أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل الثاني / 5















المزيد.....

تاجرُ موغادور: الفصل الثاني / 5


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 4450 - 2014 / 5 / 11 - 13:22
المحور: الادب والفن
    


الظهيرة، هيَ ميقات الراحة في المدينة الإسلامية، فما بالك واليوم جمعة.
إلا أنّ " جانكو "، من جهته، كان لا يكاد يشعر بالوقت، هناك في بيت الرابي اليهوديّ. حتى صوت المؤذن، المنطلق مذ بعض الحين من مسجد القصبة، لم يحرّك في تاجرنا همّته المعتادة في أداء فرض صلاة الجماعة. المُشْكِل، مثلما فكّرَ هوَ عندئذٍ، ما كان في التغرّب بقدَر ما في قدرته على النكوص بخفة عن العادات والفرائض.
خِلَلَ الأقواس الثلاثة للبهو، المطلة على صحن المنزل، كان يمكن للضيف معاينة منظرٍ وافر من الجنينة المنمنمة، المونقة بأشجارها وتعاريشها وخمائلها. بيْدَ أنّ ما لفت نظره للفور، هوَ ذلك البرج الجبّار، المُربّع العمارة، الذي يتوسّط الباحة الدائرية للحديقة: كان بعلو عشرين ذراعاً تقريباً، مبنياً من الحجر الرماديّ. وحسبما تراءى لعينيّ " جانكو "، فإنّ كلاً من جانبيّ البرج فيه فتحات دقيقة، طولانية، تعلوها ثلاثة نوافذ منحوتة يحدّها من فوقها وتحتها نقيشة على شكل حراشف السمك، تحتضن بدَورها كتابة بأحرف مفضضة، عبريّة. قمّة البرج، تبدأ بإفريز مزدوج، خشبيّ بلون القار ثمّ آخر حجريّ بلون البناء الرماديّ نفسه، يتوسطهما شريط مزخرفٌ بمربعات بارزة. الشراقات الأربع، المتوّجة رأس البرج، كان لا بد أن تضفي عليه شكلَ الحصن البحريّ؛ أو " السقالة " في الدارجة المحليّة. أما أغراس النخل، القصيرة الجذوع، فعليها كان أن تحظى بمهمة الدلالة على حداثة عهد الدار. في المقابل، كانت أشجار الحمضيات تتألق بثمارها وخضرة أوراقها، جنباً لجنب مع أشجار الزيتون، الخالدة الخضرة، والتي هطلت بعض ثمارها على الأرض بفعل هزات الريح الشتويّة.
" ولكن، أيّ شتاء هنا؛ وهيَ ذي الظهيرة تنتحلُ صِفَة الهاجرة..؟ "
تساءل تاجرنا الدمشقيّ في سرّه، فيما كان يفكّر أيضاً بما ينبسط أمام العين من مناظر الجنينة الجميلة، المزدهرة ولا ريب بفضل قرص الشمس الربانيّ، المُأطر بالسماء الصاغية، والسخيّة في منح الألوان الزاهية. هذه الألوان، كانت تشتعل هنا في المنزل؛ في أحواض حديقته، الضيّقة، المطوِّقة باحة البرج، والتي تتزاحم فيها خمائل البوكسيا والخبازى والياسمين الافرنجي؛ في المماشي المفضية إلى الباحة نفسها، المسوَّرة بخمائل تاج النار والرمان. وربما أنّ أعجبَ الألوان، تلك المشكوكة في ثغور تعريشةٍ غريبة، تهيمن تماماً على شجرة زيتون كبيرة. " هيَ البوغنفيا؛ العارشة الشهيرة، المجلوبة من عالم الغرب الجديد، المكتشف من لدن الأسبان. هذه، بما أنها مشكّلة من ألوان متعددة ـ كالبنفسجي والروز والبرتقالي والأحمر والأصفر والأبيض ـ فقد أشكِلَ عليك صفتها على ما أعتقد، فظننتَ أنها عارشة واحدة، مسحورة. ولكنها، للحق، لا تخلو من السحر؛ طالما أنّ أوراقها هيَ من تتلوّن بتأثير حرارة الشمس، بينما أزاهيرها دقيقة للغاية وبلون وحيد، أبيض "، قال الرابي مجيباً على إشارة استفهام من ضيفه. إذ ذاك، أدرك " جانكو " أنّ المُضيفَ يقصدُ العارشة الرائعة، المعروفة في الشام باسم " المَجنونة " والتي، في المقابل، ليسَ لها هناك في موطنه سوى نوعين فقط؛ بنفسجيّ وزهريّ.
" قد تجد العمارة هنا، في أفريقية، مُغايرة لما عهدته لديكم في المَشرق؟ "
اتجه الرابي بهذا السؤال إلى ضيفه. ثمّ استطردَ قائلاً بطريقة المعلّم، التي يُجيدها: " فاعلم إذاً، أنّ كون واجهات البناء، الأربع، تتقابل مع نوافذها في صحن الدار، إنما هوَ أسلوبٌ مُجرّب، ناجعٌ، للحدّ من تأثير لهيب الشمس، المُستعرّ في معظم فصول السنة "
" كأني بهذه البلاد تحظى بفصول ثلاثة، إذا ما حذفنا الشتاءَ؟ "
" ربما هيَ كذلك. مثلما أنّ لديها عواصم ثلاث؛ مراكش وفاس ومكناس، تتناوبُ على استضافة السلطان العلويّ خلال العام "، أجابَ الرابي. ثمّ ارتسمت بسمة على فمه، هازئة، تَعِدُ بإحدى لواذعه المألوفة: " إنما هكذا احتياط، بالنسبة لعمارة المنازل، لا يعدو عن كونه عبثاً في مدينةٍ كموغادور، تشتهرُ بطقسها المعتدل شتاءً وصيفاً على حدّ سواء. ولكن المرءَ، المُطلع على تركيبة سكان المدينة، قد يجدُ عذراً لهؤلاء؛ كون أغلبهم هم أحفاد رجال القبائل، الذين أجبرهم السلطان سيدي محمد على الاستيطان فيها على أثر تأسيس المرسى "
" أتعني أن تلك، كانت قبائل تعيش أصلاً في أماكن أخرى، بعيدة عن موغادور؟ "
" أجل، بالإضافة طبعاً لعدد كبير من ساكني الحضر؛ مثل فاس ومكناس ومراكش وأغادير وغيرها. ثمّ لجأ ذلك السلطان، المؤسس، إلى إغراء يهود مملكته على الانتقال أيضاً إلى هذه المدينة، وخصوصاً التجار منهم "، قالها الرابي دونما أن تغيب ابتسامته الساخرة. وعاد الضيف للتساؤل " كيف يمكن انتزاع الانسان من أرضه، مهما كانت الأسباب الموجبة؟ ". فأجابَ المُضيف " ولكنّ ذلك، على أيّ حال، لم يتم بسهولة كما يمكن أن تتصوّر. إذ اعتادت القبائل على التمرّد، سواءً كردّ فعل على معاقبتها بالتهجير من أرض الأسلاف أو شعوراً منها بالتظلم جراء فرض النكص على أفرادها "
" النكص..؟ "
" هوَ التعبيرُ المحليّ الدارج لمفردة المكس، العربية، والتي جمعها مكوس "، شرَحَ الرابي ثمّ استطرد القول " كما أنّ تجارة هذه القبائل، التي تصل للمراسي بغية التصدير للخارج، تخضع بدورها للرسوم أمام أبواب الأسوار في موغادور وغيرها من المدن "
" الحالُ مشابهٌ، ثمّة في دولتنا العثمانية. إلا أنّ ما يُلفت النظرَ هنا، هوَ غلبة العنصر القبليّ على الحضريّ "
" تماماً. فعلى الرغم من اتساع المدن المغربية، فإنّ الكثير من ساكنيها هم من القبائل المهاجرة والتي يستبدّ بها الحنين أو الإملاق، فتعبّر عن ذلك بالالتماس من المخزن المركزيّ أو بالتمرد الصريح، للضغط عليه بغية إعادتهم للموطن الأول "
" وأيّ شيء هذا؛ المخزن المركزيّ؟ "
" إنه حكومة البلاد، المؤلفة من عددٍ من الأعيان، الذين يشرفون على ما يشبه الوزارات ويرأسهم الصدر الأعظم. ولكن، بسبب طبيعة المجتمع القبلية، فإنّ هؤلاء يعرفون حاجات البلد ومشاكلها أقلّ مما يعرفه زعماء القبائل وحتى شيوخ أفخاذها، الثانوية. الواقع، أنّ أيّ زعيم قبليّ هوَ في مركز السلطة، الفعلية والمؤثرة، أكثر من أولئك الوزراء. وهذا، في التالي، ما يدركه جيداً السلاطين؛ لدرجة أنّ التقليدَ يقضي بمصاهرتهم لبعض القبائل القوية كي يُضمن ولاءها أو نجدتها خلال النفير الداعي إلى الجهاد ضد الكفار ". الجملة الأخيرة، التي نطق بها الرابي اليهوديّ ببساطة، حقّ لها أن تدهشَ الضيفَ. فأسرّ عندئذٍ لنفسه " كأني قدّام رجلٍ مسلم؛ يتكلم بتعبيراتنا نفسها، بل ويجيد العربية خيراً من كثيرين منا؟ ". المضيف، وبما أنه لم ينصت لسرّ الآخر، فإنه ما لبث أن دعاه بلطف إلى مائدة الغداء العامرة، والتي انتهى الخدم تواً من إعدادها في منظرة البهو، المشرفة على منظر الجنينة.
" أردتُ أن أستفهمَ عن هذا البرج، وما تعنيه الكتابة في أعلاه؟ "
خاطبَ " جانكو " مُضيفه في شيء من الحَرَج، فيما كانا منهَمِكَيْن بتناول الطعام. الرابي، الذي لم يكن قد كفّ عن الثرثرة خلال الغداء، ما عتمَ أن هزّ رأسه علامة على الاهتمام. وبعد صمت قصير، أجابَ " في مدينة مراكش، التي هيَ أثيرة لديّ جداً، ثمّة أبراج سبعة، حجرية، ترمز إلى ما يسمونه بالرجال السبعة الصالحين، أو الأولياء. وهذا البرج، القائم في قلب بيتي، هوَ تقريباً نسخة عن تلك الأبراج المراكشية إن كان لجهة العمارة أو الرمز. إلا أنني لا أعلّق كثيراً من الأهمية على الأنبياء والأولياء، على الرغم من عددهم الكبير لدينا في العقيدة اليهودية "، قالها في جدّ هذه المرة ثمّ أضافَ " على ذلك، فإنّ الكتابة العبرية هناك، في إفريز البرج، هيَ لتمجيد يهوه؛ ربّ إبراهيم، أبي الأنبياء ". ما أن اختتمَ الرابي الكلامَ، حتى كان وصيفه قد هُرِع إلى المنظرة كي يستأذن في إدخال أحدهم إلى حضرته. هتف الرابي في لهجة احتفالية، متوجّهاً للوصيف: " أراهنك، يا باحمّاد، أن مبعوث كره كوز هذا، قد أتى إلينا محمّلاً بدعوة إلى العشاء في منزل سيّده ".






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تاجرُ موغادور: الفصل الثاني / 4
- تاجرُ موغادور: بقية الفصل الثاني
- تاجرُ موغادور: تتمة الفصل الثاني
- تاجرُ موغادور: الفصل الثاني
- تاجرُ موغادور: تكملة الفصل الأول
- تاجرُ موغادور: متابعة الفصل الأول
- تاجرُ موغادور: بقية الفصل الأول
- تاجرُ موغادور: تتمّة الفصل الأول
- تاجرُ موغادور: الفصل الأول
- تاجرُ موغادور: المدخل
- تاجرُ موغادور: المقدمة
- سيرَة حارَة 16
- سيرَة حارَة 15
- سيرَة حارَة 14
- سيرَة حارَة 13
- سيرَة حارَة 12
- سيرَة حارَة 11
- سيرَة حارَة 10
- سيرَة حارَة 9
- سيرَة حارَة 8


المزيد.....




- الشرطة الأمريكية تحقق في قضية -الوفاة الغامضة للإلهة الأم-
- عاجل: توتر العلاقات الإسبانية المغربية تجمع الاحزاب السياسية ...
- محكمة تقرر سجن فنان عربي لاعتدائه على مواطن
- رعب وعقلة إصبع ورجل طفل... رامز جلال ودينا الشربيني في أفلام ...
- ابنة الفنان الراحل حسن مصطفى تنشر صورة نادرة له في السعودية ...
- مغنية أوبرا مصرية: -الألفاظ اللي بتستخدم في أغاني المهرجانات ...
- المغرب -سيستخلص كل التبعات- من استقبال إسبانيا زعيم بوليساري ...
- البابا فرنسيس يؤيد رفع حقوق الملكية الفكرية عن لقاحات -كورون ...
- وزارة الخارجية: المغرب أخذ علما كاملا بالقرار الإسباني وسيست ...
- البابا فرنسيس يؤيد التنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات ك ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل الثاني / 5