أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - تونس وأثر الفراشة.















المزيد.....

تونس وأثر الفراشة.


رائد الدبس

الحوار المتمدن-العدد: 3251 - 2011 / 1 / 19 - 23:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بشائر يناير أو جانفي التي جاءت من تونس في مطلع العام الجديد، عبر انتفاضة الحرية والكرامة والديمقراطية، تدفع الحكام والمحكومين، والمحللين والمثقفين والباحثين، إلى محاولة فهم ما حدث وكيف حدث، وماذا يحدث الآن بعد سقوط نظام بن علي. ولعل مفتاح فهم الحدث يكمن في فهم مسألتين رئيستين هما: العودة لدراسة طبائع الاستبداد وفساد السياسة. ثم دراسة خصوصية الحالة التونسية والبيئة الاجتماعية- التاريخية للشعب التونسي.
واحدة من أهم طبائع الاستبداد هي تعميم ثقافة الفساد في السياسة والمجتمع على أوسع نطاق ممكن . وأن يجري هذا التعميم مترافقا مع نشر ثقافة الخوف والرعب من التفكير بالتعبير الحر وليس مجرد التعبير. يعرف الشعب التونسي وكل من عاش في تونس خلال سنوات العهد البائد أن فساد السياسة قد أدى إلى مصادرة كل شيء، ابتداءً من مصادرة السياسة ذاتها من حياة الناس وتفكيرهم، مروراً بمصادرة الثقافة والاقتصاد، وانتهاءً بمصادرة كل الحريات العامة، كتحصيل حاصل. ومن الإنجازات الإبداعية لنظام بن علي أنه أضاف طبعاً جديداً لطبائع الاستبداد وهو القدرة على إظهار نفسه كنظام نموذجي في السياسة والاقتصاد والثقافة والحريات العامة والفردية، وفي كل نواحي الحياة الأخرى، وفي محاولة إقناع التونسيين والتونسيات، ثم العالم كله، أن الحياة في تونس، تكاد تكون بمثابة الجنة الأرضية. وذلك من خلال ما يوفره النظام البوليسي الشديد المركزية والحزم، من أمن واستقرار وتنمية وضمان للحريات الفردية الاجتماعية . وكان يمارس إبداعاته إلإقناعية تلك، ضمن منطق خطاب " بكل حزم.. بكل حزم".
لكن من سوء حظ الدكتاتور ومنظومته الأمنية القوية، أنهم كانوا يحكمون شعباً يمتلك الكثير من أوراق القوة التي لم يكونوا يمتلكونها. فالشعب التونسي يمتلك ذاكرة وتربية وطنية أصيلة، كما يمتلك تقاليدَ عريقة في العمل النقابي والنضال الاجتماعي والوعي الحقوقي والدستوري، بالإضافة إلى مستوى عال جداً من التعليم والثقافة والفنون. كل هذه العناصر الأساسية شكلت نوعاً من البيئة الاجتماعية المميزة لتونس وشعبها المعروف بثقافة الانفتاح والتسامح القائمة على إحساس عال بالكرامة الوطنية الجمعية والفردية. فبرغم كل مساعي النظام، على امتداد ربع قرن، أن يفكك العناصر الأساسية لتلك البيئة، وقد بدا له أنه نجح في ذلك إلى حد بعيد، إلا أن حادثة الشهيد محمد البوعزيزي، وقد جاءت مثل أثر الفراشة التي شكل احتراقها سبباً كافياً لخروج الجمهور غاضباً من مشاهدة مسرحية شريرة تافهة كان مجبراً على حضورها بصمت وقهر، على امتداد ربع قرن من الزمن البنفسجي اللون للممثل الأوحد المحاط بجوقة من الفاسدين والحراس والعسس. ومن باب الطرافة، بعد إلقاء الرئيس المخلوع لخطابه الأخير الذي يمكن تسميته خطاب الدكتاتور المذعور، قال فيه لشعبه ضمن محاولة بائسة لتقليد العبارة الشهيرة للجنرال ديغول، ولكن بلهجة تونسية محببة: " أنا فهمتكم، فهمتكم" وقدم فيه سلسلة من الوعود بالإصلاح والديمقراطية والحرية، سألت صديقاً تونسياً ، هل سيسامحه الشعب ويهدأ ويقتنع بهذه الوعود؟ قال لي: "لو كان بن علي أذكى قليلا لقدم هذا الخطاب قبل عشر سنوات مثلاً، وطلق زوجته واعتقل إخوانها الفاسدين الذين نهبوا البلاد وأذلوا الناس، فربما كان الشعب سيسامحه ويقتنع بوعوده ويمنحه فرصة أخرى كي يبقى في الحكم، أما الآن فهذا غير ممكن". في اليوم التالي لهذا الخطاب كان الدكتاتور المذعور المخلوع يجوب الأجواء بطائرته ليلاً، باحثاً عن دولة تؤويه فلم يجد غير المملكة السعودية، وانتهى عهده في الظلام مثلما بدأ.

تحليلات كثيرة كتبت وسوف تكتب في هذا السياق، غير أن فهم حقيقة الوضع يتطلب شيئاً من معرفة وفهم هذه البيئة الاجتماعية التونسية، وفهم الشخصية التونسية أيضاً . فحادثة البوعزيزي التي أشعلت ثورة الكرامة والحرية في تونس، ويقوم الآن شباب عربي غاضب بتقليدها من الجزائر إلى اليمن، هي حادثة بنت بيئتها التونسية المتسامحة والشديدة العاطفة والحساسية تجاه فعل من هذا النوع. وقد جاءت تلك الحادثة في لحظتها التاريخية الناضجة تماماً لاستقبالها والتحرك بناءً عليها. فمنذ سنوات طويلة كان الشعب التونسي يعاني ليس من الاستبداد والقمع والفساد والإفقار المنظم فحسب، بل يعاني من جرح في الكرامة الوطنية الجمعية والفردية. كثيراً ما كان الشعب التونسي يهمس بالحنين إلى أيام الزعيم الراحل بورقيبة، الذي رفض هذا النظام أن يسمح لشعبه أن يودعه بجنازة تليق به، أو يهمس بالخجل من حقيقة كان يعرفها جيداً، وهي أن زوجة الرئيس بن علي هي التي تقود البلاد فعلياً بالتعاون مع عصابة آل الطرابلسي، وأنها تهيئ نفسها للرئاسة القادمة عام 2014. ناهيك عن معرفة الشعب لتاريخها الشخصي ومواصفات كفاءتها المهنية..(يلقبها التونسيون بالحجَامة، أي الحلاقة) هذه الحقائق وعوامل أخرى غيرها كان الشعب يهمس بها همساً، وبدأ يتداولها جيل الشباب التونسي المستقل عبر الفيسبوك وغيره من المواقع الاجتماعية ، هي التي صنعت الثورة أو الانتفاضة الشعبية الشبابية التونسية تماماً .تلك الانتفاضة التي ستكون بدورها كأثر الفراشة في ليل العرب.

يقال في تونس الآن وخارجها الكثير من الكلام السياسي وغير السياسي، وهنالك من يحاول تجيير الثورة لمصالح حزبية ضيقة والمزايدة عليها، وهنالك أعداء داخليون وخارجيون خائفون منها ويتآمرون عليها. خطاب القذافي يمكن أيضاً فهمه كخطاب الشعور بالمصير المشترك القادم ، فهو خطاب موجه للشعب الليبي، على طريقة المثل القائل: إياكِ أعني واسمعي يا جارة. أما إسرائيل التي تتشدق بديمقراطيتها، فلم تخفِ حزنها وأسفها على سقوط نظام بن علي، وباشرت فوراً بالترويج لخطر التطرف الإسلامي القادم في تونس، مع علمها وإدراكها التام بحقيقة الأمور، وبأن هذه الانتفاضة أثبتت غياب التيار الإسلامي عنها تماماً. لكن تصريحات الزعماء الإسرائيليين وخصوصاً سيلفان شالوم ، تحاول أن تتلاعب على مزاج شعبوي لتضخيم دور تيار الإسلام السياسي في تونس، مع إدراكها المسبق لضآلة هذا الدور.
يُراد لشعوبنا العربية كلها أن تبقى مشلولة الإرادة أمام ثنائية اختيار أحد الشرين كأنهما قدر لا رادَ له :إما استبداد أنظمة تتدثر بعباءة العلمانية وتنزع روحها وعقلها، وإما استبداد التيارات الأصولية والظلامية التي تنزع أساس وجود فكرة بناء الدولة الحديثة وتجهضها قبل ولادتها المتعثرة..انتفاضة تونس المجيدة أثبتت من بين ما أثبتت، سقوط هذه الثنائية القدرية الشريرة .
أخيراً، لا بد من كلمة لمن يوجهون النصائح للشعب التونسي البطل من المكاتب المريحة في استديوهات الفضائيات ، ويختلفون على تسمية انتفاضته المجيدة، أليس من الأفضل التوقف عن ذلك والتفكير باستخلاص وتعلم الدروس من هذا الشعب الذي أثبت جدارة ووعياً قلَ نظيره في بلادنا العربية ؟






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوليان أسانج : الرسالة والصفقة.
- أوّلُ الغيث : هدف برازيلي في مرمى الشرعية الدولية
- ويكي ليكس : لعبة الأمم والعولمة الماكرة .
- في الذكرى السادسة لرحيله: كي تبقى العرفاتية فكرة حيّة .
- خصوصيات ثقافية حمّالة أوجه.
- فيروز أسمى من قرار المنع
- سلوك القطيع وسيكولوجيا الحشد
- اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وفزّاعة التوطين!!
- سياسة العمق الاستراتيجي لتركيا وحصار غزة
- ما بعد رياح السماء ودلالاتها.
- محاكم التفتيش الجديدة والثقافة الاعتباطية.1-
- حوار الأديان -3 :دور الجامعات ومراكز البحث العلمي في بلادنا ...
- حوار الأديان: هل يستطيع الفارس أن يجري أسرع من جواده؟(2)
- حوارُ الأديانِ : هلْ يستطيعُ الفارسُ أن يجريَ أسرعَ منْ جواد ...
- مقال
- السباحة في بحر الفيسبوك
- تأملات في قضية المرأة .
- الثقافة الوطنية وحالة - أمير حماس الأخضر-.
- فولكلور سياسي
- دروس دبي.


المزيد.....




- فاوتشي: دراسة أكسفورد حول جلطات الدم ولقاحات كورونا تحمل بعض ...
- بي بي سي: تلقينا أكثر من 100 ألف شكوى بعدم الرضا عن تغطية وف ...
- توب 5: إعلان حوثي عن استهداف أرامكو.. وعقوبات أمريكية على رو ...
- موسكو: أبلغنا سفير الولايات المتحدة بأننا سنرد قريبا على الع ...
- تحقيق إماراتي : سبب وفاة -الرجل الطائر- الفرنسي هو الفشل ف ...
- شاهد: إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات في ميانمار
- فرنسا تحث مواطنيها على مغادرة باكستان مؤقتا بسبب المظاهرات ا ...
- مصر تصر على التعويض وتسمح لأفراد من طاقم -إيفر غيفن- بالمغاد ...
- السودان ينفي زيارة وفد سوداني لإسرائيل وإنشاء قاعدة روسية
- الراقصة لورديانا تحسم جدلا مثارا حول حلقتها في برنامج -رامز ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - تونس وأثر الفراشة.