أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - تونس تكسر النمط















المزيد.....

تونس تكسر النمط


رائد الدبس

الحوار المتمدن-العدد: 3254 - 2011 / 1 / 22 - 00:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تونس تكسر النمط. / رائد الدبس.

بعد نجاح الثورة الشعبية التونسية بإسقاط نظام بن علي، انفتحت أبواب تونس على مصراعيها لدخول السياسة التي كانت منفيّة في كل المنافي البعيدة مثل أبنائها. وكان من طبيعة الأمور أن يثور الجدل حول كافة أسئلة السياسة والمجتمع، ابتداءً من نظام الدولة ودستورها ومؤسساتها وأملاكها، مروراً بالقوانين المتعلقة بالأحزاب والانتخابات والإعلام، وقضايا الصحة، والتعليم والضمان الاجتماعي والغذاء والماء والكهرباء، وكل نواحي الحياة.

تناولتُ في مقال سابق بعنوان: تونس وأثر الفراشة، طبائع الاستبداد التي أبدع النظام البائد في تطبيقها وابتكارها، وصادر السياسة من حياة الناس بصورة شبه كلية تنحصر في التصفيق وإعلان الولاء للرئيس والحزب الحاكم. وبما أن الطبيعة لا تحتمل الفراغ، وخصوصاً فراغ السياسة، فكان مشهد عودة السياسة إلى تونس لافتاً جداً في بلاغته وقوته، وكأنه عودة الروح إلى الجسد. لذا فقد تحولت كل الساحات والشوارع إلى أماكن للتجمع والنقاش السياسي المتعطش لمناخ الحرية والعصف الفكري، وبات شارع بورقيبة الشهير في وسط العاصمة تونس، يشبه "هايد بارك" لندن، بل ربما يتجاوزه كثيراً في هذه الأيام.. وذلك أمر طبيعي وصحي تماماً، وخصوصاً أن الشعب التونسي يمتلك قدراً عالياً من التعليم والثقافة التي تؤهله لممارسة السياسة التي كان محروماً منها خلال سنوات طويلة .

الانتفاضة الشعبية التونسية، هي الانتفاضة العربية الأولى التي أنجزت تغييراً فعلياً لنظام استبدادي، دون اللجوء لقوى خارجية كبرى أو صغرى، ودون تدخل الجيش عبر الانقلاب العسكري. فهي إذاً أول انتفاضة شعبية عربية ترسم ملامح القدرة الشعبية على إنجاز التغيير المنشود، دون الاستعانة بثنائية : إما الدعم الخارجي أو انقلاب العسكر. وبقدر ما يمنحها هذا الأمر شرعية وحصانة كبيرة، فإنه يمنحها صفة الاستمرارية والديمومة حتى تحقق أهدافها كاملةً. تلك الأهداف التي لم تعد تقتصر على رحيل بن علي ونظامه، بل تطال جوهر وطبيعة النظام الجديد المنشود، وإرساء القواعد الجديدة للعبة الديمقراطية، واعتبار كل ما تعلق وارتبط بنظام بن علي في حكم الماضي البائد، أو "كادوك" (متقادم). سواء كان ذلك حزب التجمع الدستوري، أم الشخصيات والرموز المرتبطة به، أم المؤسسة الأمنية الفاسدة، أو رجال المال والأعمال الذين ارتبطوا بعلاقات مشبوهة مع الرئيس المخلوع وعائلته وأصهاره.

بيد أن تاريخ الثورات الشعبية يؤكد أن كل ثورة شعبية تحتاج لقيادة موحدة تقودها وتمضي بها لتحقيق أهدافها النهائية. فهل من قيادة موحدة للثورة الشعبية التونسية تقودها وتنطق وتتفاوض باسمها؟ هذا سؤال محوري كبير يتداوله كثير من المحللين والمراقبين، داخل تونس وخارجها. وفي الإجابة عن هذا السؤال، تكمن خصوصية الحالة التونسية التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار جيداً قبل الحديث بصورة نمطية مثلما يحدث الآن في بعض المنابر والفضائيات. علينا أوّلاً أن نفرق بين مسألتين : من يقود الثورة الشعبية ويحركها حتى هذه اللحظة. ومن يمكنه أن ينطق باسمها أو يتفاوض بالنيابة عنها. فالكل يعلم الآن أن الذي صنع الثورة هو جيل الشباب التونسي المستقل، من خريجي الجامعات أو من الطلبة الجامعيين والثانويين. ثم التحقت بهم النقابات المهنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابة المحامين وغيرها. ثم بدأت الفضائيات تستضيف بعض الشخصيات المعارضة من خارج تونس وداخلها بعد الأسبوع الثاني والثالث، حين بدا للعيان أن الثورة في تونس توشك أن تحقق إنجازاً كبيراً طال انتظاره.

واحدة من الحقائق المعروفة في تونس، أن النتيجة المنطقية لأكثر من ربع قرن من حالة التصحّر السياسي التي فرضها الدكتاتور المخلوع، أن أحزاب المعارضة التونسية التقليدية بكل أطيافها السياسية، قد تمّ تهميشها وإقصاؤها عن المجتمع بصورة شبه تامة. ثم إنها تفتقر لوجود شخصيات معروفة للناس، تحظى بكاريزما أو بشعبية ما. فمن المفارقات التي أظهرتها هذه الثورة، أن جيل الشباب الذي صنع الثورة وأسقط بن علي، يكاد لا يعرف أحداً من رموز أحزاب المعارضة. نحن إذاً أمام مشهد سياسي جديد غير نمطي وغير مألوف. فالحزب الافتراضي الأكبر والأكثر شعبية في تونس هذه الأيام هو حزب شباب وشابات الفيسبوك الذين صنعوا الثورة، ويليه من حيث الشعبيّة حزب افتراضي آخر وهو حزب الجيش الذي وقف موقفاً مشرفاً إلى جانب الشعب.. أما حزب التجمع الذي كان عدد أعضائه حسب المعطيات الرسمية 2.4 مليون عضو، فيكاد اليوم يعجز عن جمع 240 عضواً لعقد اجتماع.. ويبدو أنه يسير الآن في طريقه إلى التفكك الذاتي وإعلان حلّ نفسه بنفسه أو بقرار قضائي. أما أحزاب المعارضة وقياداتها التي هرمت وشاخت أكثر من النظام، فهم مجرد معلقون على الأحداث أو محللون سياسيون دون امتلاك ما يكفي من قواعد شعبية تلتزم بما يقولونه بالمعنى الحزبي أو التنظيمي.

وبناء عليه، فلقد أثبتت هذه الثورة أنها الأولى من نوعها التي استطاعت أن تحقق إنجازات سياسية كبيرة، بقيادةٍ وتنظيمٍ شعبيّ جديد وغير مألوف، وأن تكسر النمط الذهني النظري الذي ساد وسيطر على معظم أدبياتنا السياسية لعقود طويلة. وهي لا تبدو مستعدة حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن تمنح تفويضاً لأحد كي ينطق باسمها أو يتفاوض بالنيابة عنها. وقد يقول قائل: كيف ذلك وإلى أين تسير إذاً ؟ والجواب يكمن في متابعة دراسة هذه الحالة الجديدة الغير نمطية، التي ستفرز من داخلها ممثليها الحقيقيين من جيل الشباب، دون استثناء إمكانية حدوث تسويات سياسية مؤقتة تفرضها ظروف المرحلة الانتقالية لحين الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة.

هنالك اليوم هواجس ومخاوف مشروعة ممّا يمكن أن يهدد الثورة الشعبية وإنجازاتها. وأغلب المحللين يركزون على مخاطر سرقتها إمّا على أيدي بقايا رموز وأركان النظام وحزب التجمع، أو على أيدي بعض الذين تسلقوا عليها والتحقوا بها دون أن يصنعوها أو يشاركوا فيها بقدر فاعل، سواء كانوا من بقايا أحزاب المعارضة اليسارية والقومية أو الإسلامية.. أو أن يضطر الجيش إذا انزلقت البلاد إلى فوضى سياسية وأمنية كبيرة، أن يأخذ زمام السلطة بيديه . إزاء تلك الهواجس يمكن القول أن الوقائع الواضحة في الشارع التونسي ترجّح ما يلي:
أولاً. إن الشباب الذين صنعوا الثورة يُظهرون مستوىً عالياً ومفاجئاً من الإدراك واليقظة تجاه كل أنواع المخاطر السالفة الذكر.
ثانياً. برغم الفوارق الكبيرة والمتعددة، فإن كل الوقائع تذكر بالانهيار التام الذي شهدته الأحزاب التي كانت تحكم المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي السابق بعد انهيار الأنظمة. فالحزب الذي كان ينفرد بالحكم باسم سلطة مستبدة ، لا بد له أن ينهار ويتلاشى عندما تنهار السلطة، سواء امتلك أيديولوجيا أم لم يمتلك، مثلما هو حال حزب التجمع الذي يفتقر لأي قضية تمنحه شرعية البقاء في الحياة السياسية.
ثالثاً. يبدو كثيرٌ من رموز وأحزاب المعارضة التي كانت مُغيّبة قسراً أمام الشعب الآن، في حالة "طلب صداقة جديد".. وليس بمقدورهم سوى انتظار القبول المشروط.
رابعاً. ليس هنالك ما يشير إلى أن الجيش الوطني التونسي طامع بالسلطة ، حتى هذه اللحظة.
خامساً. تبدو التصريحات التي تحاول التطبيل أو التهويل من مخاطر التطرف الأصولي والأفكار الظلامية، غير ذات صلة بالواقع الاجتماعي- السياسي التونسي، وبعيدةً عن الواقع. تكفي الإشارة إلى أن خطر سيناريو بقاء الحكم الاستبدادي للرئيس المخلوع، ومن ثم استيلاء زوجته على الرئاسة، كان يمكن أن يشكل أفضل وصفة للتطرف والأصولية والظلامية، التي قطعت الطريق عليها ثورة تونس المجيدة. ويدرك من يعرف تونس وشعبها ولو قليلاً، أن أي نصائح تأتي من خارج تونس في هذا الشأن وغيره، لن يكون لها أثرٌ ذو قيمة فعلية.

أخيراً، تجربة ثورة تونس الشعبية الشبابية الفريدة، أنجزت الكثير حتى الآن ولا تزال تعد بمزيد من الإنجازات، ورياح التغيير القادمة من شواطئ قرطاج سوف تصل إلى شواطئ أخرى . من كان يعرف تونس في العهد البائد لم يكن يتخيل أن تطالها نسمة تغيير واحدة، ولكن التغيير حدث وفاجأ الجميع دون استثناء.. إنها الطبيعة، طبيعة الأمور.. التغيير وليس الجمود والركود.
فلتحيا تونس وشهداؤها وشعبها البطل. ولننظر إليها بعين الاحترام والتقدير والحب، ولندرس تجربتها وندرّسها، بدل إسداء النصح لها. فأهل تونس أدرى بثورتهم وحاضرهم ومستقبلهم.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تونس وأثر الفراشة.
- جوليان أسانج : الرسالة والصفقة.
- أوّلُ الغيث : هدف برازيلي في مرمى الشرعية الدولية
- ويكي ليكس : لعبة الأمم والعولمة الماكرة .
- في الذكرى السادسة لرحيله: كي تبقى العرفاتية فكرة حيّة .
- خصوصيات ثقافية حمّالة أوجه.
- فيروز أسمى من قرار المنع
- سلوك القطيع وسيكولوجيا الحشد
- اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وفزّاعة التوطين!!
- سياسة العمق الاستراتيجي لتركيا وحصار غزة
- ما بعد رياح السماء ودلالاتها.
- محاكم التفتيش الجديدة والثقافة الاعتباطية.1-
- حوار الأديان -3 :دور الجامعات ومراكز البحث العلمي في بلادنا ...
- حوار الأديان: هل يستطيع الفارس أن يجري أسرع من جواده؟(2)
- حوارُ الأديانِ : هلْ يستطيعُ الفارسُ أن يجريَ أسرعَ منْ جواد ...
- مقال
- السباحة في بحر الفيسبوك
- تأملات في قضية المرأة .
- الثقافة الوطنية وحالة - أمير حماس الأخضر-.
- فولكلور سياسي


المزيد.....




- فاوتشي: دراسة أكسفورد حول جلطات الدم ولقاحات كورونا تحمل بعض ...
- بي بي سي: تلقينا أكثر من 100 ألف شكوى بعدم الرضا عن تغطية وف ...
- توب 5: إعلان حوثي عن استهداف أرامكو.. وعقوبات أمريكية على رو ...
- موسكو: أبلغنا سفير الولايات المتحدة بأننا سنرد قريبا على الع ...
- تحقيق إماراتي : سبب وفاة -الرجل الطائر- الفرنسي هو الفشل ف ...
- شاهد: إحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات في ميانمار
- فرنسا تحث مواطنيها على مغادرة باكستان مؤقتا بسبب المظاهرات ا ...
- مصر تصر على التعويض وتسمح لأفراد من طاقم -إيفر غيفن- بالمغاد ...
- السودان ينفي زيارة وفد سوداني لإسرائيل وإنشاء قاعدة روسية
- الراقصة لورديانا تحسم جدلا مثارا حول حلقتها في برنامج -رامز ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الدبس - تونس تكسر النمط