أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - مشاهدات بغدادية 3 سعدي يوسف والمنفى















المزيد.....

مشاهدات بغدادية 3 سعدي يوسف والمنفى


اسماعيل شاكر الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 4000 - 2013 / 2 / 11 - 23:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مشاهدات بغدادية

ــ 3 ــ

سعدي يوسف والمنفى

اسماعيل شاكر الرفاعي

ــ 1 ــ

تذكرت وانا أقرأ هذه الايام بعض ما كُتب عن الشاعر سعدي يوسف ، ذلك اللقاء الدمشقي الذي جمعني به لدقائق في احتفالية الذكرى السنوية لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي في تسعينيات القرن المنصرم . قدمنا لبعضنا الشاعر المرحوم مهدي محمد علي الذي كان يشرف على القسم الثقافي في مجلة الثقافة الجديدة ، والذي طلب مني قبل ذلك بأسابيع ، وهو يسلمني نصوصاً قصصية لأدباء عراقيين من الجنسين ينتشرون في المنافي الاوربية والامريكية ، ان اكتب عنها . لم أكن ناقداً ادبياً { ولست الآن وانا اكتب هذه المقالة } . كانت حصيلة القراءة لتلك النصوص القصصية ، مقالاً : تحت عنوان " أدب المنفى " نشرته الثقافة الجديدة ، وكان الحديث حول " ادب المنفى " هو ما استغرق الدقائق القصيرة التي جمعتني بالشاعر الكبير سعدي يوسف . لم أكن عضواً في الحزب الشيوعي العراقي وأنا احضر حفلته في ضواحي دمشق بمناسبة ذكرى ميلاده ، كما لم أكن عضواً في حزب الدعوة وانا ألبي طلب بعض كوادره للكتابة في جريدته : الموقف ، التي كانت تصدر في دمشق . انما كان موقفي من هذين الحزبين ينطلق من رأي خاص بي افرق فيه بين الاحزاب المولودة في داخل العراق عن تلك المولودة في الخارج . ولادة الحزبين الداخلية تعني بالنسبة لي ان ثمة حاجة داخلية اليهما ، تختلف في ضرورتها عن حاجة الداخل الفعلية الى احزاب تأسست في الخارج ، وقد عبرتُ عن هذا الرأي بمقال لي عنونته : داخل وخارج ، أحزاب واحزاب ، نشرته في " العدد الاول من صحيفة : " نداء الخلق " التي اصدرها المفكر الراحل : هادي العلوي ... هل يظل المنفى مفتاحاً من المفاتيح الضرورية التي تساعدنا على الدخول الى فضاء نص المبدع العراقي واستيعاب دلالاته ، لكن الى متى ؟

ــ 2 ــ
ـ
كيف كان النظام السابق يبرر وجود قائمة طويلة من المنفيين ، ويسوغ حرمانهم من حاضنتهم الطبيعية التي كان من الممكن لانتاجهم الفكري والابداعي على ارضها ان يأخذ شكلاً مختلفاً في تكنيكه الفني وفي نوع الاسئلة التي يتضمنها ؟ كانت الاجابة جاهزة : هؤلاء يمثلون حصان طروادة الخارج في الداخل العراقي ، للتآمر على الهوية والاصالة اللتين يتطلب الدفاع عنهما احتلال كامل الفضاء السياسي من قبل صوت واحد . كانت كتابات المنفيين بمقابل الصوت الواحد : تمثل امتداداً للروح الوطنية لجعفر ابو التمن وما تفرعت عنه من مدارس الوطنية العراقية التي تأصلت بنضالات الاربعينيات والخمسينات وصولاً الى جبهة الاتحاد الوطني في 1957 ومن ثم ثورة 14 تموز الخالدة ؟ وكان خطابهم يكتظ بالحس النقدي انطلاقاً من مفهوم التعددية الذي يعبرعن فعالية حضارية لا تتكامل الا بأزاحة النقيض الذي يحتكر حيازة المكان له ، لكن تلك الازاحة تمت بفعل خارجي لا داخلي ، وهنا تكمن مفارقة حضارية وتاريخية ...هل يعاني المثقف العراقي من عقدة النقص هذه التي لم يكن فيها صاحب قرار التغيير، والاهم من ذلك فقدانه السيطرة الفعلية على التطورات اللاحقة للمكان بعد التغيير ؟ لقد تشظى المكان الواحد الذي كانت تديره قبضة بوليسية قوية ، الى مجموعة أمكنة لكل منها شعاراتها واهدافها ونشيدها الوطني واعلامها المرفرفة ، وتشظت معها الذاكرة الواحدة الى مجموعة ذاكرات موزعة على اجزاء المكان . هذه واحدة من الحقائق الجديدة بعد التغيير التي فرضت علينا منطقها : في أنّ أي مكان منها لم يعد يحمل ما كان له من حيوية واشعاع يوم كان جزءً من المكان الكبير . لم يعد أي مكان من هذه الامكنة التي تشظى اليها المكان الكبير بقادر على ان يضخ معانٍ ثورية يمكن ان تتحول الى رمز ودلالة يمكن تعميمها عراقياً ، وتصبح جزءً من ذاكرة نضالية واحدة ، ومن ذائقة جمالية عابرة للمناطقية والطائفية والاثنية .

ــ 3ــ
.
لم تعد الفلوجة رمزاً لنضال وطني في مواجهاتها الاولى مع قوات الاحتلال ــ التحرير الامريكية . لقد انشطر العرب العراقيين في الموقف من الحرب والاحتلال عام 2003 شطرين : سني وشيعي . كان الجيش الامريكي بالنسبة للغالبية الشيعية مُحَرِراً ، وكان بالنسبة للغالبية السنية محتلاً . لقد تمت مبادلة المواقف التاريخية بين الطائفتين . فقبل قرن من الزمان كان البريطانيون بالنسبة للسنة العراقيين محررين ، ولم يكونوا كذلك بالنسبة الى الشيعة الذين قاوموهم في ثورتين : النجف والعشرين .هكذا تنقسم الشعوب على نفسها طائفياً حين يموت تاريخها او تموت هي في التاريخ .. يشير الى ذلك فشل شبكة التنظيم الوطنية { الاحزاب } في ان تكون الجسر الواصل بين الضفتين ، وتنتشل اعضاءها من زلة العودة مجدداً الى الرحم القديم ، وحين تفقد هذا الدور الذي ولدت من اجله اصلاً ، تتحول هي نفسها الى مكان طارد ، لا ملاذ آمن يؤمن لأعضائه الدفء الفكري والروحي المطلوب من زمهرير تشظي عالم سيتحول ــ وقد تحول في بعض الكتابات بوعي او بدونه ــ من وعي وطني الى وعي طائفي ، ومن هوية جامعة تمثلها الدولة الى سعي محموم لأحتلال هذه الدولة { أي احتكار النطق باسم هوية المكان الكبير من قبل جماعة واحدة } .. لقد اسقط في يد المنفيين وكان عليهم وقد سمح المكان بعد التغيير بعودتهم ، ان يتوزعوا في منافيهم الجديدة ، وهي منافٍ داخلية وليست خارجية ..، فتحول المنفى من مكان خارجي يوفر ملاذاً آمناً { بناء على قوانين انسانية خاصة بتلك البلدان } لضحايا اضطرابات مكان ما ، الى مكان داخلي ذي جيوب متعددة يفرز كل جيب ــ بين آونة واخرى ــ منفييه . يعيش سعدي يوسف الآن منفى مركب : داخلي وخارجي . كان الخارج بالنسبة اليه ملاذاً من سلطة صدام حسين الذي مثل نموذج سلطة حاكم شهر سيفه ضد كل مَن يعلن عن نفسه ذاتاً تحمل امكانية الاستقلال المستقبلي عن هيمنته : أكانت هذه الذات فرداً أم حركة سياسية . ويمثل الداخل ــ المنقسم على نفسه الى جماعات أهلية تتنافس في بينها على ما يمكن لها السيطرة عليه من الفضاء العام : الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ــ بالنسبة اليه منفى آخر . وما بين هذين المنفيين لم يفقد سعدي يوسف ذكرى السماء الاولى [ وقد تكرر هذا التعبير في كتاباته الشعرية والنثرية ] ولم يفقد المحاولة في ان يلتقط رمزاً يعيد من خلاله تشكيل فردوسه المتشظي . لكن أي رمز لأي جزء من المكان الكبير لم يعد يشكل ذاكرة لمجتمع ينقسم على ذاته يومياً وكل ساعة .

ــ 4 ــ
.
ولدت على ارض سومر قريباً من مسقط رأس الشاعر حكاية " جنة عدن " أو " الفردوس المفقود " [ في تلك الايام لم يكن هناك حيّة ولا عقرب / لم يكن هناك سبع ولا ضبع ولا كلب شرس ولا ذئب / لم يكن هناك خوف ولا رعب / لم يكن للانسان منافس ولا غريم / كانت بلاد مارتو آمنة مطمئنة / وكان الكون جميعه ، والناس كلهم / يمجدون أنليل بلسان واحد ... كتاب الفكر الديني القديم ] تضمر هذه القصيدة توقاً الى استعادة حلم تجاوزه ايقاع العصر الذي كتبت فيه القصيدة قبل آلاف السنين . هذه قصيدة منفى بامتياز : داخلي او خارجي . يتمثل المنفى الداخلي بفقدان السيطرة على المكان بعد دخول دويلات المدن السومرية بحروب فيما بينها { لم تستطع الاسوار مساعدة الجماعة على السيطرة على المكان وتوجيهه كما في السابق } وبعد احتلالها او توحيدها ــ لا فرق ــ من قبل الاكديين صار الانتاج السومري : المادي والفكري والادبي والروحي ، طاقة لتغذية هدف آخر غير الأهداف التي رسموها لمدنهم يتمثل بهدف استمرار الامبراطورية الاكدية في فتوحاتها بضم اراضي الشعوب الاخرى اليها . تحول عالم دويلات المدن السومرية بعد دخولها كجزء من عالم الامبراطورية الأكدية الى كان مهجو من الجميع : الكاهن والشاعر وصانع الرأي العام ، كما هو حال العراق الآن المهجوة اوضاعه من قبل : الحاكم والمحكوم . في هذه الهجائية الكبرى التي تتبادلها الكتل السياسية الحاكمة ، ويتبادلها رموز الطوائف والاثنيات ، ماذا يمكن ان تكون عليه حالة قصيدة تحاول ان تتكئ على الذاكرة النضالية لأربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم ، للسمو بفعالية مكان واحد وجعله رمزاً عاماً ، في الوقت الذي لم تعد اجزاء المكان الاخرى مستعدة لتطويبه ممثلاً لها في فعالياته السياسية هذه . كيف قُرأت قصيدة الفلوجة من أجزاء المكان الاخرى ؟ تمت قراءتها بهوس عجيب كما لو كان الشاعر وهو في منفاه الخارجي يحاول ان ينافسها على ما أحتلته لنفسها من مجال بعد 2003 . وهذا ما يشير الى ان كفالة الحريات في العراق تحوم حولها الشبهات . لقد تمت قراءة القصيدة من كل الجوانب والوجوه : السياسية والدينية والطائفية والمناطقية والقبلية ولم تتم قراءتها فنياً . لقد قوبل شاعرها بعاصفة من الهجاء والشتائم ، جردت الشاعر والمناضل الكبير من كل تاريخه الشخصي ، وسحبت منه كل ما يثير اسم سعدي يوسف لدى المتلقي العربي وليس العراقي من ايحاءات ودلالات ، كانت وما زالت تشير الى وجهين ثابتين من شخصيته : الشاعرية الفذة التي تحنو [ حنو الامهات على الرضيعِ ] على تفاصيل الهموم اليومية للناس بالترابط مع الاستحضار الكثيف للطبيعة . لم يكتب سعدي قصيدة واحدة لم تكن الطبيعة الام حاضرة فيها حتى حين تعلو نبرة السياسة في قصيدته . وحتى في هجائيته الجديدة " الفلوجة " ظلت الطبيعة في بعدها الديني حاضرة بقوة في هذا النص الذي لا ادري ان كان قصيدة ام بيان في الهجاء . هل سيظل سعدي يوسف مطارد من افق تفكيرنا : احزاباً وصحافة واعلام قبل المؤسسة الرسمية للدولة : وزارة الثقافة والاعلام ، التي تتكاثر مهمات الجنرال وزيرها مع تكاثر الازمات في العراق... أنا لا تهمني خلافات سعدي يوسف مع الحزب الشيوعي ، ولا خلافاته الآيدلوجية الاخرى في الموقف من التغيير الذي جرى بأداة خارجية وليست داخلية كما هي المعايير السياسية للتغيير التي بلورها نظرياً الحزبان الاساسيان في العراق { وهذه مفارقة تضاف الى حزمة المفارقات } ما يهمني هو تأصيل وتبيئة المفاهيم والمقولات السياسية التي تحولت الى دستور صوتت عليه الاغلبية ، والممر الى هذا التأصيل يبدأ بالتطبيق الفعلي للتداول السلمي للسلطة الذي لم نجربه بعد ولم نقدم الشهادة الحية على تطبيقنا الخلاق له بعيداً عن المنظورات الطائفية . واظن ان دورية الانتخابات هي المكسب الكبير الذي سيظل واحداً من الثوابت الجديدة للحياة الثقافية { بعد ان يرحل كل شئ } الذي لم نستطع ان نجترح معجزته بقوانا الذاتية. وما حدث ان نسبية الحقيقة التي ينطلق منها مفهوم دورية الانتخابات ارتطم بقوة بواقع منظوماتنا الفكرية المنطلقة من حيازة الحقيقة كل الحقيقة { وهذه هي المفارقة الاخرى التي يمكن اضافتها الى جملة المفارقات التي افرزها التطبيق المتسرع لمفاهيم سياسية يبدو ان فصائلنا السياسية غير مستعدة لتقبلها ، فهل ستفشل في تبيئتها ؟ }

ــ 5 ــ
ـ
.افهم ان القصبدة تنتمي لذاتها قبل ان تنتمي الى بيئتها ، هكذا قرأنا آداباً لكتاب من شعوب مختلفة وكأنها آدابنا لأننا راينا فيها ذواتنا ، وهمسنا معها بالمسكوت عنه لدينا الذي وددنا لو اننا كتبناه . سعدي يوسف غير معني بمرضنا الجديد في تابعيتنا للسياسي الذي يرفع شعار الهوية الفرعية . ربما يريد شاعرنا الكبير ـ وهو يخطو نحو الثمانين بقامة نخلة بصراوية ــ ان يضرب لنا المثال الذي يحسنا بحاجة اليه . كيف يمكن ان نقرأ النص ونلتذ به من غير ان يعكر صفو هذه القراءة طيف هذا السياسي او ذاك : وهذه هي الموعظة الجمالية التي يريد لها الشاعر سعدي يوسف ان تصلنا . القصيدة { لدى الشعراء الكبار } ثابت جمالي عابر للازمنة والامكنة ، تضيف شيئاً الى الافق الثقافي العام ، وهو في هذا لا يأخذ مقابلاً لهذا الصنيع الجمالي نظير ما ينهبه السياسي العراقي من المال العام ، سيّما انه لا توجد مقارنة بين ابداع { أي الخلق من العدم وايجاد التشكيل الجمالي ليس على مثال سابق } وبين قرارات السياسي الكارثية . وهي قرارات باردة او ميتة او ضيقة الافق لا مردود لها الا على نفسه وحزبه وطبقته وطائفته ، في حين تر ج قصيدة الشاعر الكبير هذا الافق ، تزحزحه ، تجعله سيالا كالماء والهواء . وهي في هذا تشتغل على منطقة ، ومن أجل منطقة لا يشتغل عليها الاثنان : الشويعر والسياسي . يظل توق شاعر مثل سعدي يوسف متمثلاً في ان يرى مثاله الجمالي وقد تجسد على الارض عدالة . فهو معني بالمثال لا بالزائل من قرارات السياسي ، وفي مثاله هذا يتحرك الشاعر على خط جمالي واحد تتساوى فيه البصرة واربيل والفلوجة . انتقدت هجائية الفلوجة : الامريكان والبيشمركَة ، وعلاوي ، والسيستاني ، هذا هو الجانب السياسي المطروح في القصيدة وهو جانبها المتحرك الذي قام على اساس معلومة قد تطيح بها معلومة أخرى ، وهو على كل حال يدخل في صلب كفالة الحريات التي هي في بلدانها الاصلية لا قيد على حرية التعبير عن الرأي ، وليس في طبعتها المستوردة عراقياً التي تتشابه مع مجمل الاستيراد العراقي والذي يمتاز بانتهاء صلاحية المادة المستوردة او رداءتها ولا تسلم من الفساد الذي يحوم حول صفقاتها . هل كان سعدي يوسف سنياً ام شيعياً ؟ انا لا احفل بذلك ، ولا أعتقد ان الرجل يحفل أو ينطلق من هذه القوقعة الطائفية ، لقد عدت لقراءة مقالاته الأدبية والسياسية بأمعان فلم تكن تشكل الهوية الفرعية له منطلقاً ولو كان الامر كذلك لهادن سلطة صدام حسين . . وهذا هو الزائل السياسي الذي لا يمكن قراءة قصيدة الفلوجة في ضوئه . تُقرأ القصيدة في ضوء ما بدأَ يكتبه الشاعر من قصيدة سياسية خاصة بعد ديوانه : الشيوعي الاخير . ماذا اضاف الشاعر للقصيدة العربية في هذه المحاولات ؟ وهي تظل محاولات جمالية اساساً وليست سياسية .. لقد كسر ثلاثي : السياب ـ نازك ـ البياتي ، ذائقة شعرية عمرها الف واربعمئة سنة بكسرهم لقصيدة التفعيلة والروي الواحد وعمموها عربيا، اي انهم عمموا ذائقة شعرية جديدة كان من طلابها الشاعر الكبير سعدي يوسف ، فهو عملياً ونظرياً ينتمي الى جيل الحداثة العربية التي تتميز بالقلق والتجريب والمغامرة اللغوية والتكنيكية . لقد تغيرت الذائقة الجمالية للغالبية في العراق ، ولم تعد حتى القصيدة النوابية التي يتداخل فيها المضمون الطبقي بالقومي بقادرة على اثارة الشهية الجمالية لدى الغالبية ، بعد حلول عصر الطائفية الذي لم تعد فيه البطولة منحازة لقضايا الحاضر ، قدر انحيازها لقضايا الماضي في خلافاته حول حقوق افراد في الحكم ، لا حقوق شعوب وامم . وحتى القصائد التي تحاول محاكاة القصيدة الكلاسيكية في ارقى نماذجها : الجواهري ، بدوي الجبل ، مصطفى جمال الدين ، عبد الرزاق عبد الواحد ، تسرب اليها هذا الافق وغذاها بمنطلقاته الماورائية .

ــ 6 ــ
.
لم يكن سعدي يوسف صاحب ميليشيا ، ولهذا لم يحاوره أحد . ففي الزمن الذي نعيش : زمن المفخخات وتفجير الجسد البشري ، لا مجال للحوار الّا بين اسياد اللحظة : الطائفيون وزعماء الميليشيات ، ومحتكري الحقيقة . ووطن لا مجال فيه الى سعدي يوسف لا يستطيع ان يمنح المواهب الاخرى الاّ منفىً داخلي . في تسعينيات القرن المنصرم كنت شاهداً على دفن رفات المفكر العراقي هادي العلوي الى جانب الجواهري في مقبرة السيدة زينب في دمشق . قبله تم دفن بلند الحيدري في مقبرة في لندن ، وبعدهما تم دفن الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي في جبل قاسيون ، لا لشئ الا لأنهم كانوا يفكرون بطريقة مختلفة عن الطريقة التي كانت تفكر بها الآيدلوجية الرسمية للنظام السابق . لقد تغير الزمن وتغير المكان ، ومع هذا التغيير تغيرت الدلالات ، وهي دلالات لا تستطيع الذاكرة القديمة استنشاقها دون ان تختنق . لابد من معايشة المكان ــ الامكنة كما هي ، وكما بدأَ كل منها يُعرّف نفسه ، ويصنع له ذاكرة خاصة .. لم تعد { السماء الاولى } كما هي بعد التغيير ، اصبحت كما كان يحب جعفر بن ابي طالب ان يجيب سائليه عن سبب تحريم شرب الخمر على نفسه بالقول : لا يعود العقل الى ما كان عليه بعد شربها . لم تعد { السماء الأولى } التي حملها معه سعدي يوسف الى منفاه ، الى ما كانت عليه بعد 2003 . اصبحت تشع بدلالات جديدة لا يستطيع الشاعر تطويعها في نص جديد من غير معايشتها مجدداً . دون ذلك سيتحول النص الى خطاب في الهجاء ويفقد بعده الحيوي : بعد الطبيعة الاخاذ بحفيف اوراقها وهسيس كائناتها وانثيال النسغ في شرايينها وبعمق انغراس جذورها ، ليهرب الى بعد اسطوري مستخدماً ادوات السحر القديمة : الهجاء لمسخ العدو في الدنيا ، والدعاء عليه ليكون مصيره ما بعد الحياة فاجعاً...

11 شباط ــ 2013




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,439,662
- بانتظار قرار الحكومة الكبير
- مجرد رأي
- مشاهدات بغدادية 1 وأخيراً غرقت بغداد
- دم في ساحة المظاهرات
- مشاهدات بغدادية 2 لماذا تحول العراق الى مسخرة ؟
- وزراء العراقية
- قضاء الرفاعي
- أنا الطائفي الوحيد
- بين المالكي والاعرجي
- ما مدى واقعية افكار الاستاذ محمد عبد الجبار الشبوط عن الدولة ...
- عن الطائفية ...من وحي مقالة الاستاذ جواد الشكرجي
- رمزية ودلالة المواجهة في طوزخورماتو
- عالم آخر ممكن
- { تلفت القلب }
- الدولة الكردية والشرعية
- صالح المطلك
- عنها
- لقطة
- التكنولوجيا ومنظومة العمال الفكرية
- حكايات طويلة عن احداث قصيرة


المزيد.....




- وزيرة خارجية السويد: اليمنيات بنّاءات ويمكنهن لعب دور أكبر ف ...
- مشروع قرار أوروبي-أمريكي لدى وكالة الطاقة الذرية لإدانة تعلي ...
- وزيرة خارجية السويد: اليمنيات بنّاءات ويمكنهن لعب دور أكبر ف ...
- التحالف الدولي يقر بسقوط 10 صواريخ على قاعدة عين الأسد في ال ...
- أنقرة: لا يمكن للمجتمع الدولي أن يدير ظهره لمأساة السوريين و ...
- انفجار قرب مركز اختبارات كورونا في هولندا
- كيفية التخلص من ارتجاع المريء في حلقك!
- شاهد: جفافٌ يضربُ القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالي ...
- هل تريد زيارة القمر؟ ملياردير الياباني يقدم ثمانية مقاعد مجا ...
- المخابرات اللبنانية تعتقل مجموعة داعشية مرتبطة بهجمات انتحار ...


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - مشاهدات بغدادية 3 سعدي يوسف والمنفى