أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - اللامنتمي يحتج على قسوة البشر














المزيد.....

اللامنتمي يحتج على قسوة البشر


هويدا صالح

الحوار المتمدن-العدد: 4899 - 2015 / 8 / 17 - 01:59
المحور: الادب والفن
    


حين يغيب الهدف من حياة الإنسان يتحول كل شيء إلى عبث وجودي لا معنى له. ويؤدي هذا إلى أن يصير الإنسان لامنتميا لأي شئ، ولا أي معنى في الحياة، يصبح الإنسان مؤمنا بأن لا شيء يستحق الفعل، وأنه لا يوجد طريق أفضل من الآخر. إنه فقط يراقب الحياة تمضي أمام عينيه. ومع الزمن، يتحول إلى مجرد رد فعل لفعل يقوم به الآخر.هذه هي القضية التي يعالجها كتاب"اللامنتمي"لكولن ويلسون الذي صدر عن دار الآداب ببيروت وترجمه على مولا.
إن مشكله اللامنتمي هي في أساسها مشكلة الحرية ولا نقصد بذلك الحرية السياسية طبعاً و إنما الحرية بمعناها الروحي العميق. إن جوهر الدين هو الحرية ولهذا فغالباً ما نجد اللامنتمي يلجأ إلى مثل هذا الحل . إذا قيض له أن يجد حلاً.ويرى اللامنتمي أن الدين لا يمكن أن يكون جواباً على مشكلاته وعليه فقد يعود كما فعل جورج فوكس ،ليكشف فساد العالم وضلاله.
أثار هذا الكتاب، ولا يزال يثير، مناقشات لا تنتهي مرجعها إلى أنه يعالج، لأول مرة، موضوعاً جديداً، هو موضوع نفسية الإنسان اللامنتمي، الإنسان الذي لا ينتمي إلى حزب أو عقيدة. ويقوم كولن ولسون بهذه المعالجة على ضوء دراسة واسعة لشخصية اللامنتمي كما تتجلى في آثار كبار الكتاب والفنانين، فيحلل آثار كافكا ودستويفسكي وهمنغواي وكامو وسارتر ونيتشه وفان كوخ ولورنس وهنري باريوس وسواهم تحليلاً يأخذ بمجامع القلوب، ويلقي أضواء ساطعة على روائع هؤلاء الكتاب والفنانين.
من يقرأ الكتاب سوف يرى نيتشه، وكامي، وباربوس، وتي إي لورنس، صاحب "أعمدة الحكمة السبعة"، وإتش جي ويلز، وفان جوخ، وإرنست همنغواي، وراقص الباليه الروسي الشهير فاسلاف نجنسكي في تصور مختلف تماما عن رؤيتنا لهؤلاء جميعا من قبل. سوف نرى مثلا لورنس العرب، على صورة تخالف الصورة النمطية التي رسمتها له المخيلة، فلم يعد ذلك البطل الذي نسجت حوله أوهام كثيرة ارتبطت بدهائه ومقدراته السياسية والحربية، بل إنسان بائس لم يستطع إقامة حتى علاقة إنسانية بسيطة مثل الجنود الذين كانوا تحت إمرته، وظل طوال حياته يفتقد مثل هذه العلاقة. ولم نعد ننظر إلى فان كوخ على أنه إنسان فقد قواه العقلية، وإلى نجنسكي مجرد راقص باليه، اعتراه الجنون وهو على خشبة مسرح البولشوي احتجاجا على قسوة البشر، وغيرهم العشرات من كبار الفلاسفة والكتاب والفنانين الذين تناولهم ويلسون في كتابه. هؤلاء لا منتمون، بمعنى أنهم أكثر حساسية منا. إنهم يرون أكثر مما نرى، ويحسون بالغربة في واقع لا يتطابق مع رؤاهم، أو كما يريدون أن يكون، فينسحبون من هذا المجتمع إلى زواياهم الخاصة، تماما مثل شخصية بطل هنري بابوس في رواية «الجحيم» الذي يطل على العالم من خلال ثقب في جدار الغرفة. ولكنه يرى ما لم يره الآخرون. وهذه هي الفكرة الأساسية في كتاب اللامنتمي.
ألبير كامي و هنري باربوس، وإرنست همنغواي الذي انتحر على الرغم من كل مجده، جميعا كانوا يعانون من تراجيديا الانفصال بين المثال والواقع، ومن "مشكلة الهدف في الحياة. ولكن هذا لا يعني أن اللامنتمي، سواء أكان فنانا أم لا، إنسان عدمي. الأمر عكس ذلك تماما. إنه إنسان يبحث عن الحقيقة، ويرى أن كل ما في الوجود يصادر هذه الحقيقة، أو يطمرها تحت اعتبارات حياتية زائلة: المال، العائلة، النظام، المجتمع. من هنا، يرى ويلسون أن اللامنتمي هو صنيعة المجتمع البرجوازي، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية. فهذا المجتمع الذي بُني على النظام والترتيب والحسابات المنطقية، عدو للأفراد الذين يتمردون على طبيعته السكونية، الباردة، الرياضية، التي تحسب كل شيء على حساب الانسجام والجمال، وتحقيق الذات. ونتيجة لذلك، يحصل الانفصام بين الفرد والمجتمع، وتحل الغربة حتى بين الفرد وذاته.
يستطيع اللامنتمي ان يتخذ من شعوره المؤلم بخطورة الحياة مقياسا يزيد من قوته،ليجعله قادرا على أن يعيش حياة أكثر وفرة.إنه الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واه، والذي يشعر بأن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذراً من النظام الذي يؤمن به قومه.
قدّم كولن ولسون دراسة لعينات من الإنسان الذي يشعر بطريقة تختلف عن كل من حوله. اللامنتمي إنسان عليلٌ ولكنه ليس بمجنون، هو إنسان أكثر حساسيةً من الأشخاص المتفائلين صحيحي العقول. إنه إنسانٌ يسعى في طلب الانتماء والانخراط في العالم المحيط بصورة طبيعية، ولكنه يتراجع حينما يرى أنه قد لا يُسمح له بأن يُثبت ذاته في موضعٍ يمكّنه من تأدية دورٍ خارج عن الرتابة، الدور الذي يرى أن لا أحد غيره يُجيدُه، إنه شخصية قوية وذكية وحيوية في بعدٍ ما، ومن الطبيعي أن تتحول حيويته، حين يعجز عن التعبير عن ذاته، إلى بحث عن مخارج بواسطة التطرّف والشذوذ السلوكي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
ـ كولن ولسون كاتب إنجليزي، له العديد من الأعمال منها:
رواية رجل بلا ظل،وأصول الدافع الجنسي، الاستحواذ، الإنسان والقوة الخفية، الجنس والشباب الذكي، الحالم، الشعروالصوفية، المعقول واللامعقول، إله المتاهة،الشك، سقوط الحضارة،طقوس في الظلام،عالم العناكب، فكرة الزمن عبر التاريخ،ما بعد اللامنتمي،موسوعة الألغاز المستعصية، الحاسة السادسة، ضياع في سوهو،القفص الزجاجي،راسبوتين وسقوط القياصرة.
ـ ألبير كامي فيلسوف وجودي وكاتب مسرحي وروائي فرنسي.له عدد من الكتب الفلسفية(أسطورة سيزيف، المتمرد) و الروايات(الغريب،الطاعون،السقطة،المقصلة)والمسرحيات(كاليجولا،سوء تفاهم،الحصار).






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فن السياسة والأحكام السلطانية في كتاب-دولة الخلافة-
- هشاشة الخطاب الديني في حركات الإسلام السياسي
- عوائق مراجعة المفاهيم في الفكر الإسلامي
- أول محاولة لقلب نظام الحكم في التاريخ العربي
- الحب العذري عند العرب
- مقال د. سيد ضيف الله عن رواية - عشق البنات - لهويدا صالح
- قراءة في رواية ممرات للفقد ..لدكتور عمار علي حسن
- نجيب محفوظ بين السيرة الذاتية والتخييل السردي .. أصداء السير ...
- طرف من سيرة جدتي دولت
- الكرنفالية وتعدد الأصوات في رواية - كلما رأيت بنتًا حلوة أقو ...
- هل قتل النبي كعب بن الأشرف بكلمته؟!
- الخروج: آلهة وملوك.. أم إثبات حق العودة ؟!
- قراءة في صورة لقاء المثقفين بالرئيس عبد الفتاح السيسي !!
- امرأة الميدان ( حكاية عن شهرزاد يوم جمعة الحداد)
- المجتمع وضريبة الجسد !
- جابر عصفور والتنوير !!
- المثقف الميداني واستراتيجية العمل الثقافي
- خرائب النصر
- تشظي الذوات في نصوص فرق توقيت
- نماط متمايزة تصوغها رؤية أدبية مكثفة للواقع صورة المثقّف في ...


المزيد.....




- قرار حظر التنقل الليلي خلال رمضان..ضرورة توفير بدائل وحلول ل ...
- فيديو | شريهان تعود للشاشة بعد 19 عاما بإعلان مبهج.. والفنان ...
- عن الإغلاق ليلا في رمضان…عن التراويح، عن ضعفائنا وعن بقية ال ...
- هالة صدقي تعلن موقفها تجاه مثليي الجنس
- مسلسل -المداح-... الرقابة الفنية تطلب حذف مشهد من الحلقة الأ ...
- الجيش الإسرائيلي يعتقل مرشحا لحماس في رام الله و-الثقافة- ال ...
- إعلان بيروت العمراني: معماريون يتأملون ما بعد الانفجار
- اضطهاد السود في -شحاذو المعجزات- للكاتب قسطنطين جورجيو
- اليوم ذكرى ميلاد الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي
- أكبر شركة فيديو أمريكية تستثمر في إنتاج الأفلام الروسية


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - اللامنتمي يحتج على قسوة البشر