أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - أول محاولة لقلب نظام الحكم في التاريخ العربي















المزيد.....

أول محاولة لقلب نظام الحكم في التاريخ العربي


هويدا صالح

الحوار المتمدن-العدد: 4849 - 2015 / 6 / 26 - 08:28
المحور: الادب والفن
    



مجموعة من الشعراء أحدثوا ثورة اجتماعية، وامتلكوا رؤية اشتراكية للحياة، وتمردوا على الشكل الهيراركي الطبقي القبلي للمجتمع، إنهم الشعراء الذين أطلق عليهم "الشعراء الصعاليك" في عصر ما قبل الإسلام الذي يُسمى بين قوسين بالعصر الجاهلي، ورغم تبرير البعض لوسم عصر بكامله بسمة الجاهلية، وتبرير الجاهلية هنا بالغضب وشدة الحماسة وليست من الجهل إلا أنني أميل إلى تسمية هذا العصر بـ "ما قبل الإسلام" ويحدد له المؤرخون مائتي سنة تقريبا قبل ظهور الإسلام.
وقد بحث قضيتهم، وجمع آثارهم من بطون كتب التراث الدكتور يوسف خليف في كتابه الذي صدر عن دار المعارف(شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي).
مثَّل الصعاليك نخبة مثقفة أعلنت ثورتها وتمردها على مختلف الأصعدة الاجتماعية والفكرية والسياسية في الوقت الذي كان فيه المجتمع الجاهلي مجتمعا قبليا يمثل مجموعة من القيم التي كانت تحكمه، ثار عليها هؤلاء، فنفاهم المجتمع ، واتهمهم بالصعلكة ووصفهم بأنهم مجرد قطاع طرق يتحينون الفرص لاقتسام الغنائم.‏
وحين نطلع على أشعار "الشنفرى" و"تأبط شراً" و"عروة بن الورد" و"السليك بن السلكة"وغيرهم، نجد ظاهرة شعرية لا تنم على أنَّ أصحابها مجرد صعاليك، ولكنهم يمثلون فئة اجتماعية مستنيرة راعتها المظالم الاجتماعية والتجاوزات القبلية، فأعلنت ثورتها وتمردها على بعض تلك القيم الجائرة، مثل استفحال ظاهرة الغنى والفقر، وما يترتب على ذلك من مظالم، في ضوء ما ظهر في المجتمع الجاهلي، من صراع طبقي وعرفي، ولو على مستوى ضيق نسبياً، ومن ثمة صور هؤلاء الشعراء تلك الأوضاع السائدة، برغم ما اكتنف هذا التصوير من مبالغة وتخييل يخالف السائد من الشعر.
وقد قسم يوسف إلى مقدمة وعدة فصول، وقد عالج في المقدمة مفهوم الصعلكة، واستقصى معناها في القواميس والمعاجم العربية، ودلالاتها ومعانيها، ثم درس حياة هؤلاء الشعراء وأخبارهم ونوادرهم ، وجمع أشعارهم التي وردت في بطون كتب التراث أمثال كتاب "الأغاني " لأبي الفرج الأصفهاني ليستخلص منها سمات الصعلكة، وهكذا انقسم بحثه إلى قسمين أساسيين، دراسة الظاهرة ودراسة الشعر
يرى خليف أن الشعراء الصعاليك نتاجٌ اِجتماعي اِقتصادي جغرافي،وشعرهم نتاج لهذا التكوين الثقافي الاجتماعي، وقد كان خليف في دراسته مؤسسا لدراسة الظاهرة و اِنطلق من فكرة مفادها أنه للوصول إلى شعر الصعاليك و اِكتناهه علينا الإحاطة بما جعل من صعاليك، بمعنى أن أخبارهم و سيرهم في مقابل أخبار القبائل و نظامها الاِجتماعي تشكل بؤرة مركزية لفهم الإبداع الصعلكي،ويأتي بهذه الأخبار من "الأغاني" و "معجم البلدان" و "أمالي القالي" و "خزانة الأدب" ..إلخ،ليصل إلى النتيجة التي أراد الوصول إليها مسبقا، وهي أن عوامل ظهور الصعلكة هي نفسها التي أسست للبنية الفنية لشعر الصعاليك،فهو شعر واقعي ممعنٌ في الإنسانية و الإنفراد و التوحش و الخيبة و المراراة.
وتبدو هذه الدراسة الرائدة، فقد ساءل خليف الأخبار العجيبة و الأساطير المتواشجة مع أخبار الصعاليك و أشعارهم،صحيح أنه عمد إلى خرافات العَدْو عند هؤلاء الشعراء و طرائق موتهم.وقد رآها عجيبة غريبة،لكنه لم يحفل بما جعلها كذلك،و إنما أوردها ليثق بها المتلقي،فكثرة الأخبار جعلت من دراسة خليف دراسة مؤسسة موثقة أكاديمية علمية،فقد توسل بـ 68 مصدرا قديما ليؤكد منهجيته العلمية في تناول الظاهرة،كما أن تصوره العام لشعر الصعاليك لم يأت به من عنده، بل أفاد من المستشرقين ، ولا يخفي إعجابه بآراءهم في هذا الصدد،خصوصا "آدم ميتز" و ربما يكون الباحث معذورا حين أفاد من مجهود المستشرقين لكون مجال الصعلكة أنذاك لم يكن قد دخل مرحلة النضج منهجيا و مفاهيميا .
خليف كان همه الأول التأسيس المعرفي للظروف التي أوجدت شعر الصعاليك. نراه يرجع كل شيء فيه إلى الأصل الذي أوجده الصراع الطبقي،ودليله على ذلك أن مفهوم الصعلكة اِختفى عندما جاءت العدالة الاِجتماعية المتمثلة في القيم الإسلامية إبان دولة الخلفاء الراشدين.
يشير الباحث إلى أن الصعلكة تعني في معناها العام الفقر وما له من علاقة بالعوز والحرمان في ظل حياة قاسية يتعذر فيها سبيل الرزق، فضلاً عن الدلالة الاجتماعية التي لها علاقة بالوضع الاجتماعي الذي يحياه الفرد في ظل مجتمعه، ومن ثمة قد تفرض على هذا الفرد أن يسلك أسلوباً معيناً في حياته الخاصة كرد فعل لما لحقه من ضيم أو رغبة منه في تغيير وضع ما، أو بلوغ غاياته المادية والمعنوية.‏
انقسم هؤلاء الشعراء الفرسان من الشبان إلى قسمين، الأول مثّل الفروسية بأدق معانيها من حيث التحلي بالقيم الإنسانية النبيلة، ومن ثم حافظ على قيم الشهامة والمروءة وإغاثة الملهوف، ومساعدة الفقير والضعيف عامة، بغض النظر عن الوسيلة المتبعة في تطبيق ذلك، والثاني سلك سبيل النهب والسلب والتمسك بمبدأ القوة لنيل بغيته في ظل طبيعة جغرافية تحتم التشبث بذلك المبدأ.‏

ما يلفت الانتباه حقاً، هو أن هؤلاء الشعراء الصعاليك الذين جمعوا بين السيف والقلم، جمعوا أيضاً بين التشرّد في القفار والفيافي، وعبّروا عن ذلك التشرد بطرق فنية وصور شعرية تنم عن قدرة فنية، ورؤية اجتماعية نقدية، قد لا نجد مثيلاً لها في شعر كثير من الشعراء الفرسان الذين عاصروا هؤلاء الصعاليك.
البناء الفني في شعر الصعاليك الجاهليين قيمة جمالية تمردت على البنية المعهودة،وهو أيضا خلق لثقافة بديلة متفردة منفردة عن الثقافة الأصلية الطاغية النظامية،فالمكان في شعر الصعاليك يرسمونه في اِتجاه المستقبل المأمول لا في اِتجاه الماضي كما كان كل شعراء البنية النظامية مثل إمرئ القيس و الأعشى و زهير بن أبي سلمى يفعل،حيث يرتد بهم المكان إلى الزمن الماضي بحزنه و انمحائه ، إذ هو زمن المحبوبة و زمن الأحلام الضائعة، في حين أن المكان عند الصعاليك مكان غير واقعي ، متخيل، يتجه للمستقبل الذي ربما يأتي مغايرا للماضي والحاضر بما فيه من إقصاء وتهميش لهم. وكأن هؤلاء الشعراء يحلمون عبر الفن بتغيير الواقع، تغيير الواقع عبر قوة الفن، كأنهم يحلمون بثقافة بديلة تنصفهم من واقعم المرير يحلمون بإقامة ثقافة اللامركز، اللاقبيلة،اللانظام عن طريق الفعل : التوحش و النهب وعن طريق القول : هدم بنية القصيدة العربية، إن شعر الصعاليك بهذا التصور أول محاولة لقلب نظام الحكم و الشعر في التاريخ العربي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
ـ يوسف خليف باحث وناقد سكندري له العديد من المؤلفات منها : الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي - الحب المثالي عند العرب - حياة الشعر في الكوفة - ذو الرمة - دراسات في القرآن والحديث - دراسات في الشعر الجاهلي - تاريخ الشعر العربي في العصر الإسلامي - تاريخ الشعر العربي في العصر العباسي - الروائع من الأدب العربي: العصر الجاهلي (بلاشتراك).
آدم متز مستشرق سويسري ألماني اهتم بالأدب العربي في القرن الرابع الهجري وما تلاه، له كتاب بعنوان:" الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحب العذري عند العرب
- مقال د. سيد ضيف الله عن رواية - عشق البنات - لهويدا صالح
- قراءة في رواية ممرات للفقد ..لدكتور عمار علي حسن
- نجيب محفوظ بين السيرة الذاتية والتخييل السردي .. أصداء السير ...
- طرف من سيرة جدتي دولت
- الكرنفالية وتعدد الأصوات في رواية - كلما رأيت بنتًا حلوة أقو ...
- هل قتل النبي كعب بن الأشرف بكلمته؟!
- الخروج: آلهة وملوك.. أم إثبات حق العودة ؟!
- قراءة في صورة لقاء المثقفين بالرئيس عبد الفتاح السيسي !!
- امرأة الميدان ( حكاية عن شهرزاد يوم جمعة الحداد)
- المجتمع وضريبة الجسد !
- جابر عصفور والتنوير !!
- المثقف الميداني واستراتيجية العمل الثقافي
- خرائب النصر
- تشظي الذوات في نصوص فرق توقيت
- نماط متمايزة تصوغها رؤية أدبية مكثفة للواقع صورة المثقّف في ...
- العلاج بالفن في متتالية بيوت تسكنها الأرواح د. عمرو منير
- وجع اللذة في تمارين لاصطياد فريسة لعلي عطا
- سيرة الحرب والحب في رواية تيو
- بلاغة التفاصيل في رواية - الذرة الرفيعة الحمراء -


المزيد.....




- حفل الأوسكار ينطلق من محطة قطارات بلوس أنجليس
- مغنية راب أمريكية تنتقد عضوا بالكونغرس وصف أداءها بغير المحت ...
- سفير المغرب بالمكسيك يتباحث مع رئيس مجلس الشيوخ
- بعد خرجة وهبي.. رسالة توضيحية مشفرة من اخنوش الى مهاجميه
- صور عن وجع عوائل سجناء فلسطينيين تفوز بجائزة عالمية
- أولمبياد طوكيو 2020 : لماذا استبدلت روسيا نشيدها الوطني ب ...
- شاهد: بثوب من القبلات الحمراء.. فنانة صينية تنشر الحب والوعي ...
- -مقدمة لدراسة بلاغة العرب- تأليف أحمد ضيف
- موقع محتويات.. مرجع المواطن الأول في السعودية
- تنوّع قياسي في جوائز الأوسكار هذه السنة.. والفضل لجائحة كورو ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - أول محاولة لقلب نظام الحكم في التاريخ العربي