أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نسب أديب حسين - فلسطين ما بين الحلم والواقع في رواية -يعدو بساقٍ واحدة-















المزيد.....

فلسطين ما بين الحلم والواقع في رواية -يعدو بساقٍ واحدة-


نسب أديب حسين

الحوار المتمدن-العدد: 5070 - 2016 / 2 / 9 - 21:36
المحور: الادب والفن
    


"يعدو بساقٍ واحدة" عنوان جميل ومعبّر استخدمه مدير متحف محمود درويش، سامح خضر في ولوجه عالم الرواية. صدرت الرواية التي تقع في 270 صفحة من القطع المتوسط، عام 2015 عن دار الأهلية للنشر والتوزيع.
يحرّك أحداث الرواية بطل واحد مركزي، تحت اسم شخصية "قاسم"، يرافقه الراوي الكلي المحيط بكل الأحداث، والذي يُسمع صوته بشكل بارز على مدى الرواية، بالإضافة الى العديد من الشخصيات الثانوية، التي تظهر وتغيب فجأة في معظم الأحيان.
أهم تساؤل طرحته هذه الرواية هو هل تشبه فلسطين المرسومة في خيال اللاجئين الذين وُلدوا خارج الوطن، فلسطين الحقيقية؟
وقد أجاب الكاتب عن هذا السؤال بصراحة كبيرة، بكثير من الواقعية، متحدثًا عن مشاعر الجيل الشاب من اللاجئين الفلسطينيين، الذين عادوا بعد اتفاق أوسلو إلى أرض الوطن. وقلّما طرح أدبنا الفلسطيني الحديث هذه القضية أو تعمّق في نفسية هذه الفئة من مجتمعنا، لتأتي هذه الرواية وتطرح هذه القضية عبر بطلها قاسم العائد مع والديه وشقيقته من مصر، الى غزة عقب اتفاق أوسلو.
يبين الكاتب في بداية الرواية النزاع الداخلي حول مفهوم الوطن، حينما تحين الساعة لمفارقة المكان المألوف، والرحيل إلى الوطن الذي ليس سوى صوة سرابية نسجتها الحكايات من ذاكرة الأهل، وكيف يتحول ما كان منفى خلال السنوات السابقة إلى وطن وقت الرحيل. فلحظة رحيل قاسم عن مصر التي ولد فيها، فهم شعور والده وحزنه على فراق فلسطين (ص 10).
تبدأ الصدمة الأولى ما بين الصورة المتخيلة في الذاكرة والصورة الحقيقية، بلقاء وجه المجندة الاسرائيلية عند دخول أرض فلسطين. الصدمة الثانية في الوصول الى البيت الواقع في مخيم جباليا، فما يُطلق عليه اسم شارع ليس إلا زقاقا ضيقا، ثم البيت الصغير المفتقر للخصوصية، والعلاقات الاجتماعية المكثفة والمختلفة عنها في المكان الأول. وهكذا نجد البطل يرى ومنذ اليوم الأول "أنّ الحياة في فلسطين، لا تبدو أيسر من تلك السابقة". وتظهر صعوبة التأقلم التي قد تلوح على برنامج أي شخص يغير بيئته، من حيث حاجته أن يُشكل بناءً جديدًا للعلاقة مع المكان وأشخاصه.
لم يمر الكاتب على الصعوبة في التأقلم، وغياب وطن المنشأ عن بطله مرور الكرام، ولم يحاول أن يقلل من قيمة هذا المكان في سبيل تعظيم فكرة العودة. بل يورد على لسان الراوي التساؤلات والاستنتاجات من التجربة فيقول في ص 33 "تترك الأماكن آثارها فينا...، هل يمكن لمكان أن يغيب هكذا فجأة ويتركنا هائمين دون هدف ومسار يقودنا إلى شيء؟". ويشير على لسان الراوي كذلك إلى أنّ غياب المكان عن قاسم حوّله الى انسان آخر، وراح يميل الى العزلة باتخاذ القراءة والكتابة رفيقين له، ليعبّر عن غضبه على والديه لتركهم مصر.
يشير الكاتب إلى انقسام الشبان "العائدين" في الجامعة، الى مجموعات حسب البلدان التي حضروا منها "لم تتفق أية مجموعة فيما بينها على قانون أو بروتوكول يجمعها، ما جمعهم جميعًا هو شعورهم بالاغتراب في وطنهم الذي حلموا به سنوات غربتهم، ولفظهم سكانه حال عودتهم، أو تجمعهم ذكريات منفاهم، كان أي نقاش يدور مع أي من الزملاء يكاد يصل حد الانفجار" وهي صدمة أخرى يواجهها البطل بعد انتسابه إلى الجامعة.
ويورد مقارنة جميلة ومهمة في صفحة 39، بمقارنة مفهوم التضحية والصمود في سبيل الوطن، بين أبناء الوطن الباقين فيه وبين العائدين، فكل طرف يشعر أنّه صاحب الصمود والتضحية الأكبر. وهذه القناعات لا بدّ أن تزيد من تعقيد التركيبة الاجتماعية الفلسطينية المتعددة دينيًا وفكريًا وسياسيًا، ومحاولة كل مجموعة شدّ طرف خيط وسام النضال الأكبر صوبها، إنّما يزيد المجتمع انقسامًا وانغلاقًا لفئاته على أنفسهم بدل توحدهم، وهذا ما أراد سامح الإشارة إليه من خلال هذه المقارنة.
تبقى التقسيمات تفرض نفسها على الفلسطيني العائد إلى وطنه، وبعد أن كان لاجئًا، أصبح اسمه الآن "الصبي المهاجر" أو "العائد".
بعد أشهر من انغماس بطل الرواية في وحدته، يقرر أن يكشف عمّا يعتمل في نفسه لصديق جديد من أبناء قرية جباليا فيقول "أنا ضائع، لا أخفيك أنّي بت لا أعلم من أنا" "كنتُ أفكر بفلسطين أكثر عندما كنت في مصر، والآن أفكر بمصر أكثر"، "أنا شبه ميت". ويستمر في تساؤل صريح "لماذا عدنا؟ لا أخفيك إن مفهوم الوطن لدى المغترب أفضل كثيرًا منه لدى المقيم فيه. كان الوطن بالنسبة لي جميلا حدّ المثالية، كلامي لا يعني أنّي لا أحب فلسطين، لكن حبي لفلسطين كان مثاليًا، والان صار حبي لها مضطربًا". وهنا نشهد مدى الخيبة باكتشاف الاختلاف الشديد بين فلسطين الحلم وفلسطين الحقيقة.
تفهم عبد الرحيم قاسم، وحاول ارشاده الى طريقة في التعامل مع مفهوم الوطن الجديد. وهنا يبدأ قاسم مرحلة جديدة بمعايشة الواقع، وتقبل الوطن بالصورة الموجودة والاندماج به. وفي هذا اشارة من الكاتب الى أهمية احتضان أبناء مجتمعنا أحده الآخر، وكم يلعب هذا الاحتضان دورًا مهما في حياة العائد الى وطنه. فيبدأ بتأسيس علاقات جديدة، تكبر رغم ورود فكرة الهجرة الى كندا.
تظهر فكرة الهجرة حلا يطرحه البطل، ليتغلب على عمق الهوّة التي تأبى الغياب ما بين الوطن الحلم والحقيقة في قوله: "كيف ستشعر حين أعدك بقصر كبير تحيطه حديقة جميلة تحتوي على كل ما تستطيب عيناك رؤيته وتحلم بذلك القصر طول حياتك وفجأة تجدني أمنحك غرفة صغيرة دون خدمات؟ إني أرغب بالهجرة لأن فلسطين المتخيلة ليست هي نفسها التي حصلت عليها، لذلك أفضّل الرحيل عنها".
يستمر هدف الهجرة مسيطرا رغم ازدياد ارتباط البطل بعدة علاقات في غزة، كالعمل والدراسة والحب، إلا أنّه يستمر ساعيًا لأجل الرحيل حتّى يحصل على تأشيرة الهجرة. فيقرر السفر الى رام الله لزيارة عمه ووداعه، قبل الرحيل الى كندا.
في هذه الزيارة يُدهش جمال الوطن قاسم، ثم معرفته لمرض ابنة عمه يشعره بمسؤولية أكبر، يلعب كلا العاملين دوره، وتتجاذبه صورٌ عدة "صورة لبلد تحتاجه لتحقق ذاتك وصورة لبلد يحتاجك ليحقق وجوده"، وتصل بالقارئ الى القرار الأهم في الرواية في ص 176، وهو البقاء وعدم الهجرة الى كندا. وهنا وفي الثلث الأخير من الرواية يتصالح قاسم مع الوطن بالصورة التي هو عليه، ويبدأ مسيرة جديدة في هذا التصالح، تحمل الكثير من العناء والعمل الشاق في سبيل البقاء. هي ظروف أصعب في مواجهة الفقر والذّل، من تلك التي مرّت عليه عند وصوله الى غزة وحياته في كنف والديه، لكن ورغمّ ذلك بقي صامدًا إلى أن ابتسم له القدر وحصل على مهنة لائقة وتحسن وجه الحياة في كنف الوطن. ليرسل في نهاية الرواية لصديقه عبد الرحيم الذي اختار الهجرة دونه الى كندا "عزيزي عبد الرحيم، رحلتي مثيرة ووقت طويل استغرقني لأعلم أنّني فلسطيني وكأن هناك شيئا ما يختلف دون سائر الهويات والجنسيات الأخرى، كأن هويات الآخرين هبة، وهويتنا اكتساب، ولتكتسب شيئًا عليك أن تكون جديرًا به".
ليرسم الكاتب خطًا من الصراع الفكري الداخلي حول صورة الوطن، ثم صراع الوجود والبقاء على مستوى الحياة اليومية، حتّى الوصول الى صورة أفضل أكثر نجاحًا ورضى، واتخاذ الفرد خطوة بناءة في سبيل وجود الوطن، والسعي للوصول بالصورة الحقيقية الى صورة قريبة من تلك المتخيلة.
الراوي
صوت الراوي المشرف الكلي قوي في الرواية، ولديه الكثير من المداخلات، ورغم سردية بعضها، واعتبار هذا الأسلوب في الإشراف تقليديًا، ويضعف أحيانًا شخصيات الرواية، بابتعاد الحوارات الداخلية عنها. إلا أنّ كثير من مداخلات الراوي جاءت قوية وحكيمة، تدفع القارئ للتوقف وتأمل ما جاء على لسانه. فخدمت هذه المداخلات عقدة الرواية الرئيسية بشكل كبير كحديثه عن المنفى كما جاء في صفحة 21 "الفلسطينيون في المنفى يخافون بالفطرة. يخافون من الأمن، ومن فقدان الوظيفة ومن فقدان الإقامة، ويخافون من النسيان...، وقبل كلّ شيء يخافون على حلم العودة من الضياع".
كذلك مداخلة الراوي الجميلة عن الوحدة ص 123 "الوحدة تكشف للإنسان ملامحه الداخلية التي يخفيها ضجيج علاقاته الاجتماعية، فيصبح قادرًا على تلمس هذه الملامح وتحديد شكلها وأبعادها".

لغة الرواية سردية عادية، بعيدة عن التعقيد اللغوي أو الجماليات اللفظية، ذات صياغة أدبية سلسة. أسلوب الراوية أقرب ما يكون للسيرة، وتتميز أحداثها بتشويق كبير، قادر على جذب القارئ الى عالمها.
رغم الجوانب الايجابية العديدة لعمل هو الإصدار الأول لكاتبه، ولكن تبقى بعض الملاحظات على الرواية، أهمها بتر العديد من الشخصيات الثانوية التي ظهرت كشخصيات نامية عند ظهورها في الرواية، وغيابها فجأة دون إظهار تفسيرات مقنعة، الأمر الذي يعطي انطباعًا بعدم احتكام الكاتب بشكل متوازن بخيوط شخصياته.
أخيرًا تطرح هذه الرواية، قضية مهمة، وتقدم رسالة مهمة في أهمية الكفاح والبقاء على أرض الوطن، رغم كلّ الصعوبات، والمحاولة للوصول إلى الإجابات على الأسئلة الصعبة من خلال التريّث والبقاء وعدم التسرع بالرحيل.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما مدى سريان القانون الدولي الإنساني في القدس الشرقية منذ ال ...
- قراءة في رواية -أميرة-
- ما بين فيلم -عيون الحرامية-.. وعيون ثائر
- حين يطل على ظلك الغياب
- في رحيل العم سميح القاسم
- إيابُ خطى الغريب الى الذاكرة
- أبواب العودة
- حين تمردَّ الملاك
- تحيّةً إلى سميح القاسم
- جنان تزهر في الجحيم قراءة في رواية جنة الجحيم
- على أثر الأفعى والتفاح
- قراءة في رواية لحظات خارجة عن الزمن لمزين برقان
- بين عيونهم وعينيها
- قراءة في ديوان مرسى الوداد لشيخة المطيري
- ذاكرة مورقة في خريف العمر قراءة في رواية ظلام النهار للكاتب ...
- قراءة في مجموعة(الساقطة للكاتبة) د.هيفاء بيطار
- هواجس عند مدامع المدينة
- الى طفولتي.. أحن
- قراءة سريعة في رواية- همس الظلال-


المزيد.....




- فنانون مصريون يتضامنون مع فلسطين.. محمد هنيدي يتصدر تويتر لد ...
- طيف التوحد: إيلون ماسك يكشف أنه مصاب بمتلازمة أسبرجر خلال بر ...
- نحن وفلسطين: خلاصة الكلام !
- أمير المؤمنين الملك محمد السادس يحيي ليلة القدر بفاس
- في حركة رمزية: شباب القصرين يتحدى قرارات الحكومة بالغناء في ...
- بركة: استضافة إسبانيا لزعيم -البوليساريو- يسيء بشدة للشراكة ...
- الكشف عن آخر تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- العنصر: - التوظيف الجهوي خيار استراتيجي ينسجم مع الجهوية الم ...
- رسالة -من القلب- من نجوى كرم إلى جورج وسوف وحديث عن إمكانية ...
- الموت يفجع أسرة الفنان سعيد صالح


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نسب أديب حسين - فلسطين ما بين الحلم والواقع في رواية -يعدو بساقٍ واحدة-