أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب – الجزء الثالث















المزيد.....



نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب – الجزء الثالث


نهرو عبد الصبور طنطاوي

الحوار المتمدن-العدد: 4685 - 2015 / 1 / 8 - 02:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


## الجزء الثالث: (العلمانية المتسترة بالدين والإيمان)

بين قوسين: (لعل العلمانيين المصريين والعرب لا ينزعجون من توجيه النقد لهم، إذ لطالما صدعوا رؤوس البشرية بالحديث عن حرية الرأي والنقد والفكر والتعبير، هذا إذا توجه النقد لغير العلمانيين بطبيعة الحال، أما لو توجه النقد إليهم فكأنما سَبَبْتَ دينهم وعِبْتَ آلهتهم، وأرجو أن نقدي لهم مهما كان قاسيا أو لاذعا أو جارحا أن ينزل على قلوبهم بردا وسلاما، فلعل الله أن يهديهم لأنفسهم وينفع بهم أوطانهم، وإن كنت أشك كثيرا في ذلك وأستبعده).

حتى لا ننسى ما ذكرناه في الجزء الأول والثاني من هذا الموضوع أود أن أذكِّر القاريء وأنبهه بأن العلمانية كمفهوم وتعريف "محض" لا علاقة لها بالديمقراطية ولا علاقة لها بالليبرالية ولا علاقة لها بالإنسانية ولا الأخلاق ولا الدين على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد، فحديثي في هذا الموضوع بجزئيه السابقين والأجزاء المتبقية يتركز بشكل أساسي حول العلمانية كمفهوم مجرد من أية مفاهيم أو مصطلحات أخرى يحاول بعض العلمانيين إقحامها وربطها عنوة بالعلمانية وهي ليست منها في شيء، فالعلمانية المجردة بجميع تعريفاتها وعلى اختلاف صياغاتها اللفظية تصب جميعها في مفهوم واحد لا شريك له، ألا وهو: (إقصاء الدين تماما من الحياة، أي: إقصاؤه من: "السياسة، الحكم، التشريع، المعاملات، الأخلاق" والإبقاء عليه فحسب كمحض مشاعر وعقائد سجينة داخل القلوب والرؤوس ولا تمارس طقوسه وشعائره إلا داخل جدران دور العبادة ولا يتخطاها إلى الخارج). إذ كل تعريفات العلمانية على اختلاف ألوانها وصياغاتها تصب في هذا المفهوم، إلا أن بعض الماكرين يحاول تجميل وجه العلمانية القبيح ببعض الأكاذيب والمراوغة فيقول: (العلمانية ليست ضد الدين ولكنها ضد الحكم باسم الإله، وليست ضد التدين والمتدينين ولكنها ضد حكم رجال الدين). ولا يخفى علينا أن كل هذه المراوغات والتلفيقات وغيرها هي محض هراء وكذب ومرواغة لتمرير علمانيته القبيحة وعداوته للدين وخاصة الإسلام. وبالتأكيد سأفرد جزء مستقل من أجزاء هذا الموضوع للحديث عن العلمانية والدين والسياسة والحكم والتشريعات إن شاء الله.

ولنعد لموضوع الجزء الثالث: (العلمانية المتسترة بالدين والإيمان):

وهي سلالة من العلمانية المصرية والعربية المختبئة خلف الدين والإيمان أو العلمانية ذات القشرة الدينية الإيمانية، وهي من أخبث ألوان العلمانية، بل هي أخبث ألف مرة من العلمانية اللادينية الصريحة الواضحة، فالعلماني اللاديني الواضح الصريح هو شخص ظاهر واضح في مجافاته ونبذه لدور الدين في الحياة، ويعلن ذلك دون مواربة أو مراوغة، ظاهر الفكر والتوجه لا يحتاج إلى كثير عناء لاكتناه فكره وقناعاته، أما العلماني المرتدي لقشرة الدين والإيمان والمقولات الدينية هو شخص عدمي سفسطائي مراوغ مخادع لا يحمل في رأسه شيئا يمكن أن نطلق عليه فكراً، وليس لديه أدنى مبدأ أو قيمة تذكر، كل ما يعنيه ويهمه هو العبث واللغو في الدين ونصوصه تحت شعارات جوفاء تسمى: "الإصلاح والتنوير والعقلانية" لإفراغ النصوص الدينية من مضمونها ومحتواها وجعلها محض نصوص جوفاء "كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا".

والعلماني المصري والعربي المختبئ خلف الدين ونصوصه يمثل عاراً على الدين وعاراً على العلمانية على حد سواء، فالعلمانية ذات القشرة الدينية هي العلمانية التي تنزع عن أفكار وسلوك وممارسات أتباعها سلطان الله وسلطان هديه وشرعه وأحكامه ولكن بمشروعية دينية أو بفتوى دينية أو بصبغة دينية أو بطلاء من الفكر الديني، وأمثال هؤلاء لم تخل رسالة دينية عبر التاريخ الإنساني كله إلا وكان من بين أتباعها حثالة من هؤلاء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويكتبون بأيديهم كل ما تحمل نفوسهم من أهواء وأطماع وشهوات ونزوات ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، هؤلاء ليسوا من يطلق عليهم (مفكرين ومصلحين ودعاة وفقهاء وخطباء وكتاب وباحثين) فحسب بل ومنهم قطعان غفيرة من العوام والدهماء والغوغاء والسوقة الذين لا يعلمون.

وهي تلك القطعان التي تعلمنت رغم أنفها بفعل التعليم العلماني والإعلام العلماني والفنون العلمانية والفكر العلماني والثقافة العلمانية القذرة الخالية من أي قيمة أو خلق أو فضيلة أو مبدأ، تلك العلمانية التي تتبرزها أنظمة الحكم العربية الفاسدة منذ عقود طويلة في وعي الشعوب العربية والإسلامية على أيدي ما يسمى بـ (النخب المصرية والعربية) العفنة من العلمانيين والملحدين واللادينين والليبراليين الفاسدين، الذين تستخدمهم الأنظمة الطغيانية الفاسدة المستبدة لتعبيد وتجهيل وتغييب وإلهاء الشعوب العربية والإسلامية بقضايا عبثية هزلية تحت شعارات "الثقافة وحرية الفكر والتعبير والفن والتنوير والإبداع والانفتاح والحداثة والعقلانية"، حتى تحللت الشعوب العربية والإسلامية وانلفتت من كل قيمة ومن كل خلق ومن كل فضيلة، إلا من رحم ربك، بل تحولت الشعوب العربية وخاصة الشعب المصري بفعل هؤلاء العلمانيين وعلمانيتهم إلى جيوش من اللصوص والكذابين والخائنين والمرتشين والمختلسين والمحتالين والفاسدين والمتحرشين والبلطجية والمتسولين الذين يئن بهم جسد الوطن لانتشارهم في كل خلاياه وشرايينه، وأصبح الدين في نفوس هؤلاء الدهماء والغوغاء والعامة محض عقائد مشوهة فاسدة ومحض شعائر وطقوس يؤدونها _إذا كان منهم من يؤديها بالفعل_ ولا يعنيهم بعدها ما جاء به الدين من هدي وقيم وأخلاق وإلزام ومبادئ وتهذيب للسلوك والممارسات.

وقد حدثنا القرءان الكريم في كثير من الآيات عن هؤلاء العلمانيين المخادعين المتسترين بالدين، فقال عنهم:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ(12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ(13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). (16_ البقرة).

وقال عنهم:
(أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). (76_ البقرة).

وقال عنهم:
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياًّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً). (46_ النساء).

وقال عنهم:
(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ). (13_ المائدة).

وقال عنهم:
(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). (41_ المائدة).

وقال عنهم:
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). (169_ الأعراف).

وقال عنهم:
(إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً(142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً). (143_ النساء)

وقال عنهم:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ(65) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ(66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ). (67_ التوبة).

والعلمانية المتسترة بالدين والإيمان تأتي على صنفين:

(علمانية دينية تبريرية).
(علمانية دينية كهنوتية تسلطية) وهذه ستكون موضوع الجزء القادم "الجزء الرابع".

فأما (العلمانية الدينية التبريرية) هي: العلمانية التي تمثل ملجئاً لأهل الشهوات والأهواء الذين يبحثون عن التحلل والتفلت من الدين وأخلاقه وقيمه وتشريعاته وأحكامه فيلجأون إلى من يسمون بالإصلاحيين والتنويريين والقرءانيين والعقلانيين ودعاة ومفتيي الفنانات والراقصات الذين يشرعنون ويزينون للمترفين من أهل الباطل والضلال وأهل الأهواء والشهوات ضلالهم وباطلهم وأهواءهم وشهواتهم ويصبغونها بالصبغة الدينية.

وأتباع هذه السلالة من العلمانية لا يستطيعون الجهر بما في نفوسهم من شذوذ وانحراف إلا بغطاء من الدين، لتبرير شذوذهم وانحرافهم ، فهم أكثر الناس هوساً بالحديث في الدين وعن الدين، نقضا أو نقداً أو تحريفاً، كبعض العلمانيين اللادينيين شواذ النفس والفكر الذين يظهرون للناس في ثوب قرءاني او في زي ازهري او في شخص داعية أو كاتب يلتحف بالعقلانية أو مصلح أو مفكر ديني، كي يبرر للناس الشرود من الإيمان والعفة والفضيلة والأخلاق وشرعنة الأهواء والشهوات والفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير حق ولكن بصبغة ومقولات دينية، وأتباع هذه العلمانية لا هم محض علمانيين ولا هم محض دينيين، انما هم علمانيون لادينيون منافقون مراوغون، بالمثل كالمنافقين من أتباع الدين الذين هم ليسوا بمؤمنيين حقيقيين ولا كافرين حقيقيين، انما هم علمانيون لادينيون متطفلون على الدين يتسولون منه مشروعية لتبرير فساد نفوسهم وانحراف سلوكهم ووقوعهم أسرى نزواتهم وأهوائهم وشهواتهم. ولا حديث لهم إلا عن التبرير والترويج للإباحية الجنسية وتملق المرأة بشعارات من قبيل: "حقوق المرأة، حرية المرأة، عظمة المرأة، أسطورية المرأة" لجعل المرأة محض كلأ مستباح لكل عابر سبيل أو محض "مرحاض عمومي" لكل ذي حاجة ملهوف يريد أن "يتبول"، ونراهم كيف يتفنون في تزيين ذلك بالتلويح بهراء من الشعارات المخادعة الجوفاء مثل: "الحرية، التنوير، الإنسانية، العقل، المنطق، المساواة، المحبة، التعايش"، وكلها محض شعارات مثالية جوفاء لا وجود لها في واقع الحياة المعاش، بل لا وجود لها إلا في نواصيهم الخربة العفنة التي تغوط فيها الشيطان وبال.

في مجتمعاتنا العربية فحسب نرى كل ساقط منحرف النفس شاذ الفكر والسلوك يريد أن يبرر سقوطه وشذوذه وانحرافه فإنه يلجأ إلى مستنقع العلمانية القذر فينهل منه هراء الفلسفات ومقولاتها السفسطائية العدمية أو يلجأ فيه لأنماط العيش الأوروبية والغربية ليبرر انحرافه وسقوطه تحت شعار الرقي والتحضر لإيهام الناس بأنه شخص راق ومتحضر، أو يلجأ إلى الدين ليبحث له عن مشروعية دينية لشذوذه وسقوطه وانحرافه، وكل من لا يروق له حكم من أحكام الدين ولا يوافق هواه وشهواته قام إلى النصوص الدينية ليفرغها من مضمونها ويضع لها مضامين من عند نفسه تروق له وتوافق هواه. وياللعجب من ذلك الكائن العلماني المراوغ المخادع!!، حين نراه ينبح ويعوي ليل نهار في كل كتاباته بفصل وإقصاء الدين عن واقع الحياة وعن علاقات الناس ومعاشهم ومعاملاتهم، ثم تراه هو من أكثر الناس بحثا في الدين عما يبرر له شذوذه وانحرافه وسقوطه!!!. والسؤال الآن لهؤلاء: إذا كنتم علمانيون بحق فمالكم تتكالبون على البحث في الدين لإيجاد مشروعية مزعومة لأفكاركم وسلوككم وممارساتكم وانحرافاتكم؟؟!! ألستم علمانيون؟؟ فمالكم تخجلون من علمانيتكم وتبحثون عن ورقة من الدين توراون بها سوءاتكم؟؟!!.

ويحضرني في هذا المقام موقف كنت شاهدا عليه بنفسي مع شخص كنت قد تعرفت عليه في إحدى المناسبات، وهو شخص مثقف ولديه بعض الميول الدينية ولا ينتمي لأي تيار ديني سياسي، وذكر لي أنه قد تزوج بامرأة جميلة ترتدي كل ما شف وضاق من الثياب، وكان قد طلب منها عدة مرات أن تحتشم وترتدي غطاء الرأس وألا ترتدي تلك الملابس المثيرة والملفتة، فعارضته الزوجة بشدة وحدثت بينهما خلافات شديدة أوشكت أن تنهي زواجهما، فاتصل بي ذات يوم وهو حزين ومكتئب وقص عليَّ قصته وطلب مشورتي ورأيي الديني في هذا الأمر، فقلت له رأيي، ولكن يبدو أن رأيي لم يرق لزوجته ولم تقنع به، ومر عامان ولم التقه، بعدها التقينا فتذكرت هذا الأمر فسألته: ماذا حدث مع زوجتك؟، فقال: لقد اقتنعت بوجهة نظرها. فقلت له كيف؟ فقال: أصل أنا أصبحت أنظر لأحكام الدين نظرة علمانية. فقلت له: (آآآه، ربنا يقوي إيمانك).

فأصبحت العلمانية المصرية والعربية بجميع ألوانها وخاصة تلك السلالة العلمانية المتسربلة بغطاء من الفكر الديني عند كثير من معتنقيها هي المرادف أو الواجهة البراقة الراقية المتحضرة للشهوات والنزوات والحماقات والدياثة والعهر والبغاء والقوادة والفساد والطائفية والعنصرية والاستبداد والانحراف والشذوذ النفسي والفكري والسلوكي والانسلاخ من القيم والمبادئ والأخلاق ومعاداة الدين، وأصبح كل من يجد نفسه فاقد الأهلية في أن يحفظ أهله وعرضه ويحكم بيته يقول: "أصل أنا علماني"، وأصبح كل من يبحث عن الرزيلة والانحلال والسكر والفجور والفسق والانحراف ويريد أن يظهر أمام الناس في صورة براقة يواري بها سوءاته يضفي على سلوكه ومماراساته وصف "علماني" أو ينسب نفسه للعلمانية، حتى أصبحت العلمانية في مصر والعالم العربي مستنقع قذر لجمع النفايات والحثالات البشرية من الشواذ جنسيا والسكارى والمرضى النفسيين والحشاشين والطائفيين والمتطرفين الحاقدين من الأقليات الدينية والمومسات والسحاقيات والعاهرات، وتحولت العلمانية إلى ملجأ لمن لا ملجأ له ومبرر لمن لا مبرر له. بل إنني أمسيت على قناعة نفسية راسخة بأن العلماني المصري أو العربي ما هو في حقيقته إلا ذلك الشخص المنحرف المخمور العشوائي الساقط الذي تتناول شخصيته بعض الأفلام المصرية، إلا أن الفرق الوحيد بينهما أن العلماني يرتدي ثيابا نظيفة ويجيد القراءة والكتابة ولديه بعض الثقافة.

وبكل تأكيد هناك من الأشخاص العلمانيين المحترمين الذين أعرفهم وأعلم عنهم حسن خلقهم وحسن نيتهم وسلامة مقاصدهم لكنهم ربما انخدعوا في العلمانية وبعض تعاريفها الملتبسة المراوغة فظنوا أن العلمانية قد تحمل خيراً ما من وجهة نظرهم أو ربما لم يهتموا بأن يعرفوا شيئا عن التاريخ الأسود للعلمانيين المصريين والعرب.

لكن هناك كثيرون من التافهين المنحرفين الساقطين الذين ليس لديهم رسالة ولا قضية ولا فكر ممن يعتنقون العلمانية من المصريين والعرب الذين يرون أنهم لا يكونون علمانيين بحق إلا إذا قدموا فروض وطقوس الولاء والقرابين للـ"أنثى" وجعلهم من قضية الدفاع عن جسد المرأة وفرج المرأة ومؤخرات الشواذ جنسيا هي قضية قضاياهم وقدس أقداسهم، فليس علمانيا ذلك الذي لم يتحدث عن القضايا المأساوية والمصيرية لمؤخرات الشواذ جنسيا وفرج المرأة، كتجريم الختان وعدم الاهتمام بوجود غشاء البكارة من عدمه وحرية الشذوذ وحرية ممارسة الجنس خارج الزواج وارتداء المايوه وكشف شعر المرأة والرقص والعهر والدعارة والحديث الدائم عن الكبت الجنسي والحرمان الجنسي والسعار الجنسي، هذه هي القضايا المأساوية والمصيرية الكبرى التي تؤرق علمانيينا المصريين والعرب ليل نهار ولا تدعهم ينامون، فما لم تكن المرأة وفرجها وجسدها واستباحة ممارسة الجنس معها دون قيد أو شرط والدفاع عن مؤخرات الشواذ جنسيا حاضرين بقوة في جل كتاباتهم فهم ليسوا بعلمانيين مصريين أو عرباً، ويحتاجون أن يعرضوا أنفسهم على طبيب نفسي. إذ ربما لا يعون أن الآدميين الأسوياء من المفترض واللائق بهم أن يكون حديثهم عن الترويج للإباحية الجنسية وفروج المومسات والسحاقيات والشذوذ الجنسي مكانه الوحيد هو المواخير وعلب الليل ودور البغاء والدعارة والمواقع الإباحية وليس المقالات والأبحاث والأفكار والفلسفات التي تتناول قضايا النهوض بالأوطان وتحريرها من الاستبداد والطغيان والتبعية والتسول، لكن العلمانيين المصريين والعرب لا يفقهون.

المثقفون والنخب المحترمة في البلدان المحترمة والأمم السوية تكون أولى أولوياتهم وأهم اهتماماتهم أن يفنوا أعمارهم في العمل على إقامة منظومة أخلاقية وقيمية وعلمية متكاملة لبناء الإنسان السوي في أوطانهم وبناء وعيه وأخلاقه وقيمه وتصوراته وبناء علاقة سوية بينه وبين بني جنسه وبينه وبين الأشياء من حوله، على أساس من الأساليب والمناهج العلمية السليمة الصحيحة، أما المثقفون والنخب العلمانية في أوطاننا العربية –إلا من رحم ربك- عبارة عن عصابة من المرتزقة والمتسلقين والنفعيين والشراشيح والمأجورين والجبناء والجهلة وشواذ النفس والفكر ومنحرفي القيم والأخلاق والآدمية و"الحكاكين" لاعقي فروج النساء، الذين نادراً ما نرى أو نسمع في أحاديث أحدهم أي مفردة عن المبادئ أو القيم أو الأخلاق التي تبني مواطنا سويا لا يكذب ولا يسرق ولا يغش ولا يختلس ولا يخون ولا يخادع ولا يحتال، بل إن من يسمون بالنخب العلمانية في مصر والعالم العربي، ممن يحملون أفكاراً ذات طابع غربي، سواء كانوا سياسين أو مثقفين أو كتاباً أو مفكرين ومن شباههم، لا يضعون على ألسنتهم مثل هذه المفردات إلا ليتخذوا منها معراجا يتسلقون عليه إلى حيث يشتهون ويهوون، ثم إذا ما صعدوا قاموا برجم المعراج بأحذيتهم، وجل نشاطاتهم وأكبر اهتماماتهم هي إفساد وتضليل وتغييب وتدجين الشعوب، وإطلاق سراح نزواتها وشهواتها وغرائزها وتهييجها، ومن ثم تنهمك الشعوب وتنكب على إشباع نزواتها وشهواتها وغرائزها فيتمكن المثقفون والنخب عندها من اقتياد الشعوب من أعناقها إلى المغتصبين للسلطة كقرابين من الأنعام والطيور الداجنة المروضة المستأنسة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا تشعر ولا تفهم، وفي المقابل يحظى المثقفون والنخب من المغتصبين للسلطة بنصيب من المال والوجاهة والمناصب والنفوذ. ويكفينا أن نطالع كتابات العلمانيين المصريين والعرب وأفكارهم عبر الصحف والمواقع أو نجلس بضع دقائق أمام أحد برامج الفضائيات المصرية والعربية لنتعرف عليهم ونرى من أي مستنقع قذر قد خرجوا.

فهل مر بنا في تاريخ بلداننا الحديث منذ عام (1805)م أي: منذ عهد الطاغية العلماني الهالك"محمد علي باشا" أن رأينا العلمانيين المصريين والعرب قد اهتز لهم وجدان او اقشعر لهم جلد أو أندى لهم جبين أو امتقع لهم وجه إذا ما قام أحد الحكام الطغاة بإبادة بلدة أو قرية أو مدينة بأكملها وقام بهدمها على رؤوس من فيها؟؟ بالطبع لا، لم ولن يحدث هذا أبدا، بينما لو تعرضت مومس أو عاهرة أو راقصة أو شاذاً أو سحاقية للسخرية أو المعايرة أو الإهانة أو المضايقة أو الملاحقة قامت قيامة العلمانيين المصريين والعرب ونراهم يألمون ويتأوهون ويعوون وينبحون ويستهجنون تلك الأفعال الإجرامية، ثم يهرعون إلى تدبيج المقالات وتطريز الفلسفات وعقد الندوات وبث التغيردات التي تطالب بالرأفة والرحمة والشفقة مع المومسات والزناة والعاهرات والشواذ جنسيا، بالضبط كما يفعل العلماني "أحمد الطيب" "شيخ الأزهر" المختبئ بعلمانيته تحت عمامة الأزهر، هو وكل شيوخ السلطة العلمانيين في كافة الأقطار العربية والإسلامية، فحين تتسلل "نملة" إلى فرج مومس أو راقصة أو عاهرة وتسبب لها ازعاجا ثم تقوم الصحف المصرية والعربية الداعرة بنقل الخبر نرى العلماني "شيخ الأزهر" قد انتفض وانتصب من مخدعه وأصدر من فوره بيانا شديد اللهجة يتطاير منه التنديد والاستنكار يقول فيه: "الإسلام دين سماحة ووسطية واعتدال وينبذ النمل والتسلل". بينما لو قتل الحاكم الطاغية آلافاً من المصريين لما رف جفن للعلماني "شيخ الأزهر" بل ربما بارك ذلك وشرعنه.

فالعلمانية المصرية والعربية تعني: صمت العلماني المصري والعربي التام عن عمالة وخيانة الحاكم العربي لوطنه وشعبه طالما لم يتعرض ذلك الحاكم لنزواته وشهواته وانحرافاته وشذوذه.
العلمانية المصرية والعربية تعني: صمت العلماني المصري والعربي التام عن قهر الحكام الطغاة واستبدادهم وإجرامهم ونهبهم لأموال شعوبهم طالما لم يتعرض أولئك الحكام لنزواته وشهواته وانحرافاته وشذوذه.
العلمانية المصرية والعربية تعني: أن العاطل التافه أو السكير أو المنحرف أو الشاذ نفسيا وجنسيا يتحدث ويكتب في الفكر والسياسة والفلسفة والدين ويصبح نجماً لامعاً من نخبة المجتمع.
العلمانية المصرية والعربية تعني: أن المومس أو السحاقية أو العاهرة أو الراقصة تتحدث وتكتب في الفكر والسياسة والفلسفة والدين وتصبح نجمة لامعة من نخبة المجتمع.
العلمانية المصرية والعربية تعني: أن النصراني الطائفي العنصري المتطرف يسب الإسلام ليل نهار وإذا انتقد أحد عقيدته النصرانية تَزَمّر وتشنّج واتهمه بازدراء الأديان، ومع هذا فهو علماني بالفطرة.

فالعلماني المصري والعربي _إلا من رحم ربك_ هو كائن تافه ضال الفكر مشوه النفس ليست له قضية ولا رسالة ولا فكر وليست له مرجعية قيمية أو أخلاقية تذكر، وبرهانا على ذلك: هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو في أي بلد عربي عن علماني نذر نفسه للنضال من أجل مقاومة ومعاداة ومناوئة الأنظمة الديكتاتورية المستبدة؟؟ هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو في أي بلد عربي عن حزب أو حركة أو مجموعة علمانية ساهمت بأي لون من ألوان النضال ضد أي غازٍ أو محتل أجنبي لمصر أو لأي بلد عربي أو شارك في تحريره من المحتلين والمستعمرين؟؟ هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو في أي بلد عربي عن اعتقال او تعذيب او قتل الأجهزة الأمنية لعشرات او مئات أو آلاف من العلمانيين المعارضين لنظام الحكم؟؟ هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو في أي بلد عربي عن تأسيس حركة أو جماعة أو حزب من العلمانيين لمناهضة سرقة المال العام أو محاربة الفساد والرشوة والاختلاس في إدارات الدولة المختلفة؟؟ هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو في أي بلد عربي عن حزب أو حركة أو جماعة علمانية لمناهضة التعذيب والاعتقالات العشوائية وقتل واغتيال الأجهزة الأمنية لمئات وآلاف المعارضين؟؟ هل مر بأسماعنا من قبل في مصر أو أي بلد عربي عن جمعية أو مؤسسة أو حركة أو حزب علماني يهتم بقضايا الفقراء والمحتاجين وسكان المقابر والعشوائيات؟؟، مع العلم ومن الجدير بالذكر وفق آخر إحصائيات عام 2014 أن خمسة ملايين مصري يسكنون المقابر وهم أحياء لعدم وجود مساكن لهم، و17 مليون مصري يعيشون في عشوائيات لا تصلح لعيش البهائم والأنعام.

لكن بالطبع وبكل تأكيد قد مر بأسماعنا وأبصارنا مئات المرات في مصر والعالم العربي عن مئات الأفراد وعشرات الجمعيات والحركات والأحزاب العلمانية التي تقاتل وتجاهد دافعاً عن فروج المومسات والسحاقيات وأفخاذ وأثداء الراقصات والعاهرات ومؤخرات الشواذ جنسيا.

فالعلماني المصري والعربي ليست لديه أدنى جاذبية أو وجاهة يروج بها لشذوذه النفسي والفكري بين الناس، سوى جسد المرأة والجنس والشذوذ الجنسي، ولا نراه ينظر ولا يتحدث عن المرأة كإنسان إنما جل نظرته وجل حديثه عن المرأة كأنثى وجسد وفرج وجنس وليس كإنسان. فسلاح العلماني الوحيد في خطابه طوال عمره لا يخرج عن الحديث عن المرأة وفرج المرأة وفضائل ومستحبات ممارسة الجنس معها وحرية الشذوذ الجنسي، لاستقطاب الشواذ والساقطين والمرضى والمنحرفين من أمثاله، تحت دعاوى وشعارات سمجة تافهة مثله، فالعلماني يريد أن يقطع صلتك بالله كي تصبح عبداً لأهوائه هو ونزواته هو ورؤاه هو وشذوذه هو وعنصريته وطائفيته هو، أو في أحسن حالاته يتركك عبدا لأهوائك ونزواتك ورؤاك أنت، بلا ضابط ولا رابط من مبدأ أو قيم أو أخلاق، وفي هذه الحال يسهل اقتيادك وامتطاء ظهرك والسير بك إلى حيث يريد العلمانيون السكارى التافهون الضالون.

فهؤلاء العلمانيون المتسترون بالدين والإيمان لا هم لهم سوى صناعة إسلام جديد ترضى عنه "أمريكا وإسرائيل وأوروبا"، إسلام مسالم وديع طيب، مقلم الأظافر، منزوع الأنياب، "ماشي جنب الحيط" يُصْفَع على قفاه فيدير وجهه لمن صفعه ويقول له: "اضرب تاني"، إسلام يجرد الشعوب العربية والإسلامية من امتلاك أوطانهم، ومن امتلاك مقدراتها، ومن امتلاك إرادتهم السياسية والاقتصادية والحضارية، ويحل لأتباعه وأنصاره الشهوات الحيوانية والنزوات البهيمية، حتى تتحول منطقة العالم العربي والإسلامي في ظل هذا الإنحلال الشهواني البهيمي وفي ظل ذلك الإسلام المسالم الناعم الطيب، وفي ظل هذا التردي القيمي والعلمي والأخلاقي والاقتصادي والسياسي والثقافي والحضاري، وفي ظل هذا الفقر المدقع لملايين من أبناء شعوبنا، وفي ظل عصابات مسلحة تابعة للغرب تأتمر بأمره وتحكم هذه الشعوب بالحديد والنار، إلى حديقة حيوانات شاسعة في هيئة بشر.

العلمانيون المتسترون بالدين وطريقة: (بص العصفورة هناك):

العلمانيون المتسترون بالدين، ممن يطلق عليهم (مجددين ومصلحين وتنويريين وعقلانيين وقرءانيين)، هم من جنس العلمانيين الطغاة الفاسدين المجرمين الذي يحكمون بلدان العالم العربي والإسلامي منذ قرنين، هم من نفس تربتهم الخبيثة، ويحملون تلك النفوس المريضة الشائهة لحكامهم، لا يختلفون عنهم قيد أنملة، هم فقط يتبادلون الأدوار فيما بينهم، لتغييب وتضليل وتجهيل الشعوب عن عمد وترصد، فالحكام العلمانيون العسكريون الفاسدون، يظلمون ويطغون ويستبدون وينهبون ويفسدون في الأرض ويحكمون الشعوب بالحديد والنار ويجثمون على صدور الناس لعقود طويلة ثم نرى العلمانيين المتسترين بالدين الذين يطلق عليهم: (إصلاحيين وتنويريين وقرءانيين وعقلانيين ومفكرين وباحثين)، يتعامون ويتغافلون عمدا ومع سبق الإصرار والترصد عن هذا الحضيض وهذا المستنفع السياسي والأخلاقي والاقتصادي والحضاري والصناعي والزراعي والفني والثقافي والتعليمي الذي أوصلنا إليه حكامهم العلمانيون العسكريون والطائفيون والقبليون الطغاة، ولا يرون البؤس والفقر والأمية والانهيار الإنساني والقيمي والإعلامي الذي أوصلنا له أولئك الطغاة، لكن كل ما يراه العلمانيون ويزعجهم ويقض مضاجعهم هو: (حجاب المرأة، جسد المرأة، مؤخرة المرأة، فرج المرأة، ختان المرأة، غشاء بكارة المرأة، مضاجعة المرأة، مايوه المرأة، شعر المرأة، حد الردة، رجم الزاني، أحاديث البخاري، كتب التراث، أقوال الفقهاء)، والآن تطوروا وتقدموا بعض الشيء فأخذوا يتحدثون عن "ختان الرجل"، هذه هي الأشياء التي يراها العلمانيون الأفاكون التافهون سببا في انتشار الفقر والجهل والاستبداد والطغيان والفساد والعمالة والتبعية في بلداننا، وهي التي جعلت الملايين من الفقراء يسكنون المقابر والعشوائيات وعشش الصفيح، وهي التي تقف وراء التخلف السياسي والاقتصادي والإداري والتعليمي بين شعوبنا.

إن العلمانيين المتسترين بالدين والفكر الديني لا يجدون في أنفسهم أدنى غضاضة وهم يتجردون من آدميتهم وينزعون عن وجوههم سترة الحياء في تدليسهم ومراوغتهم ومكرهم بوعي الناس وقناعاتهم، فنراهم يروجون أن أسباب انحطاط بلداننا هو الدين والتراث الديني، مع أن حقائق الواقع ونتائجه البادية لكل ذي عينين، تقول أننا منذ قرنين من الزمان ونحن نلج في مستنقع العلمانية القذر، العلمانية في السياسة في التعليم في الفن في الإعلام في الفكر في الثقافة، منذ عهد العلماني الهالك "محمد علي باشا"، فمنذ أقام الطاغية العلماني "محمد علي باشا" الدولة العلمانية في مصر، وانتشر وباؤها فيما بعد إلى كل الدول العربية والإسلامية، نرى أن كل ما استطاع العلمانيون الأشاوس أن يجاهدوا ويناضلوا فيه منذ قرنين من الزمان وحتى هذه اللحظة هو نزع حجاب المرأة والمناداة بحرية المرأة، فلا المرأة نزعت حجابها ولا هي نالت حقوقها وكرامتها.

وكذلك من الإنجازات الإعجازية للعلمانيين خلال القرنيين الماضيين أنهم مازالوا حتى يوم الناس هذا يبحثون عن الأخطاء والتجاوزات والتناقضات من الأقوال والأفعال والممارسات في كتب التراث الإسلامي، التي لم ينج منها تراث أمة واحدة من أمم الأرض، وحين تأتي لهم بشيء مماثل لما في كتب التراث والأحاديث ومثله في القرءان يراوغون ويأولون ويحرفون نصوص القرءان كي تتوافق وأهواءهم وشهواتهم، وطوال الوقت يحدثوننا عن أن كهنة الدين ومشايخ الدين وفقهاء الدين هم سبب تأخر وتخلف الشعوب العربية والإسلامية، وكأن من يحكمون الشعوب العربية والإسلامية منذ قرنين ماضيين هم أعضاء "تنظيم القاعدة" أو أعضاء جماعة "داعش" وليس أنظمة علمانية لادينية عسكرية أو عائلية أو طائفية صنعها المستعمر الغربي ليكونوا بديلا له في احتلال بلداننا وشعوبنا وقمعنا وسد جميع السبل أمام تقدمنا وتطورنا وامتلاك أوطاننا وإرادتنا ومقدراتنا.

وحتى لا يتهمني أحدهم بالتجني على العلمانيين المتسترين بالدين والإيمان سأكتفي هنا بنقل مقولة واحدة تافهة من مئات المقولات الهرائية التافهة التي تترد كل لحظة وكل ثانية في كتابات العلمانيين التي يرجعون فيها أسباب انحدارنا على كافة المستويات إلى فقهاء الدين وكهنة الدين وشيوخ الدين، يقول أحد العلمانيين المتسترين بالدين: (عندما نريد بناء مستشفى أو مدرسة نأتي بمهندس حاذق وبنائين مهرة وعندما نريد معالجة شخص مريض نأخذه إلى طبيب حاذق ولكن عندما نريد أن نبني دولة متقدمة فتجد قومي يستقدمون شيخ قبيلة مهرطق وحاشية من كهنة المعابد لتعليم الناس فضيلة النهضة !!!!!!). انتهى

هل مثل هذه التفاهة ومثل هذا الهراء والخرف يستحق الرد؟؟، أم يحتاج إلى القبض على قائله واحتجازه في مصحة نفسية لعلاجه؟؟، أم يحتاج إلى توجيه سؤال جاد لهذا العلماني إن كان لديه أدنى درجة من الوعي والفهم، ألا وهو: في أي بلد عربي أو إسلامي منذ بعثة النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام وحتى يوم الناس هذا تم استدعاء شيخ أو خطيب مسجد أو داعية ديني أو فقيه لبناء مدرسة أو بناء مستشفى أو إجراء جراحة لمريض أو لإنشاء جسور وكباري أو رصف طرق أو تشييد مصانع وبناء دولة؟؟!!.
أرأيتم كيف يدلس علينا ويخدعنا ويمكر بنا الذين تعلمنوا.

هذه هي المهمة القذرة المشبوهة للعلمانيين المصريين والعرب، الذين يمكرون بالليل والنهار لاستحمار وإلهاء الشعوب العربية بقضايا وموضوعات سفيهة تافهة عن حرية المرأة وحجاب المرأة وعن الجنس وإصلاح الفكر الديني وتنقية التراث الديني ورجم الزاني وقتل المرتد، وكأن جميع مشاكل وآلام وعوائق الشعوب العربية توقفت تماما وتنتظر فقط إصلاح الفكر الديني وتنقية التراث الديني، مع العلم أن من يحكمون ويتحكمون في مصائر الشعوب العربية والإسلامية منذ عشرات السنين هم مجموعة من العلمانيين اللاديينين العسكريين الفاسدين المجرمين الطغاة، الذين لا يعرفون من الدين إلا اسمه ولا من القرءان إلا رسمه وربما معظمهم لم يدخل يوما مسجدا ولم يسجد لله سجدة، والذين صنعهم وصنع جيوشهم الغرب الاستعماري. إن الذين يتحدثون عن إصلاح الفكر الديني وتنقية التراث الديني ويجعلونها هي القضية العاجلة والملحة الآن ما هم إلا أدوات شيطانية -من حيث يدرون أو لا يدرون- في يد الحكام العسكريين الطغاة صنيعة الغرب وعملاؤه، فهم وجهان لعملة واحدة، وجه يقمع الشعوب ويسرق أقواتها ويدوس على رقابها والوجه الآخر يقوم بإلهاء واستحمار الشعوب العربية وإغراقها في موضوعات وقضايا دينية وفكرية جدلية تافهة حول إصلاح الفكر الديني وتنقية التراث الديني، على طريقة: (بص العصفورة هناك).

إن "العلمانية" و"الإلحاد" و"اللادينية" و"الليبرالية" و"الديمقراطية" وغيرها من الشعارات ما هي إلا هراء من الأفكار الشيطانية التي صنعها الغرب الاستعماري العنصري المجرم وصدرها إلينا، كي يضلل ويلهي بها الدول الفقيرة والشعوب المعدمة المستضعفة ويغرقها في جدالات ونقاشات بيزنطية لا نهاية لها، ومن ثم يستحمرها ويجردها من ذواتها وأوطانها ومقدراتها واستقلالها وإرادتها، ويعمل على إذلالها وقهرها وإخضاعها لخدمة ورعاية مصالح الرجل الغربي الأبيض ولعق حذائه تحت دعاوى جدلية فكرية هرائية تسمى: "العلمانية" و"الإلحاد" و"اللادينية" و"الليبرالية" و"الديمقراطية". ومن يقول إن العلمانية هي فلسفة فكرية تقوم على العلم والعقل والنقد، فليراجع تاريخ البشر من جديد وبتدقيق وتمحيص، فهو لا يدري أن الدين عبر التاريخ البشري كله هو الذي علم الإنسان العلم والفكر والنقد وهو الذي دل الإنسان على الخير والقيم والأخلاق وعلمه السياسة وعلمه كيف ينشئ أمة وكيف يقيم دولة.

ثم لماذا نرى العلمانيين وأدعياء الإصلاح والتنوير لا يحدثوننا إلا في التاريخ الإسلامي القديم وأخطاء كتب التراث فحسب؟؟. ولا ينبس أحد منهم ببنت شفه عن التاريخ الحديث وتحديدا منذ عهد "محمد علي باشا" وحتى الآن؟!!.

أنا أدري لماذا يخرسون ويتكتمون عن الحديث في هذه الحقبة التاريخية تحديدا؟!!

لأن هذه الحقبة التاريخية الحديثة هي حقبة انتشار العلمانية المصرية والعربية أو حقبة قيام دولة العلمانيين في مصر والعالم العربي، ومن يقوم بجولة خاطفة في التاريخ الحديث منذ عهد "محمد علي باشا" وحتى يومنا هذا سيكتشف أن تاريخ العلمانيين المصريين والعرب تاريخا أسودا مخزيا ومخجلا، وسيجد أنه تاريخ جلب لأوطاننا العار والشنار والتبعية والاحتلال والاستعمار للمنطقة العربية والإسلامية، لهذا لا نجدهم قط يتحدثون عن هذه الحقبة التاريخية، إذ التقليب في التاريخ الحديث للمنطقة العربية سيعري العلمانيين المصريين والعرب ويخزيهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد، بل سيفاجأ المطالع للتاريخ الحديث بأن كل مظاهر الحضارة والمعمار في مصر والعالم العربي من شق ترع وحفر قنوات وإنشاء خطوط سكك حديدية وإنشاء جيوش وبناء قناطر وكباري وجسور وتشييد قصور ومباني حديثة وتعبيد طرق، كل هذه المظاهر الحضارية التي يتغنى بها العلمانيون المصريون والعرب هي في الأصل من صناعة المحتل الأجنبي، ولا دخل للعلمانيين من الحكام والجيوش والنخب المثقفة المصرية والعربية في هذا من قريب أو بعيد، بل اقتصر دور العلمانيين من الحكام وقادة الجيوش والنخب على تقديم الخدمات الترفيهية والترويحية للجنود الأجانب وحماية الجيوش المحتلة من ثورات الشعوب، لهذا نراهم يأخذوننا بعيدا عن التاريخ الحديث والمعاصر ويشوشون علينا ليلهوننا ويغرقوننا في الماضي البعيد حتى لا نكتشف سوءاتهم وخزيهم وعارهم وعمالتهم وخيانتهم لأوطانهم.

(للحديث بقية في الجزء الرابع: "العلمانية الدينية الكهنوتية التسلطية").

نهرو طنطاوي
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر
مصر _ أسيوط
موبايل : 01064355385 _ 002
إيميل: [email protected]
فيس بوك: https://www.facebook.com/nehro.tantawi.7
مقالات وكتابات _ نهرو طنطاوي:
https://www.facebook.com/pages/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%87%D8%B1%D9%88-%D8%B7%D9%86%D8%B7%D8%A7%D9%88%D9%8A/311926502258563



#نهرو_عبد_الصبور_طنطاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب – الجزء الثاني
- نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب – الجزء الأول
- (مسيحيون أم نصارى)؟ حوار رمضاني مع الأستاذ (أسعد أسعد)
- نبضة قلب في حياة ميتة
- لماذا توقفت عن كتابة مقالي اليومي في (روزاليوسف)؟
- (الإلحاد) هو الابن الشرعي للعقائد المسيحية
- (ليندي انغلاند) (أنجلينا جولي): يد تبطش والأخرى تداوي وتطبطب
- الفرق بين الإنسان الواقعي والإنسان الافتراضي
- الفرق بين -حقائق الأشياء- و-زخرف الكلمات- و-عوالمنا الخاصة-:
- آخر الهوامش: هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 ي ...
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (26)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (25)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (24)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (23)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (22)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (21)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (20)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (19)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (18)
- هوامش يومية على جدران الثورة المصرية -ثورة 25 يناير- (17)


المزيد.....




- الفلسطينيون يؤدون صلاة الفجر في المسجد الاقصى المبارك
- سيف الإسلام القذافي يطلق مبادرة لإنهاء الأزمة في ليبيا
- ليبيا.. سيف الإسلام القذافي يطرح مبادرة سياسية لحل الانسداد ...
- المحرقة النازية: كيف يمكن تفسير عدم ترحيل نظام -فيشي- ثلاثة ...
- النيابة الجزائرية تطلب 10سنوات سجن لجنرال متقاعد بتهمة المسا ...
- إحياء ذكرى -الهولوكوست- في إكسبو دبي.. ووزير إسرائيلي: اليهو ...
- إحياء ذكرى -الهولوكوست- في إكسبو دبي.. ووزير إسرائيلي: اليهو ...
- في الذكرى الـ30 لأشهر ندوة بمعرض الكتاب.. كواليس المناظرة ال ...
- ملك البحرين يتلقى رسالة خطية من البابا فرانسيس الثاني
- حرس الثورة الاسلامية يعلن ان هدف المناورات هو تعزيز وتحسين ا ...


المزيد.....

- كتاب صُنِع في الجحيم (1) / ناصر بن رجب
- ( ضعف البشر في رؤية قرآنية ) : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- رمزية الدائرة في المعتقدات الدينية القديمة / صباح كنجي
- ( ضعف البشر فى رؤية قرآنية ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- فصل من كتاب الإرادة الحرة بين العلم والدين / جواد بشارة
- تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة / احمد رباص
- القرآن ككتاب مقدس / ارثر جفري
- فروقات المصاحف مصحف ابن مسعود 2 / نبيل فياض
- فروقات المصاحف مصحف أبي بن كعب 3 / نبيل فياض
- فروقات المصاحف مصحف علي بن ابي طالب 4 / نبيل فياض


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - نقد العلمانية والعلمانيين المصريين والعرب – الجزء الثالث