أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قاسم حسين صالح - نفاق المثقفين















المزيد.....

نفاق المثقفين


قاسم حسين صالح
(Qassim Hussein Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 3546 - 2011 / 11 / 14 - 20:18
المحور: الادب والفن
    



يعني النفاق أن يظهر الشخص عكس ما يضمر ،وأن يكون لسلوكه هذا سبب وغاية يختلفان عن سلوك المجاملة.والتحليل السيكولوجي لسبب النفاق هو الخوف من (سلطة)،فيما الغاية تكون تأمين حياة او مصدر رزق و اسعاد حال أو سلطة او تماهي بالسلطة.
ويبدو ان بداية تحول النفاق من حالات محدودة الى ظاهرة كانت بتحول الدين الى سلطة.وأن الدين الاسلامي تحديدا هو الذي نبّه الى خطورتها الاجتماعية وفصّل في رذائلها الأخلاقية..اذ خص النفاق في دستوره (القرآن الكريم) بسورة كاملة بعنوان (المنافقون) ،فضلا عن ثلاث آيات في سورة النساء،اذ بشّر المنافقين،في الأولى، بعذاب أليم ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا اليما- 138) وساوى في الثانية بين المنافقين والكافرين (ان الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا- 140)،ووضع المنافقين،في الآية الثالثة في الدرك الاسفل من جهنم (ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا- 145).وحدد النبي محمد (ص) رذائل المنافق بثلاث:( آية المنافق ثلاث:اذا حدّث كذب واذا وعد أخلف واذا أؤتمن خان)، وأنه يكون بوجهين ،و"ما ينبغي لذي الوجهين ان يكون أمينا".ويمكنك أن تضيف رذائل أخرى للمنافق : التقلّب في المواقف،التناقض بين المظهر والجوهر ،حلاوة اللسان وعذوبة المنطق، وامتلاك قدرة في تمثيل دور المحب أو الحريص أو المؤيد.
ونرى أن الذي يحدد نوع النفاق ومدى شيوعه ثلاثة عوامل أساسية هي : الفلسفة التي تتبناها السلطة ، وأساليب التعامل التي يعتمدها النظام في إدارة شؤون الناس وحكم المجتمع، وطبيعة الأحداث التي تقع له وما ينجم عنها من تغيير أو تخلخل يصيب المنظومات القيمية للناس.
والذي يستعرض تاريخ هذه العوامل الثلاثة في العراق ، يجد أنها تتصف بعدم الاستقرار ، وأن السلطات التي توالت على حكم العراق كانت تتعامل مع العراقيين بقسوة ولم تكن عادلة في حكمها للناس وتحديدا في توزيع الثروة ، وأن الأحداث التي واجهها العراقيون عبر تاريخهم الطويل كانت في معظمها كارثية .

ولقد أفرزت الأزمات والمحن المحمّلة بالضغوط النفسية الحادّة والحياتية المتنوعة التي عاشها العراقيون بشكل خاص ،ثلاثة أصناف بارزة في المجتمع العراقي فيما يخص العلاقة بالسلطة ،هي :
• فئة المسالمين ، الذين يعدّون السلطة " شرّا " وأن البعد عنها أسلم .
• فئة المعارضين للسلطة الذين وقفوا بوجهها وعملوا على الإطاحة بها ، ونظّموا أنفسهم في أحزاب سياسية وحركات دينية وتجمعات وطنية أو عشائرية .
• وفئة المنافقين الذين يظهرون للسلطة عكس ما يخفون ، يتوددون لها طمعا في سلطة أو مال أو جاه أو دفعا لشرّ يتوقعونه. .ومن هذا الفريق ظهر اشخاص طمعوا في منصب بالسلطة وامتيازات بالثروة (اجادوا) لعبة النفاق بأن جعلوا من الحاكم الدكتاتور شخصية كارزمية..استثنائية،يتوجب على الناس طاعتها والقبول بها والرضا عنها.وكان اخطر هؤلاء المنافين اولئك الذين احتلوا وسائل الاعلام لا سيما رؤساء تحرير الصحف والفضائيات والاذاعات وكتّاب المقالات والبرامج السياسية..وشاع هذا على صعيد الأنظمة العربية قبل ثورات ربيع العرب.
غير أن الشعر بنوعيه الفصيح والشعبي كان أكثر وسائل النفاق استعمالا" وتأثيرا على صعيد العلاقة بين السلطة والشاعر . وكان أن أستخدمه عملاقا الشعر العربي..المتنبي والجواهري. فشاغل الدنيا الهائل العظيم (المتنبي ) مدح حاكما" وضيعا" مغتصبا" للسلطة من أجل أن يوليه على أمارة ولو بسعة مدينة حلب، ولما لم يستجب كافور لطلبه هجاه بأفضع ما في قاموس لسان العرب من مفردات.
وشاعرنا العظيم ( الجواهري ) الخالد صاحب الروائع الخالدات: ( أخي جعفرا ، قف بالمعرّة، يا دجلة الخير ..) مدح أحمد حسن البكر وصدام حسين : ( نعمتم صباحا" قادة البعث واسلموا ..) ثم هجاهم شرّ هجاء بعد انقلاب رمضان الدموي عام 1963: ( أمين لا تغضب وأن أغرقت..عصابة بالدم شهر الصيام/ وان غدا العيد وأفراحه..مأتما" في كل بيت يقام ).
وثمة شاهدان حديثان عن النفاق لدى الشعراء العراقيين،شهدتهمها شخصيا ونعيد الاشارة لهما، الأول عن شاعر معروف، أكاديمي، كان يبالغ في مدح الرئيس السابق صدام حسين ، وحين يظهر في التلفزيون يلقي قصيدة في مدح صدام، كان يتباهى صباح اليوم التالي أمام طلبته ليس فقط بوصف قصائده بالعصماء، إنما أيضا" بالمكرمات التي منحها له الرئيس. وحين سقط الرئيس اعتكف في داره لأيام ثم حضر الى الكلية وهو مرعوب.. وبعد أسابيع أعلن أنه ينتسب الى عائلة علوية معروفة، وأخذ يتباهى بخاله الذي أعدمه صدام، والذي كان أنكر خؤولته حين كان صدام في السلطة.
والشاهد الثاني: في الأسبوع الثالث لسقوط النظام اكتظت قاعة الأدريسي بكلية الآداب في باب المعظم بمئات الشعراء والصحفيين والفنانين والمذيعين لتشكيل رابطة تدافع عن حقوقهم . ولفت انتباهي موقفان حدثا أمامي: الأول " تناوش " أحدهم شاعرا" شعبيا" معروفا" قائلا" له : ( عيب عليك أستحي ، لو كنت مكانك لأخفيت وجهي، فأنت رفعت صدام بقصائدك الى السماء ). فأجابه الشاعر : ( والآن ذهب صدام الى الجحيم ولا مانع عندي أن امدح الشيطان اذا صار رئيس جمهورية ). والثاني: أن أستاذا" جامعيا" كان عضوا" في حزب البعث استشار سياسيا" قادما" من الخارج أن ينصحه ما اذا كان من الأفضل له أن ينتمي الى حزب إسلامي أم الحزب الشيوعي !.

ولأن سيكولوجيا النفاق تعمل بآلية واحدة حين تكون السلطة في الأنظمة الشمولية تعمل بآلية واحدة، فان العلاقة بين الأنظمة العربية والمثقفين أفرزت ثلاثة أنواع:مدّاحون،ومعارضون،وموظفو ثقافة..كان أغلبهم في حالة اغتراب مع الثقافة ،ومع أنفسهم ايضا.فمن مهمات المدّاحين،تجميل الوجه القبيح للسلطة وتبرير التجاوز على الحريات والسكوت عن جرائم البوليس السّري والمخابرات.ومع أن معظم المدّاحين الذين سيطروا على وسائل الثقافة الرسمية:صحافة،اذاعة،تلفزيون..حظوا بالامتيازات،الا أنهم كانوا يدركون أن مهمتهم لا تختلف عن شاعر أموي أو عباسي يمدح الخليفة ليجزل له العطاء..وانهم كانوا يحتقرون أنفسهم حين يختلون بها،الا المسيّسين الذين ربطوا مصيرهم بالنظام وروّضوا (أنا) المثقف لتكون بخدمة (أنا)السياسي.
وكان موظفو الثقافة،بمؤسساتها الرسمية، رماديين في علاقتهم بالسلطة بين من اتخذ الثقافة مصدر عيش فتعامل معها (مسلكيا) وبين من وازن بين (أناه) الثقافي والسلطة بعلاقة شبيهة بشعرة معاوية..فيما توزع المعارضون ،وهم القلّة، بين من انكفأ على ذاته أو هاجر الى بلاد نائية فمات قهرا أو طلّق الوطن أو..نحره ابداعه!.

وما لا يدركه كثيرون أن أهم انجاز "غير مرئي" حققه تسونامي العرب،أنه أنهى (الاغتراب النفسي) لدى المواطن.فلأول مرّة يشعر المواطن أن الوطن له وليس لحاكم صادره بكل ما فيه وأحيا وأمات بأسمه.ولأول مرّة يهزج الناس بفرح وكبرياء أنهم ما عادوا يخافون الدولة بعد أن جاءوا هم بها!.ولأول مرّة ينشد الشعراء بصدق ويغني الفنانون بزهو..للناس والوطن. وكان أطعم من تذوق حلاوة عودة الوطن للمواطن هو المثقف الذي أضناه نواحه عليه..لأنه ارهفهم حسّا"،ولأن علاقته بالوطن..رومانسية راقية كعلاقة عاشق متيم بمعشوقة تفردت بالحب والجمال والعطاء.

ومع ان الثقافة الشمولية "الحولاء" التي كانت تنظر للأمور بعين واحدة..عين السلطة والحزب الواحد انتهت ،لكن ثقافة كانت لنصف قرن بالحال الذي ذكرناه لن ترحل، بزيفها واغترابها وسوداويتها وتشوهاتها الأخلاقية والسلوكية ومفاهيمها المتخلفة المشفّرة في العقل الجمعي للناس،في أسابيع كما رحلت أنظمة.كما أن السلطة نفسها، حتى لو كانت ديمقراطية، ستبقى بها حاجة الى مثقفين منافقين ،كثير منهم تمرّس في النفاق وصار مسموعا ومقروءا من السلطة والناس!..أليس هذا ما هو حاصل الآن في أنظمة عربية صارت ديمقراطية !!






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,245,943,925
- الكليات الأهلية..وضمان الجودة
- انتحار..دموع!
- مشهد مقتل القذافي ..وسيكولوجيا الانتقام
- الغطرسة..والسلطة
- الوضع النفسي للعراقيين..في خطر
- الفساد العراقي ..في متلازمتين
- المثقفون ..والسكتة القلبية!.
- التحقير الجنسي..في شعر مظفر السياسي
- ثلثا العراقيين..مغيّب وعيهم !
- ثقافة نفسية(47):الاكتئاب..كيف تتخلص منه
- ثقافة نفسية(46):فيروس الاكتئاب النسائي
- ثقافة نفسية(45):انموذجان سلبيان..الرافض والمتردد
- الناصرية ..الشجرة الطيبة
- نقاط التفتيش..وتوظيف العلم
- من عالم البغاء. قصة حقيقية تصلح لفلم سينمائي مميز
- سيكولوجيا الفرهود بين بغداد وطرابلس
- لم نعد وحدنا..علي بابا!
- النفاق..والمسلمون!
- السيكولوجيا أصدق أنباءا من السياسة!
- اليأس ..يستوطن الأرامل


المزيد.....




- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...
- بعد الأردن الشقيق: على من الدور القادم ياترى؟
- الغناء والقهوة والنوم.. طريقك للحفاظ على صحة عقلك
- خالد الصاوي يعترف: عضيت كلبا بعد أن عضني... فيديو
- مخبز مصري يحقق أحلام -أطفال التمثيل الغذائي-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد
- نظرة حصرية وراء كواليس فيلم لعرض أزياء -موسكينو-


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قاسم حسين صالح - نفاق المثقفين