أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - كلمة حق لأجل تونس.















المزيد.....

كلمة حق لأجل تونس.


رائد الدبس

الحوار المتمدن-العدد: 3386 - 2011 / 6 / 4 - 16:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كان لا بد من حديث صحيح سوف يُروى عن ثورة تونس في فقه الحرية العربية، فإنه حديث البداية المُلهِمة. وإذا كان لا بد من خارطة طريق جديدة رسمتها هذه الثورة، فهي خارطة طريق الساحل.. طريقٌ أدّى من قرطاج إلى مصر والشام، وعرج على ليبيا واليمن وغيرهما.. طريقٌ يربط ما بين المشرق والمغرب العربي الكبير. وإذا كان لا بد من فصل جديد في كتاب التاريخ العربي الحديث، فهو فصل عصر ثورات الحرية والكرامة والديمقراطية، وبناء الدولة العربية المدنية الحديثة، دولة القانون.

وبعد، فقد شكّلتْ ثورة تونس، بداية انتقالٍ تاريخيّ للمجتمع التونسي والمجتمعات العربية ، من حالة القطيعة التي سببتها أنظمة الاستبداد بين الدولة والمجتمع، إلى حالة تعيد الاعتبار للمجتمع ودوره في صنع دولته والمشاركة الفاعلة في إدارتها. لكن هذا الانتقال التاريخي، لا بد له أن يمر بمرحلة انتقالية. مرحلة مخاض ما بعد الثورة، بكل ما يتخللها من آلامٍ وفوضى، عنوانها الرئيس هو عملية تفاوض شاملة وواسعة النطاق، تجري الآن بين كل مكونات المجتمع المدني التونسي، بكل ما فيه من اتجاهات سياسية وفكرية. أما الهدف الرئيس من هذه العملية التفاوضية الشاملة، فهو إعادة الاعتبار للدولة المدنية التي خلخل الاستبداد أركانها وشوّه بنيانها. وتقتضي إعادة الاعتبار، إرساء قواعد نظام ديمقراطي يضمن حقوقاً متساوية لكل المواطنين، للمشاركة في الحياة السياسية دون إقصاء أو تهميش. وتقتضي المشاركة الشاملة في الحياة السياسية، اتفاق جميع المشاركين، اتفاقاً واضحاً لا لبس فيه، على الحد الأدنى من مبادئ العملية الديمقراطية، يتضمن الاعتراف الصريح بالديمقراطية، ليس بوصفها مجرد صندوق انتخابات، بل نظام حياةٍ سياسية في ظل الدولة المدنية الحديثة، دولة القانون التي تضمن لجميع مواطنيها حقوقاً متساوية، وحريات عامة دون أي تمييز من أي نوع.

لقد عشتُ كل أحداث ثورة تونس وما قبلها وما بعدها حتى هذه اللحظة، بما في ذلك أخطر الأيام والأسابيع التي تلت انهيار نظام بن علي وما تخللها من فوضى أمنيّة خطيرة، وعبث عصابات فلول العهد البائد، التي حاولت أن تربك الثورة وفشلت تماماً. لكن من المخاطر التي تواجه ثورة تونس اليوم من وجهة نظري، هذه الفوضى السلفية التي تعبث بثورة لم يكن لها علاقة بها. وتحاول أن تبث أفكاراً متخلّفة لا علاقة للإسلام بها، ولا علاقة لتيار الإسلام السياسي المعتدل والمستنير بها أيضا. وتحاول أن تقول بأنها تريد أسلمَة المجتمع التونسي، وكأن هذا المجتمع لم يكن مسلماً منذ أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً..!
ولأن الفوضى السلفية تخلق فائضاً من الوهم بامتلاك الحلول الجاهزة لكل صغيرة وكبيرة في شؤون الدولة والمجتمع، فإنها تمارس نوعاً من الغوغائيّة السياسية الاستبدادية التي تتميّز بأسلوب المناكَفَة والمساجلات البليدة، وليس النقاش الحر. وغالباً ما تكون تلك المناكفات السجالية على مستوى وفي مصلحة الأشد بلاهة، أو من يتقن فن الخطابة بلغة حمّالة أوجه عديدة. وإذا كانت الديمقراطية تقتضي الاعتراف بكل الآراء والاتجاهات، دون أي إقصاء، واحترام نتائج الانتخابات الحرة النزيهة، مهما كانت، فإن الحد الأدنى الذي يُفتَرَض الاتفاق عليه، هو الإعتراف بالديمقراطية وبدولة المواطَنَة والقانون، أي الدولة المدنية الحديثة. أما تخويف الناس من الديمقراطية ومن فكرة المواطنة والدولة المدنية، والقول بأنها تتعارض مع العقيدة، وأنها من مخلفات العلمانية الكافرة ، واختتام ذلك بالقول بأننا سنكتسح صناديق الانتخابات ، فكيف يستوي هذا الكلام مع الديمقراطية؟

يستفيد تيار الفوضى السلفية كثيراً من نقاش سلفي لائكي آخر متطرف مثله، ينطلق من فكر إقصائي لا يرغب بمشاركة كل التيارات الدينية في العملية الديمقراطية . ولا يخفى على أحد أن الردود بين هذا التطرفيْن تتخذ طابع المناكفة الشعاراتية وحملات التشهير. فردّاً على الشعار السلفي الخالي من المضمون السياسي : الإسلام هو الحل، والقرآن هو دستورنا، يرد المتطرفون اللائكيون بأن اللائكية هي الحل وهي الدستور، دون أن يبذلوا جهداً يترجم للناس مفهوم اللائكية وأهدافها. وفي الواقع، فإن الحل والدستور الجديد، ستتم صياغتهما بمشاركة كل الفاعلين الحقيقيين الناشطين في الحقل السياسي، وبنتيجة عملية التفاوض الشاملة التي ستخرج بعقد اجتماعي جديد ناظم لحياة الدولة والمجتمع.

في هذا السياق، فإن جوهر النقاش والتفاوض الذي يحدث في تونس لا يختلف عن نظيره في مصر. فالتيار السلفي حاضر هنا وهناك، داخل وخارج الحركات الإسلامية التقليدية مثل حركة الإخوان المسلمين وحزب النهضة، وليس بالضرورة أن يكون على توافق تام أو تعارض تام مع هاتين الحركتين.. يريد التيار السلفي أن يستخدم الديمقراطية كصندوق انتخاب، كي يعيد الأمور -وفق ما يعتقد- إلى حكم الحاكم المسلم ضمن دولة إسلامية. وهنالك تيار إسلام سياسي معتدل، داخل وخارج الحركات الإسلامية التقليدية، يتطلع إلى صياغة نموذج سياسي وطني ناجح يحاكي تجربة حزب العدالة والتنمية التركي على سبيل المثال. والتفاوض والنقاش الذي يدور الآن، هو بين كل التيارات السياسية الديمقراطية المعتدلة على اختلاف اتجاهاتها ومنابعها الفكرية من جهة، وبين الانفلات السلفي من جهة أخرى .

في المجتمع التونسي المتجانس من الناحية السوسيولوجية، لا يجد الانفلات الفوضوي السلفي قضايا مذهبية أوطائفية أو قبلية يتلاعب بها. ولا يبقى لديه سوى القول بأن النظام السابق كان علمانيا كافراً، وأن الحل هو بالعودة لنظام الدولة الإسلامية. وفي واقع الأمر فإن النظام السابق في تونس لم يكن علمانيا حقيقياً ولا كافراً، بل كان مجرد نظام استبدادي بلا قضية. حتى أنه لم يجرؤ على ادعاء قضية أيديولوجية أو سياسية كما يفعل نظيره السوري مثلاً. كل ما كان يدعيه النظام السابق هو تحقيق الاستقرار. وجوهر ما يطرحه السلفيون يدور حول تحقيق الاستقرار المستبد العادل الحلال ، أي استبدالُ استبدادٍ كان يحكم بلا قضية، باستبداد يحكم بقضية شرعيّة، وفق ما يعتقد. وفي النهاية فإن محصلة ما يدعون له تؤدي إلى تغييب الدولة الحديثة، وإعادة إنتاج القطيعة بين المجتمع والدولة.. فبدلاً من التوجه نحو إصلاح المؤسسة الدينية التي تعاني من الترهل والجمود، وطرق أبواب الاجتهاد المغلقة منذ قرون طويلة، تراهم يبتعدون عن الأبواب المغلقة ويتركونها تحتمل الانتظار لقرون أخرى قادمة.

المجتمع التونسي معروف بتسامحه وانفتاحه على كل الآراء والاتجاهات الفكرية، ومعروف بامتلاكه تقاليد عريقة في العمل النقابي والوطني والاجتماعي، ونسبة عالية من التعليم والثقافة. كل هذه العوامل تشكل ضمانة راسخة للنجاح في الوصول بالثورة المُلهِمة إلى بر الأمان. يبقى التذكير بمقولة المفكر الراحل إدوارد سعيد : لا تمتلك أية رؤية هيمنة كاملة على مجالها. فذلك هو حجر الزاوية في البناء التفاعلي بين كافة الرؤى المختلفة. أما هذه السطور، فلا تطمح أن تكون أكثر من كلمة حق لأجل تونس.



#رائد_الدبس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أرض الأحلام وحُماة الديار./ رائد الدبس.
- هكذا تكلم أوباما، وسوف نتحدّاه.. فلسطين أوّلاً. !
- في انتظار غودو
- الثورات العربية بعيون فلسطينية
- نماذج استبداد بذهنيّة الحرب الباردة.
- ضحايا الاستبداد.
- فلسطين، ما بين ثورتين وأدنى وأبعد.
- جمعة مصر العظيمة.
- سقوط هيبة وفكرة النظام.
- بصرف النظر، لا لطبائع الاستبداد !!
- تونس تكسر النمط
- تونس وأثر الفراشة.
- جوليان أسانج : الرسالة والصفقة.
- أوّلُ الغيث : هدف برازيلي في مرمى الشرعية الدولية
- ويكي ليكس : لعبة الأمم والعولمة الماكرة .
- في الذكرى السادسة لرحيله: كي تبقى العرفاتية فكرة حيّة .
- خصوصيات ثقافية حمّالة أوجه.
- فيروز أسمى من قرار المنع
- سلوك القطيع وسيكولوجيا الحشد
- اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وفزّاعة التوطين!!


المزيد.....




- تايوان ترد على تصريحات رئيس الصين خلال لقائه ترامب بشأن استق ...
- -منها بط بكين المشوي وجراد البحر-.. خيارات قائمة مأدبة العشا ...
- من طهران.. هذا ما رصدته CNN بشأن متابعة الإيرانيين لزيارة تر ...
- خزانات وقود خارجية ومهام بعيدة المدى.. إسرائيل تكشف خطة غير ...
- وزير الطاقة الأمريكي: إيران -قريبة بشكل مخيف- من امتلاك سلاح ...
- -المطرقة الثقيلة-.. اسم جديد على طاولة البنتاغون إذا عادت ال ...
- ماذا تعني الحرب لجيلٍ عاشها وآخر اختبرها عن بُعد؟
- لماذا يعجز الكونغرس عن إيقاف الحرب في إيران؟ - مقال في الفور ...
- ترامب يبحث في الصين دور بكين في أزمة إيران وهرمز وتايوان
- تونس.. فرحة هستيرية لمحبي النادي الأفريقي


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - كلمة حق لأجل تونس.