان الأصليين لازالوا يدفعون ثمن ذلك الماضي إلى اليوم.

وأبنتي قَصت علي الحكاية، وهي متألمة.
"أي تاريخ شنيع هذا"، قالت لي.

"نعم هو تاريخ شنيع."
رددت عليها.
"ويُظهر أن العنصرية داءٌ في الإنسان أينما كان."
"لكن العبرة الحقيقية هي أن استراليا تواجه ماضيها، رغم صعوبة فعل ذلك".

ذاك الكتاب يدُّرس في مدارسها، كما تفعل مدارس سويسرا أيضا.
والهدف أن يتعرف الطلاب والطالبات على هذا الماضي، عن العنصرية التي كانت تَنز منه، ونتائجها.
الهدف إدانة ما حدث كي لايتكرر.
تماما كما يقرأوا ويقرأن عن المحرقة النازية والفظائع التي ارتُكبت حينها.
كي لاننسى الوحش الرابض فينا.
نرُوضه ونتغلب عليه.

وتذكرت ما يحدث لدينا.
عن العنصرية التي تنخر فينا.
في شبه الجزيرة العربية، في موريتانيا، والسودان، مصر، وفي مناطق عديدة من بلداننا، نُصنف الإنسان بأصله.
كأن الإنسان في حد ذاته لايكفي.

أصلي إنسان.
أليس هذا الأصل كافياً؟

نسمي إنساناً خضيريا، إذا استقر في منطقة وجَهل أصله وانقطع نسبه عن القبيلة.
والكلمة ليست مدحاً.
يحدث هذا لدينا.
ننظر إلى إنسان على أنه أدنى إذا امتهن "صنعه".
يحدث هذا لدينا.
وصاحبُ البشرة السوداء، لون أسود، يسموه همساً "عبداً"، "زنجياً".
يحدث هذا في كل بلدان المنطقة العربية.
وهناك فئة "الحراطين" في شبه الجزيرة العربية وموريتانيا، ينتمون إلى فئة عبيد محررة، ولازالوا يعانون إلى يومنا هذا.
وفي اليمن لدينا أكثر من مليون يمني، يتم تصنيفهم "أخدام".
أتحدث عن المهمشين اليمنيين من ذوي البشرة الداكنة.
وآه لو كنت مهمشاً في اليمن.

والمصيبة لو اختلط الدم.

"دم مختلط". "عرق مختلط".
أعرف ذلك من واقع عايشته في اليمن.
من صديقات من زيجات مختلطة.
ومن أمي، ذات الدم المختلط، يمني ومصري.
تماماً كدمي، ودمِ أبنتي. مختلط.
وليس في اختلاط الدم ما يعيب.
هو في الواقع أفضل للجينات.
لكننا لانرى ذلك.
نعيش في قوالب فكرية متحجرة عاف عليها الزمن.
ولذا، حان وقت مواجهتها.
العنصرية داءٌ في الإنسان أينما كان.
هنا وهناك.
لكن العبرة الحقيقية هي في مقدرتنا على مواجهتها والقضاء عليها.
كي نواجه الوحش الرابض فينا.
ونحترم الانسان. كإنسان.
أليس هذا الأصل كافياً؟


أستراليا تسعى جاهدة لفعل ذلك.
ونحن؟



#إلهام_مانع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللهم رمل نسائهم، اللهم يتم أطفالهم
- قبلة سريعة
- خمس سنوات تكفي الحرية لرائف بدوي
- عن السعودية وإيران، حكاية أقصر حوار تلفزيوني أْجريته في حيات ...
- لو فكرتي ستكفرين
- عن دينا علي ونظام الولاية في السعودية
- عن مقتل إحسان الجرفي! عن الهوموفوبيا
- النظام الإلهي
- هذا من ذاك: عندما يدهس الرجل خلق الله في لندن
- زوجي مسيحي الديانة وأنا مسلمة، أين المشكلة؟
- أريد هذا الرجل
- -شيخ الأزهر: التعددية لا يمكن أن تتم إلا في أطار المواطنة ال ...
- لدينا مشكلة مع المرأة
- -ربٌ نقتل بإسمه، ورب نَقتلُه-
- اللي إختشوا ماتوا! عن ترامب وحقوق المواطنة لدينا
- لنسميَها بإسمها: السلفية ُالوهابية حركة ٌمتطرفة
- ماذا لو ألبسنا الحيوان النقاب؟
- مواجهة مع شهريار
- قال -أعياد كريسماس سعيدة- فطالبوا بقتله!
- -اليأس خيانة-


المزيد.....




- المغرب: إحباط -مخطط إرهابي- لخلية تابعة لتنظيم -الدولة الإسل ...
- سؤال عميق يؤرق اليهود الأمريكيين اليوم
- كلفة أن تكون شيعيا في الخليج بعد حرب إيرانبعد الحرب مع إيران ...
- من عمر بن الخطاب إلى الثورة السورية.. الجامع العمري على قوائ ...
- الجزائر: جبهة التحرير الوطني تتصدر نتائج الانتخابات التشريعي ...
- تشييع خامنئي من النجف العراقية.. كيف احتفظت المدينة الشيعية ...
- شقيقان من نابلس يحرسان إرث صناعة أهلة المساجد ومآذنها في فلس ...
- الناشط الإعلامي الأمريكي جكسون هينكل: خطة أمريكا للإطاحة با ...
- فنيش: لولا دعم الجمهورية الإسلامية ما كانت المقاومة لتحظى به ...
- الحوار أم الردع؟ موريتانيا تعيد تفعيل الحوار مع السجناء السل ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إلهام مانع - -دم مختلط-