أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نوري قادر - في ذكرى رحيل الشاعر رشيد مجيد




في ذكرى رحيل الشاعر رشيد مجيد


محمد نوري قادر

الحوار المتمدن-العدد: 3359 - 2011 / 5 / 8 - 12:41
المحور: الادب والفن
    


في ذكرى الشاعر الراحل رشيد مجيد
نافذة على قمر لم يرحل

محمد نوري قادر
يجلس على كرسي أمام منزله أحيانا بسبب مرض القلب الذي أعياه كثيرا , متكأ على سنينه السادسة والسبعين وعشقه المولع بحب العراق , محلقا بفضائه الواسع كطائر يخفق جناحيه على جنوبه , مفعم الحب لمدينته الناصرية التي ولد فيها عام 1922 , في محلة السراي , محبا لوالديه , الابن البكر لهما , ولم يكن لهما تأثير في ميوله ,ولم يكن شيوعيا ,لكنه اتهم بها بسبب حماسه ووطنيته , مخلصا جدا وتقدميا , اعتقل بعد ثورة 14رمضان بعد ردة تشرين بتهمة انتمائه للحرس القومي وكونه المصور الرسمي ولم يكن كذلك فقد كان مصورا تابع للدولة وفي وظيفته العادية فأطلق سراحه .
خجولا جدا وذلك ما جعله في بداية مشواره الشعري أن يعطي قصائده الوطنية لامرأة تقرأها بدلا عنه في المناسبات والمهرجانات التي كانت تقوم حينذاك في بغداد أيام كانت النار تغلي في العروق مشتعل لهيبها في الوثبة , عاش أجمل أيام طفولته وصباه في أزقتها ومحلاتها , متنقلا فيها شاديا أغانيه على شاطئ الفرات ولياليه التي ملكت قلبه شجن وأثارت في نفسه حب الأرض وسكنت روحه طويلا ولم تفارقه , مستمدا عطره من تاريخها الموغل بالقدم ورائحتها التي تفوح نقاء وأصالة , واقفا ببهاء مرتلا إياها بقصائده , ولم تمنعه أن لا يكون غير بعيدا عما يعتمر دواخله من وله , يرثي نفسه قبل وفاته عام 1998 خائفا قلبا رقيق العواطف أن يخذله بمحاكاة عذبة وتوسلات صادقة نابعة من شغفه وعتاب مر في قصيدة ( يا قلب ) كي لا يطويه أو يلفه النسيان مصورا العتمة التي لابد منها والتي تنتظره ومصير محتوم لابد منه , بلا أهل أو صحبة أو وطن , دقيقا في نقل ما يشعر به وهو في عمره هذا, عندما لا يكون النهار هناك , أو يرحل إلى الأبد . يخرج أحيانا من عزلته ,بعد أن تقدم به العمر قليلا , من منزله القريب من الكراج القديم المجاور لمحطة تعبئة وقود الناصرية, كهفه كما يقول , شعره أصبح بلون الثلج ,كئيبا يبدو كعادته من لا يعرفه معرفة حقيقية , صامتا طوال الوقت , متوقفا أحيانا في طريقه الذي يقطعه مشيا على الأقدام حتى مركز المدينة, بهيا رغم تجاوزه السبعين عاما وربما أكثر , متدفقا كالينبوع , متجددا كالنهر ,( أوري) بكل معنى الكلمة , بكل صفاتها , يملكه حبا انتمائه لمدينته وصوتها الذي يدوي قي أعماقه , يغازلها أحيانا بهمسة وأحيانا لا يقوى فتصدح في كلماته قصيدة , ممتدة عميقا في جذوره , عاشق حد الدهشة لها , ممتزجا بها كالماء والتراب , لذيذا كطعم التمر في عراقي . يطوف في بعض أجزاء المدينة , يتأمل أزقتها , شوارعها التي أصبحت صاخبة , ليس كما عهدها وعرفها سابقا , كأنه يريد استرجاع شيء فقده , أو ذكرى أيام مضت تخدش بعضا من ذاكرة متقدة , كنار تتلظى في جوفه ,في مقهى عزران والأمسيات الجميلة التي كان يقضيها في ذلك المقهى الذي كان أشبه بالمنتدى مع أصدقاءه الذين رحلوا, من اجل قضاء بعض الوقت , تغمره أحيانا ببعض الفرح الذي ينشده , وفراغ يملئه , مثل شجرة لا تقوى على البقاء بعيدة عن الماء فترة أطول , يقضي بعضا من يومه بشراء بعض ما يحتاجه , أو أشياء يحتاجها كثير جدا في مسكنه , متسائلا أحيانا عن منشأها , كي لا يشعر انه خدع كما في مرات سابقة , تطربه الأسواق القديمة , لأنها كما يقول هي الأصل وفيها تجد ما تحتاجه بأقل من سعره , ليس ما يزعجه سوى أقدامه التي لا تقوى على حمله ولا تجعله يمشي طويلا كما يتمنى ويريد ,يقضي كثيرا من الوقت متمتعا بصحبة من يود , وأحاديث لا تنتهي عن أيام الطفولة والشباب والدماء الثائرة في عروقه ,ومتعة أخرى حين يزور صديقه الخياط صلاح الشيخ حسن متتبعا أخبار الأصدقاء , متذكرا وإياه عما يدور ويحدث وسط قهقهات عالية ونكات تداعب روحه عند الغروب يعود متعبا إلى منزله , على الرغم منه بسبب ما يشعر به , مطمئنا أن كل ما رآه بحاجة إليه وانه جزء من هذه المدينة التي يحبها بشغف ولن يفارقها إلا أياما معدودات , كان يشعر فيها بالضياع وجرحا ينزف مودة .
متعدد المواهب , شاعر له حضوره المميز ,وصوت شادي في سماء المدينة , عمل مصورا في بداية حياته , يجيد فن الخط , امتهن التصور كحرفة إضافة إلى ما ينشده منها , صوته الشجي عذبا كروحه , حين تصغي إليه تشعر انه صوتك الخفي ,ويشعرك أيضا بالألفة عندما ينشد قصائده , وانك تستمع لصوت ينبعث من أعماقك السحيقة , من ارض ملكها العشق لهذا الوجد , مرسخة كأغاني في جوفه , متفاخرا جدا انه ينتسب لهذا التراب , تغمرك أنفاسه عطرا , وفي نفس الوقت بتساؤلات عن سر العشق , مبهمة وبريئة , ملكته حتى أيامه الأخيرة , متوهجة في طريق يعرف وعورته , يرسم أيامه بخط يده , وما زرع بحرف يسكنه الجمال والصدق بما يغمره من وجدا ونقاء , عيناه لا تفارق أبدا من أحب , ولا تشغل باله الأحلام , فقط ما يراها أمامه كما هو , واثق بخطواته وما تنطق به قريحته , كلها أنغام تطرب لها نفسه, كتبها في متعة على الورق ليقول إني هنا , إني من رحمك أيتها الأرض والواحة . صادق الانتماء , وفيا كل الوفاء لها , سعفها , اهوارها , سمائها , ترابها الذي لا غيره يعشق .
فازت مجموعته الشعرية ( بوابة النسيان ) عام 1969في فرنسا كأفضل ديوان شعر خلال مسابقة الأدب العربي هناك ,أقيم له حفل تكريمي حضره المعنيون بالثقافة والأدب , كما فازت قصيدته الرائعة ( العراق موطنه تموز ) كأفضل قصيدة شعرية في مهرجان المربد الشعري الثالث .
ترك لرحيله مجاميع شعرية في دواوين مطبوعة منها (بوابة النسيان) عام 1970 و (وجه بلا هوية ) عام 1973 و ( الليل وأحداق الموتى ) عام 1974 و ( العودة إلى الطين ) عام 1979 و (لا كما تغرق المدن ) عام1982 و( النجم ولكن ) عام 1984 , كما له مخطوطات عديدة منها (طائر الجنوب , في صحبة الريح , للحزن مناسك , وأنت يا سيدتي , من أين جاءوا , للحب خفايا , الجذور , وكان للمجد كلمة , قمر خلف الباب , العرافة , في الشوك وردة )
له قصة حب حقيقية مع امرأة يهودية اسمها ليلى وهي هاجسه الخفي , تسكن أعماقه , يبوح بها أحيانا عندما يجد ذلك لابد منه , أحبها بكل جوانحه علمت بحبه في وقت متأخر , ولم يراها أبدا حيث سافرت إلى إسرائيل عام 1948 ولم يعلم بسفرها إلا بعد خروجه من الاعتقال الذي دام أكثر من شهرين وربما أكثر بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي , وكانت تحمل بعض من قصائده , وكانت حبه الأول
(( إن دمي يضج باسمك من آن إلى آن ))0
في سنواته الأخيرة وبسبب عمره وألم السنين أصبح يشكو من قلة السمع فكتب
* معذرة إن لم أكن أسمعكم
من أغلقت يداه بابي000 أغلقت،
سمعي000 فلا أعي سوى حشرجتي ،
ورفة الحزن وما ينزف قلبي في فمي

ذلك هو الشاعر رشيد مجيد المتوهج شعرا وتألقا رغم مرض القلب الذي أتعبه كثيرا أواخر أيامه وأبعده بعض الشيء عن الأضواء , لكنه يعيش معنا في كل لحظة , كل ما يتمنى أن تجمع بعد رحيله كل دواوينه وما كتبه في مجلد واحد .

ومن بعض قصائده

من يشتري ؟
و بقافية
سأبيع ما ملكت يدي
سأبيع حتى العافية
العمر 00لا 00 لا شيء غير ضبابه
وضلال أيامي وما خلف الليالي الباقية
من يشتري
عقبى غوايتي فأني تائه
متوجس الخطوات مكدود القوى
أتأمل المجهول ، اسأل عن غدي فيما انطوى ،
أتثور أيامي على مستنقعي000؟
ماخور أوزاري، ومهوى عفتي
يا بؤس من مخدع
تابوت أشلائي يجر وراءه
هذي البقية من أس وتفجع
محراب تكفيري الذي قوضته
لأعد من أنقاضه مبغى لجائعة معي
زنزانتي
يا ما تبدد وانطوى فيها نداء ضميري المتضرع

ـــــــــــــــ

يا ضمير الله أين الملتقى؟
أين يستوطن ظلي ؟
فلقد تاه بدربي ، وانتهى 000
كل شيء كان حولي


*******************
ويرثي نفسه


من سيبكيك في غــــــــد يا رشيد يــــــــــــــوم يحدو بك الفناء الأكيدُ
عندما يرحـــــــــــل النهار وتبدو وحشة الليــــــــــل والمسوخ السود
وتدب الهوام فـــــــــــــــي مستقر أطبق الطين فـــــــــــــــوقه والدود
واراني ، ولا أرى غـــــــير شلوا غيبته عـــــــــــــــــن الحياة اللحود
من سيبكي الذي بكى مـــــن تناؤا ثم أغــــــــــــــفى وما وفاه القصيد
هجروه، انتهى، نسوا كــــل شيء الخليل الذي نأى لا يــــــــــــــــعود
كان بالأمس ، وانطوى كـل شيء عمره000 والجفاف00 والتسهيد
فلمــــــــــــن تهرق الدموع ويشدو وتر الشعر ، والمــــــــــراد بعيد ؟
إنها ســـــــنة الحياة 00 ستهوى بالقدامـــــــــــــــــى ليستقر الجديد
شاعر مات وانتهى ، ثـــــم ماذا ؟ كلنا ننتهي غــــــــــدا 000 أو نبيد
فلمـــــــــن يكتب الرثاء ، ويزرى بالقوافــــــــــــــــي ويستباح النشيد
آه مـــــــــا أثقل الحياة 00 إذا ما لفظت عـــــــــــــمرها لديها العهود
فليكن آخـــــر المطاف سكون تتعرى بصمته يا "رشـــــــــــــــــيد"



***************************

الليلة ممطرة،
والبرد احدّ من السكين
وصوت الريح ، وحشرجة المطر المتدفق 000
والشارع أقفر ، إلا من أصداء خطاها ،
لاشيء سوى هذا ،
وسوى أصداء خطاها وسواها ،
وحقيبتها المبتلة ، والشعر المتثائب في ملل ،
فوق الكتفين 00 وأنملها ،
وهي تدق الباب ليفتح 00
من سيكون الليلة ضيفي 00؟
ومن الطارق 000؟
هذا وقع حذاء امرأة ستشاركني اليوم فراشي ،
فسأدخلها 000 أو سأراها ،
وانصاع الباب لها ، وامتدت قامتها 000
امرأة تعبى تتأملني ،
لم يتركها الليل ، وهذا المطر المتحدر كالسيل ،000
أن تختار مكانا غير مكاني هذا ،






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المحصّلة
- رائحة الشجرة
- عاصفة
- لا تمدِ يدك
- تعال .. لقد سئمت ترددك
- كلاب المعالف
- جرذان المهزله
- مشهد مألوف جدا
- القادم خدشته الموّدة
- قصة قصيرة جدا
- الحمير وحدها تمرح
- هكذا أقف ..
- عندما النهار صرخ
- هو فقط مَنْ فزع
- إضافة لِما حصل
- البغي ينطق جوفه
- الحكومة العراقية.. هل تستحق الثقة ؟!!
- الأغنية في الجليد
- لا تقل كنت أحمق
- الاصابع الطويلة


المزيد.....




- حفل الأوسكار المقبل في ثوب جديد .. كمامات ومجال أكبر للحديث! ...
- مساعدات غذائية.. الجيش اللبناني يعبر عن امتنانه للملك محمد ا ...
- الممثلة سهام أسيف تعود إلى الساحة الفنية عبر سلسلة -زوجتك نف ...
- ماجدة اليحياوي في #هنيونا: الفنان مجرد -طالب معاشو- !
- نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما
- الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي لطه عبد الباقي ...
- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري نجمة -بيكي بلايندرز- ع ...
- فلسطين 1920.. فيلم يوثق مقومات الحياة الفلسطينية قبل النكبة ...
- الصوم في العراق قديم وقبل التاريخ ولكن بصور مختلفة
- مصر.. ابن زوج أم كلثوم يكشف 7 أسرار في حياتها من بينها علاقت ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نوري قادر - في ذكرى رحيل الشاعر رشيد مجيد