أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - على المحلاوى - وفاء البقر وغدر البشر















المزيد.....

وفاء البقر وغدر البشر


على المحلاوى

الحوار المتمدن-العدد: 4456 - 2014 / 5 / 17 - 18:39
المحور: المجتمع المدني
    


وفاء البقر وغدر البشر
المكان ـ ـ ـ ـ ـ إحدى القرى التابعة لمركز المحلة الكبرى بقلب دلتا مصر
الزمان ـ ـ ـ ـ ـ شهر رمضان الفائت
(تنبيه جميع ما سيرد ذكرة من أحداث قد وقعت بالفعل ولا يوجد بها اى قدر من المبالغة)

شاءت الأقدار ولأسباب كثيرة ونظرا لأنى أسكن بقرية النشاط الغالب لسكانها هو الفلاحة بعد تخرجى من الجامعة عملت فى مهنة تربية الأبقار ، وكان من ضمن أسباب اختيارها أنها تتيح الوقت لإكمال مسيرة التعليم ما بعد الجامعى وتعطينى مجال للقراءة والاطلاع ، وهذا ما كان
واكتشفت رويدا رويدا أن عالم الحيوان عالم كبير، و تحولت هذه الأعمال من مهنه أقوم بها الى هواية أحبها
ووجت فى طباع هذه الأبقار ما جعلنى أفكر هل البشر فعلا عقلاء ومن قال أننا فعلا أعقل الكائنات ، ما جعلنى أطرح هذا السؤال حكايتى مع إحدى الأبقار
ولدت وتربت هذه البقرة لدى وكانت منذ صغرها بها قدر من التمرد الشديد والعنف يساعدها على هذا ما كان لديها من قرون حادة كقرون الثور ، ومن صفاتها حبها للزعامة بين بنى جنسها ، فاذا تأخر موعد الغذاء وقفت عند الباب وأخذت (بالنعير) وأخذت الأخريات بالترديد ورائها فيحدثوا ضجيجا وأصواتا مزعجة يجعلنى أنتبه وأسرع بإحضار وجبه الغذاء لإسكات هذا الاحتجاج ، ماسحا بيدى على أجسادهم كتعبير عن الاعتذار ، فيسعدن بذلك إلا زعيمة الأبقار فى حالة تأخر الميعاد وكنوع من رفض الاعتذار ، فإذا اقتربت منها تحمر عينها وتأخذ بضرب الأرض بأرجلها وفى ذلك انذار الى للابتعاد فأؤثر السلامة وأقرر عدم الاقتراب منها وإثارة غضبها وتركها حتى يرق القلب وتصفو النفس فيكون الصفح
فبعد سد جوعهم يأخذون بللعب والجرى وراء بعضهم ، وكم دعونى لمشاركتهم ألعابهم وعن طريق الالتفاف حولى وإيهامى بحركة كاذبة بأنهم موشيكن على نطحى وطرحى أرضا ولكنهم ولوفائهم يطرحونى أرضا فى حنان ، وإذا كانت تلك البقرة راضية عنى تأخذ بلعق جسمى بلسانها من شعرى حتى أطراف قدمى كرمز للوفاء والامتنان ، فتحذو حذوها الأخريات وأنا فى سعادة غامرة

لم أستعمل العصا فى تأديبهم قط حتى فى حلات الثورة والهياج لم تتطاول يدى عليهم ولو مرة واحدة ، ومنبع هذا الفعل فكرة كانت ولازالت تراودنى الى الأن ، وهى وجود إحدى الديانات تؤمن بتناسخ الأرواح ، فكنت أتساءل ماذا لو صدقت تلك الديانة ، وماذا لو كانت تلك الأبقار فى الماضى كانت بشرا ثم إنتقلت روحهم بعد الوفاة وعادت فى صورة أبقار، وكم قضيت الساعات الطوال وأنا أنظر بعيونهم محاولا الوصول الى معرفة ماذا يفكرون فلعلهم يحاولون اخبارى أننا كنا مثلك فى أحد الأيام ، ويمكن أن تكون مثلنا بمقبل الأيام ، أو لعلى قبل أن أصبح بشرا ومتحكما فيهم كنت مثلهم بغابر الزمان ، واحتراما لهم ولأننا ننتمى لأسرة واحدة هى بنى الحيوان لم تطاوعنى نفسى ابدا أن أمسك لهم كرباك ، ولقد حفظوا هذا الجميل وتجلى هذا بهذا الموقف الطريف

فبعد كبر الملقبة بزعيمة الابقار وحملها جاء موعد المخاض ، ولأنها أول ولادة لها فكانت عثيرة أستعنت ببعض الجيران ، ولأنها أول مرة لها ترى بشرا غرباء ، بمجرد أن وضعت مولودها تحركت بداخلها غريزة الامومة وحماية صغيرها من هؤلاء الغرباء انتابتها حالة من الهياج والغضب الشديد لم أرى مثلها عليها من قبل ، كانت عينها شديدة الاحمرار ونفثت الهواء بالارض من الغضب بصوت يوقع الرعب بالألباب ، ثم دبت الأرض برجليها وكان الانفجار ، فأخذت تجرى وراء الغرباء فى كل مكان بمحاولة للنيل منهم والقضاء عليهم ، فإذا طالت أحدهم أشبعته نطحا وركلا ولم تتركه إلا وهو مثخن الجراح ثم انتقلت الى الأخر بسرعة وخفه تخطف العقول ويعجز الشخص عن الحراك ، ونتيجة هذا الخطر ولأنها استولت على المنطقة المؤدية الى باب النجاة ، كان الضعيف يسبق القوى لتسلق الاسوار للفرار ، ولم يبق أحد بالمكان ألا أنا لا عن شجاعة ولكن من شدة الخوف فلم تساعدنى قدماى على الفرار فاستسلمت للأقدار ، فكان أن رأتنى فاستدارت مسرعة مشرعة قرونها عازمة على الفتك وفى أخر لحظة وقرونها تكاد تلامس وجهى فجأة توقفت ، وكأن وعيها قد عاد فتغلبت على غريزتها لحماية الصغير ولم يطاوعها قلبها لألحاق الاذى بى وتسمرت بمكانها شاخصة فى عينى فقرأت ما بها من الخوف فأخذت بلعق ملابسى بمحاولة لتهدئتى ثم عادت لصغيرها لاعقه لتنظيفه ، وسمحت لى بالاقتراب منة للتأكد من سلامته ،و الابقار والغرباء من خلف الاسوار يراقبون ما يحدث باستغراب ، وعند وقوف المولود بسلام فرح الجميع واخزت الابقار بالصياح
ومرت الأيام ولم تكن تسمح لاى أنسان بحلبها إلا صاحبها الذى أحست معه بالأمان وظنت فيه الوفاء ، فكم حاول الاخرون تقيدها وتجويعها كعقاب فيكون جزائهم الركل أو كسر الإناء ، فإن عجزت أمتنعت تماما عن الإدرار حتى ولو تورمت (ضرتها) من تخزين اللبن بها تنتظر الى أن يأتى صديقها (الوفى) فينزل اللبن مدرارا بمجرد لمسها

ولكم أن تتخيلوا مقدار إحساسهم بالأمان معى من أنهم كانوا يمتنعون عن شرب الماء حتى ولو كانوا عطشى إذا قدم من يد أحد الغرباء ، فهنا لا أمان ولا ثقه بهذا الماء ، فلابد أن يقدم من يد صاحبهم ومن يرون فيه الوفاء ، ولهم الحق بهذا فهم يشاهدوا بأم أعينهم صاحبهم يظل ساهرا إذا مرضت أحداهم بجانبها حتى تسترد عافيتها ويتحقق الشفاء ، وكنت أرى فى عيونهم وحركتهم التقدير والعرفان
وأستمر الحال على هذا المنوال ، ولكن دوام الحال كما يقال من المحال ، ولا تأمن لغدر الأيام ، مرت علي ضائقة مالية واشتد الخناق واصبح لا فكاك إلا ببيع بعض الأبقار ، وجاء احد المشتريين من اهل قريتى ليشترى بقرة لذبحها وإطعام الصائمين (كما يدعى ) تقربا الى الله
ووقع اختياره وللأسف الشديد على زعيمة الأبقار ، فى البداية رفضت وشرحت له الأسباب ، فشرح هو ان هذه الابقار تربى بغرض الذبح مهما طال العمر او قصر ، فوجدتنى أصرخ فيه ان هذا حرام فقابل هذا بضحكة عالية وقال يبدو أن كثرة القراءة تفسد العقول كيف يكون حرام والله من حلل لنا هذا كما نصت عليه كل الأديان ن وإزاء رفضى زاد عناده وزاد بالمال وأخرج رزمه البنكنوت فتوقف لسانى عن الكلام ، وبعد برهه نظر الى فوجدت لسانى يقول متى تأتى لأخذها فانفرجت أساريره وأحس بالانتصار فقال موعد الذبح غدا
أقسم لكم فى هذا اليوم كانت نظرة تلك البقرة الى نظرة حزن وعتاب ، وأخذت طوال تلك الليلة الأخيرة لها تلعق أبنها وتتمسح فى باقى الأبقار وتجول ببصرها فى أرجاء المكان وكأنها تلقى علية نظرة الوداع ، وتأتى الى وتضع رأسها بين يدى ولا أعلم هل كانت تودعنى أم ترجونى لأبقى على حيتها ، ولحزنها امتنعت تلك الليلة عن الطعام
أما أنا فقضيت تلك الليلة لا يعرف النوم الى عينى طريق
وفى الصباح حضر المشترى ، فتجمعت وألتفت حولها الأبقار فى منظر وداع ، ونظرت الى وعندما لم تجد منى رجاء استسلمت للغرباء ، ولأول مرة يوضع الحبل حول قرونها بدون تمرد منها او احتجاج ، وكأنها رضخت لمصيرها المحتوم وخرجت وراء المشترى من المكان وسط صياح ونداء ابنها وباقى الابقار ، وخرجت ورائها وأنا أحس انى أمشى بجنازة أحد الاعزاء ، وأحاول أن أخفى حزنى وإحساس الخزى الذى يتملكنى أمام الغرباء وحتى أظهر بمظهر من يطلق عليهم الرجال
وتم ربطها بإحدى العربات تجرها الخيول ولكنها وكأنها قررت عدم الاستسلام رفضت ان تبرح المكان ، فما كان من المشترى ألا ان هوا عليها بعصاه من الخيزران وكانت أول عصاة تنزل عليها بحياتها ، ولأنها من الاحرار فقد أوسعته ركلا وتعدى الامر هذا فقامت بقلب العربة المربوطة بها وجرى المحيطون حولها من المكان ، وعبثا حاولوا جرها لتوصيلها لمنزل المشترى دون جدوى
فطلبت منهم أن يذهبوا لبيوتهم ويتركوا المكان ، فمسحت على جسدها والمسكينة كانت لا تزال تظن فى الخير وأنى فككت حبلها من العربة لأستردها وأعيدها الى باقى الأبقار ، ففرحت وأخذت تتحسس جسدى فى لفتة تنم عن الفرحة والرضا وأنها قد سامحتنى على ما فات ، وأخذت أسير ممسكا بحبلها شاعرا بالخزى وهى ورائى تسابقنى الخطى متشوقة للقاء ابنها واثقة فى صاحبها مصدر الامان ، وفى نهاية المسير وجدت نفسها أمام باب مكان لم تتعود علية فتوقفت ونظرت فى عينى وكانها تقول انا اثق فيك فل تغدر بى فمسحت على شعرها ، فدخلت ورائى هذا المكان

لتكتشف المسكينة أن هذا بيت المشترى ، وتفاجأ بخروج الجزارين مشهرين السكاكين والحبال ، وتكتشف أن صاحبها الوفى ومصدر الأمان هو من غدر بها وأخذها الى الهلاك ، فنظرت فى عينى وهم يقيدونها تمهيدا للذبح ووجدت الدموع تسقط من عينها لتنساب على خدودها زخات ، ووقفت لتلقى حدفها فى استسلام ، فلمعت السكين وفى لحظة حذت الرقاب فسالت الدماء وهى ناظرة الى بعينها حتى خرجت الروح وغمضت العيون وتوقف الدمع عن بلل الخدود ، وعند ذلك انتحيت جانبا وأخذت بالبكاء
ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
(1) خالص الاعتذار لما بدر منى بحق تلك البقرة وغيرها من الأبقار
(2) خالص التقدير والاحترام للنباتيين بكل مكان
(3) نداء لكل من يتعامل مع الحيوان سواء فى المزارع أو المجازر أرجوكم الرفق والرحمة بالحيوان
(4) الى كل البشر أتمنى أن يهبكم الخالق عقول البشر ووفاء البقر






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللهم بلغت اللهم فاشهد
- هذه بضاعتكم ردت إليكم
- عندما تتحول الأحكام القضائية لرسائل سياسية
- يوم أسود من أيام الإنقلاب
- ماذا تغير بعد الانقلاب ؟
- المتاجرة بالأمل
- لا تتعجب فنحن فى زمن العسكر
- من المضحكات المبكيات
- الرد على مقال (كارثة العروبة على مصر )
- لا تنزع هذا الثوب
- هل حلال لكم حرام لهم ؟؟ (2)
- هل حلال لكم حرام لهم (1)
- آهات -بهية-
- بكرة تشوفو مصر
- هل فعلا بالدستور العجلة تدور


المزيد.....




- الأمم المتحدة تتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5.4? في 2021 ...
- المحكمة الجنائية الدولية تعرب عن قلقها من -الجرائم- المرت ...
- المحكمة الجنائية الدولية تعرب عن قلقها من -الجرائم- المرت ...
- حقوق الإنسان تحدد طريقة تسمح للحكومة العراقية طلب تعويضات دو ...
- المحكمة الجنائية الدولية قلقة إزاء جرائم حرب محتملة وسط التص ...
- الإفراج في ليبيا عن دفعة جديدة من الأسرى بين طرفي النزاع في ...
- الإعلام الفلسطيني: إصابة 5 شبان فلسطينيين في جنين بينهم طفل ...
- مصر.. عاصفة غضب بوجه البابا إثر إعدام الحكومة -الراهب المشلو ...
- القانونية النيابية: حصر السلاح خطوة مهمة لمكافحة الفساد
- الأمين العام للأمم المتحدة يطالب بوقف الاعتداء الإسرائيلي عل ...


المزيد.....

- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - على المحلاوى - وفاء البقر وغدر البشر