أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - تيلي امين علي - حركة الشيخ عبيدالله النهري في الوثلئق البريطانية - الحلقة الثالثة















المزيد.....



حركة الشيخ عبيدالله النهري في الوثلئق البريطانية - الحلقة الثالثة


تيلي امين علي

الحوار المتمدن-العدد: 3102 - 2010 / 8 / 22 - 18:04
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لقد وصلت مباحثات الشيخ عبيد الله الى مستوى مرموق حيث كان يتبادل الرسائل مع الباب العالي ، وقد وصل الى مقره في ( نه هرى ) ياورالسلطان العسكري العقيد (( أحمد بك ) في شباط 1881، وقد سارع الكابتن كلايتون وكيل القنصل البريطاني في مدينة وان لإبلاغ مراجعه بإيفاد السلطان مبعوثه عند الشيخ عبيد الله وإيصال المساعدات اليه .(39) وعقد مرافق السلطان مع الشيخ اجتماعات متواصلة على مدى ثلاثة أيام وفي منزل الشيخ عبيد الله. بعد هذه الاجتماعات مباشرة زار كل من مرافق السلطان والشيخ عبد القادر والشيخ محمد سعيد خليفة مناطق رواندوز وهولير وربما السليمانية حيث كانت مشاركة عشائر هذه المناطق في الحركة ليس بالقدر المطلوب ، ووردت الاخبار ان الدولة العثمانية تقوم بخزن كميات كبيرة من السلاح في السليمانية التي تقع شرق مهاباد وترتبط معها بعدد من الطرق .ووصلت هذه الاخبار الى ايران فأصبحت في حيص بيص من أمرها ، وساد الهلع مسؤوليها في كردستان واذربيجان عندما وقعت في يدها رسالة من شخص يعيش في مدينة السليمانية الى اخيه الساكن في مدينة ( بانة ) في كردستان ايران يقول له ((تصل الى السليمانية يوميا قوات من الجنود والذخائر ، وكتب : يجب وضع 70 طابور تحت قيادة الشيخ ، ماعدا ذلك لا توجد إخبار اخرى ، لكن من الواضح ان حربا كبيرة ستقع في هذا الربيع ، لا تحتاجون الى رأينا ، انتم ايضا اصحاب عقول )). (40) فاصدر ( أمير نظام ) من تبريز، بيانا حذر فيه الأهالي والعشائر بشدة من الانضمام الى الشيخ عبيد الله وهدد بإنزال اشد العقوبات بمن يلتحق بقواته او يتعاون معها بأي شكل .

وأخذ الجنرال ( علي حسن خان ) حاكم مهاباد في اتخاذ إجراءات حاسمة للحصول على ولاء العشائر الكردية ، منها تحليفهم بالقرآن والطلاق على مساندتهم للحكومة القاجارية في اية حركة قادمة للشيخ عبيد الله .
وشرعت السلطات الايرانية الاخرى في كردستان واذربيجان بأخذ التعهدات من رؤساء العشائر وعلماء الدين والوجهاء وحتى من مختاري القرى ، يتعهدون فيها بالولاء للدولة والشاه وباستعدادهم للتصدي لحركة الشيخ عبيد الله .
كتب حسن علي خان رسالة الى ( علاء الدولة أمير نظام ) في تبريز يقول له بتاريخ 19/3/1881 (( وردت حتى الان (30) ثلاثون ألف طغار من الحنطة الى السليمانية ، كل طغار يساوي احد عشر طغار موكرياني ، وتم إيداع (19) حمل من بنادق مارتيني في مستودعات السليمانية ، كل حمل يشمل (60) بندقية ، واقيمت اكداس من العتاد وهي تصل تباعا ، وتصل فصائل من عساكر الدولة يوميا الى السليمانية ولا احد يعرف اين يذهبون ، من الواضح انه بوصول كل هذه الذخائر والمواد ستبدأ الحرب ، ماذا أقول بعد ، لا احد يفهم ماذا يعمل الروم )) (41) ويضيف علي خان يقول (( وردت رسائل من الطرف الأخر( الدولة العثمانية )، تؤكد كلها ان الأوامر قد صدرت من استانبول باستدعاء الجنود المرخصين وتسليحهم الى نهاية هذا الشهر ، إضافة الى العدد الحالي من الجنود الجاهزين ))( 42) ص
رسالة الجنرال حاكم مهاباد الى أمير نظام في 28 آذار 1881 توضح حالة الهلع التي احدثتها استعدادات الشيخ عبيد الله في المعسكر الايراني ، يريد الجنرال القيام بعرض عسكري لتخويف الكرد ، ولكنه يخشى ابقاء جنوده داخل المدينة فيعمل لاقامة معسكر لهم ويخلص بذلك الأهالي من مسؤولية اطعام جنوده ومبيتهم . يقول الحاكم عن الاجراءات التي سيتخذها بعد ان جاءته إخبار استعدادات الشيخ عبيد الله (( اولا : من يوم غد ، الاثنين ، المصادف (27) ربيع الثاني ، سأخرج الجيش الحكومي من الفرسان والمشاة والمدفعية من البيوت ومن هنا وهناك وأقوم بتجميعهم خارج المدينة وسأختار موقعا لهم أقيم فيه معسكرا وأكون انا ايضا هناك . ثانيا : من اليوم ابلغت كل رؤساء العشائر وزعماء مركز موكريان ، والذين كان معظمهم في مهاباد واخذت عنهم التعهدات، بوجوب احضار قواتهم ( من الفرسان والمشاة ) خلال مدة اربعة الى خمسة ايام ، الى سابلاخ ، كما أرسلت من يبلغ غير الحاضرين ، وأتوقع ان يحضر على الأقل 6000 رجل خلال الأيام الستة القادمة ... رابعا نظرا لبعض الأسباب ، دعيت يوم أمس الى اجتماع ، أحضرت فيه كل العلماء والأغوات والبيكات في هذه المنطقة وقد حلفتهم بالقران وبالطلاق ، بعدم الاتصال بأي من اعداء الدولة مدى حياتهم وباي شكل وباية صورة ، واذا قام الشيخ واتباعه بأي اعتداء جديد على هذه المنطقة ، وللتكفير عن جرائم العام الماضي ، ان يتصدوا له وان يعرفوا هذه المهمة مثل الجهاد كواجب على عاتقهم وعاتق مسلحيهم ، وان لا يدعو جنود الدولة يلجئون الى السلاح مادام احد منهم باقيا في الحياة )).(43)


بغية ترصين الوحدة الداخلية الوطنية كان لا بد للشيخ عبيد الله ان يضمن ولاء الاشوريين والارمن من مواطني كردستان الى جانبه ، ليس لانه كان يخشى ان يميل هؤلاء الى المعسكر الأخر بل لانه كان يؤمن ان شعب كردستان يعاني الظلم والقهر بكل فئاته القومية والدينية ، ارسل الشيخ عبيد الله رسالة الى شيخ ( آلاشكير ) وطلبه منه ان يكف عن الارمن وان يدعهم لشأنهم في علاقاتهم مع تركيا وبين انه يجب ان يكون هناك تحالفا كرديا ارمينيا لان مثل هذا التحالف أنجع من التحالف مع الترك او الفرس . كما ان الشيخ عبيد الله يخطب في كنيسة ارمنية ويقر بالحقوق المتساوية للمسلمين والمسيحيين ، على ما يبدو كان الاشوريون اكثر تجاوبا مع طلبات الشيخ وقد ساهموا في الحركة بنشاط .
في هذه المرة ايضا ( بذل الشيخ عبيد الله جهودا كبيرة لجر الاشوريين الى الحركة التحررية فقد راسل( مار شمعون) لفترة طويلة ، وفي أوائل عام 1881 بعث الى ( كوجانيس ) مقرمار شمعون المطران الاشوري الذي كان يعيش قرب شمزينان ))(44) وحمله رسالة الى المار .
لقد أشارت جريدة ( مشاك ) الارمنية الى ان المار شمعون وخمسة عشر ( ملكا ) اشوريا وعدوا الشيخ عبيد الله بمساندته والاشتراك في اية انتفاضة اخرى ضد السلطات الايرانية التي كانت تقمع المسيحيين وتفرض عليهم ضرائب اعلى ، بل كان القانون الايراني يخول الفرد المسيحي الذي يعلن إسلامه الاستحواذ على كل ممتلكات اسرته ! وحتى الفتاة المسيحية التي كانت تتزوج من مسلم او يتم خطفها من قبل مسلم ، كان القانون يلزم أسرتها المسيحية منحها الكثير من الأموال والممتلكات . واذا أسلمت وجب على أسرتها التخلي عن أموالها لصالح المسلمة الجديدة .(45) كما كانت الضريبة السنوية المفروضة في ايران على المسيحيين اكثر من تلك المفروضة على المسلمين .(46) ولم تكن شهادة المسيحيين ضد المسلمين مقبولة في القوانين الايرانية(47
بموازاة هذه الجهود أراد الشيخ عبيد الله الاستفادة من تجربة الحركة في عام 1880 فاستخدم عنده ضباط متقاعدون من الجيش التركي لتدريب الجنود الكرد وإعدادهم للقتال ، كما استخدم مدربون كرد وعرب ايضا وخصص لهم رواتب شهرية منتظمة ومعسكرات ومعدات التدريب العسكري .
وحاول ايضا جمع السلاح بشتى الوسائل ودفع أثمانا باهظة للحصول على أسلحة حديثة ، ولهذا الغرض أقام اتصالات مع العسكريين والموظفين الترك لشراء الاسلحة منهم ، فعلى سبيل المثال ارسل مبعوثا الى قائمقام ( شاتاخ ) وكتب اليه يقول (( ابعث لي حسب استطاعتك من بنادق مارتيني ، سنيدر ، فينتشيستر ، وما أمكن من بنادق مارتيني ))(48).
حاول الشيخ عبيد الله الحصول على أسلحة من مصادر متعددة .
هناك عشرات الوثائق تبين ان الدول العظمى ضغطت بشدة على الباب العالي وسدت جميع الابواب بوجهه للتعاون مع الشيخ عبيد الله او حتى تركه وشأنه ، هذه الوثيقة المدرجة ادناه تبين لجاجة مسؤولي ايران وخشية النظام القاجاري من الشيخ وحركته . الوثيقة هي برقية للسفير الايراني في بتروسبورك ( اسد الله طباطبائي ) الى وزارة الخارجية الايرانية .
(( اطلعت على مضمون الخط الهمايوني المبارك ( روحنا فداء له ) . ذهبت الى وزارة الخارجية الروسية مباشرة وتحدثت حول الموضوع . لقد أكدت بشدة على وجوب ان يبعثوا ببرقية شديدة اللهجة الى استانبول ، وقد استجاب رجال الدولة الروسية لطلبي وابرقوا الى سفيرهم للطلب من الباب العالي ابعاد الشيخ عبيد الله . هذه المرة ذهبت اليهم ايضا بناءا على اوامركم ، مرة اخرى ابرقوا الى سفيرهم ( نيلوف ) حتى يدعم بكل الاشكال ( معين الملك ) ويدعو الدولة العثمانية الى تبعيد الشيخ عبيد الله .
لقد اوضحوا امرين بصدد الموضوع : الاول : ان الطلب الروسي ليس كافيا لوحده انما يجب ان يصر السفير الايراني على مثل هذا الطلب . قلت ان ( معين الملك ) يبذل كل جهده واذا لم يكن قد توصل الى نتيجة حتى الان فلأن الدولة العثمانية ليست متأكدة من دعمكم المباشر لنا ، والا فان الدولة العثمانية لو تأكدت انتم معنا حقيقة ، وبمعنى ان الدولة الروسية تشاركنا التفكير ، فانها ستدع جانبا اهمالها ومحاولتها كسب الوقت ، وستقوم فعلا بما هو مطلوب منها .
الامر الثاني : قالوا ان الشيخ عبيد الله ، في الوقت الحاضر قد التزم الهدوء وهو لا يقدم على عمل . قلت ان هدوءه المؤقت ليس دليل على انه قد تخلى عن اوهامه ، لكنه هادئ في الوقت الحاضر لانه يخاف من ثلاث دول (49)، عندما تسكت عنه الدولة العثمانية وتتغافل روسيا سيعمل لتحقيق مرامه الفاسد .
ان مجرد بقائه في كردستان يعني تشجيع التمرد وحدوث الأزمات ، وما دام باقيا في كردستان علينا ان نخصص سنويا مبلغ ألفي تومان إضافي لمصاريف الجيش على الحدود . بعد التباحث مطولا وافقوا على ارسال برقية جديدة الى استانبول للطلب بإلحاح إبعاد الشيخ عبيد الله ))(50). 311

أخيرا رضخت الدولة العثمانية للضغوطات الدولية وأقنعت الشيخ عبيد الله بالتوجه الى استانبول لمفاوضة السلطان وكانت تخشى ان يرفض الشيخ طلبها ويذهب الى ايران للتحرك منها ضد الدولة العثمانية . يبين السفير الايراني في استانبول في برقيته الى خارجية بلاده ان وزير الخارجية العثمانية اعلمه ان القرار صدر لإجبار الشيخ للذهاب الى استانبول وفي حالة رفضه القرار ربما يتم استخدام القوة ضده . يقول السفير الايراني ان وزير الخارجية العثمانية سأله عن موقف ايران اذا التجأ اليها الشيخ عبيد الله (( اذا التجأ إليكم الشيخ ، ما هو جوابكم ؟ قلت استفسر برقيا ، لكن بدون شك لا نسانده ...))(51). هكذا تقول الوثيقة القاجارية لكن لا دليل يؤكدها .


في الرابع من شهر حزيران 1881 تحرك موكب الشيخ عبيد الله الى استانبول ، وقد تحدث عن سفر الشيخ ، سكرتيره الشاعر المشهور ( وفايي ) الذي ننقل روايته عن كتاب ( ثورة الشيخ عبيد الله النهري ) لمؤلفه الزميل ( محمد حمه باقي ) .
يقول ( وفايي ) (( اضطرت دولة السلطان طلب الشيخ الى استانبول ، ولان تحقيق رغبة خليفة المؤمنين كان موجبا ، سافر الشيخ من شمزينان ارض الوطن مع جماعة من اقربائه .
الى ان وصل الشيخ الى حدود البحر ، كان يأتي لاستقباله وزيارته الفرسان والمشاة وحوالي ( 5- 6 ) ألاف من المريدين ، مدينة بعد مدينة ومرحلة بعد اخرى ، ... وعندما وصلوا ضفة البحر استقلوا بأمر من السلطان المعظم الباخرة ( بياله ) ووصلوا الى استانبول وقد خرج لاستقباله أكابر رجالات الدولة والسادات مع العساكر ، وخصص له منزل بجوار منازل السلطان ، وقد نال من السلطان احتراما وتقديرا وافرا ...))(52).
نلاحظ حتى الشاعر وفائي يقول ( اضطر السلطان لطلبه ).
ويصف مصدر اخر استقبال استانبول للشيخ عبيد الله بالقول (( توجه الشيخ عبيد الله الى استانبول وبرفقته حرس الشرف التركي ... ولم يبخل السلطان ان يستقبل ( ضيفه ) باحترام لائق ، فخرجت جميع الشخصيات الرسمية في المدينة لاستقباله)). (53)
ويرى باحث اخر ان السلطان العثماني كان يود الاستفادة من الشيخ عبيد الله ونفوذه في انشاء مشروعه ( الجامعة الاسلامية ، فيقول (( ان السلطان العثماني فضل استخدام الدبلوماسية واللين مع الزعيم الكردي بهدف الاستفادة منه في انشاء (جامعة كردية ) فاستدعى الشيخ عبيد الله الى الاستانة وأكرمه ومنحه الهدايا وأنزله في منزل قريب من قصره ، ثم تفاوض معه في سبيل هجرة اكراد فارس الى شرق الاناضول تحقيقا لمشروعه ضد الارمن )).(54 )
وللباحث ( ديفيد مكداول ) وجهة نظر اخرى حول علاقة الشيخ عبيد الله بالدولة العثمانية ومنهجه في عدم الإضرار بالدولة العثمانية ، قد تحمل وجهة نظره هذه جوانب كثيرة من الصواب ، اذ يقول (( كان وزير الخارجية العثماني ( ويقصد عاصم باشا ) يعرف ان الشيخ عبيد الله النهري هو نقشبندي شديد التمسك بطريقته . وان مولانا خالد كان قد لقن مريديه وخلفائه وجوب الدعاء لبقاء الدولة العثمانية العلية ، ركن الاسلام وحامية حمى المسلمين ...))(55)يدعم رأي الباحث ( مكداول ) ما أكده ( كوشين ) السفير البريطاني في استانبول في رسالته الى وزير خارجية بلاده المؤرخة في 29 نوفمبر 1880 اذ يعبر عن استغرابه من تجاهل وزير الخارجية العثمانية مسألة كردستان وعدم إبدائها الأهمية اللازمة ، حتى انه يقول ان الوزير لم يلتفت لطرحه موضوع محاولة تشكيل دولة كردستان المستقلة ، وانه لم يناقش الفكرة وعبر من الموضوع دون تعليق . يقول السفير ((تعجبت كثيرا حين رأيت ان وزير الخارجية لا يهتم الى هذا الحد بالأحداث الجارية في كردستان .
عدم اطلاعه على وضعية المنطقة ضاعف من حيرتي .
عندما طرحت عليه وجوب معاقبة الشيخ ، وأوضحت له ان حكومة ايران تطلب اما تسليم الشيخ اليها او محاكمته من قبل الحكومة التركية ، أشار الى الاتهامات الواسعة للباب العالي ضد الحكومة الايرانية في المسائل الحدودية وقال ( ايران حتى الان لم تجب على جميع طلبات استانبول ...) عندما كنت أدافع بشدة عن طلبات ايران ، كان المذكور يؤكد مجددا على طلبات الباب العالي كون كل خطوة ضد الشيخ عبيد الله منوط بمحاكمة ومعاقبة رؤساء العشائر الايرانية المتخلفة .
حول عواقب عدم محاكمة الشيخ من قبل الباب العالي أجاب ( عاصم باشا ) اعتقد ان تشكيل هيئة مشتركة ستساعد على حل المشاكل العالقة .
حول موضوع ان سبب مساعدة الباب العالي للكرد هو التعامل مع ( الارمن ) قال عاصم باشا ( الامبراطورية العثمانية لها من الإمكانيات ما يمكنها ، ودون مساعدة الكرد ، القضاء بأسرع وقت على اية فتنة ) .
عند الحديث عن محاولة الشيخ تأسيس دولة كردستان المستقلة ، لم يعر عاصم باشا اهتماما للموضوع .
اعتقد ان الباب العالي لم يفكر بصورة جدية ابدا باحتمال حدوث هذا الامر ))(56). لا شك ان السفير عدّ ( عاصم باشا )مغفلا لا ينتبه الى خطورة تشكيل دولة كردستان ، لكن عاصم باشا وبالتأكيد كان مطلعا على مفاوضات الباب العالي . سؤال يطرح نفسه ولا نجد له جوابا الى ان تنشر الوثائق العثمانية ، السؤال هو : هل ان السلطان العثماني عبد الحميد كان يريد إحياء فكرة السلطان سليم الاول حول الكرد ، وهذه المرة حول جميع الكرد في ايران والدولة العثمانية ؟، وهل كان الشيخ عبيدالله يريد ان يحذو حذو الشيخ إدريس البدليسي بتأمين الحكم والادارة الذاتية للكرد تحت السيادة الاسمية للباب العالي ؟.
ظل الباب العالي لوقت طويل يرد كل الاتهامات عن الشيخ عبيد الله ولا يستمع اصلا الى الطلبات الدولية بمحاسبته ، بل يرى ان الدولة الايرانية هي المسؤولة عن الدمار الذي لحق بالكرد ويجب عليها تعويضهم . ففي24 نوفمبر 1881 قدم فخري بك الوزير الايراني المفوض في طهران ، بناءا على طلب الشيخ عبيد الله ، مذكرة الى الخارجية الايرانية يطالب فيها ايران بتحمل وتعويض كافة الأضرار التي لحقت بالشيخ في أعوام ( 1870 1876 و 1881 ) وهدد فخري بك باحتمال قيام انتفاضة اخرى اذا رفضت ايران هذا الطلب ، ونبه الى الاجراءات التعسفية اللاانسانية تجاه الكرد.(57)
وهذا يعني ان دعوة الشيخ الى استانبول لم يكن الغرض منه اعتقال الشيخ انما مفاوضته على أهداف الحركة . ويؤكد عدد من الباحثين ان الشيخ لم يذهب الى استانبول الا للتفاوض ومنهم الباحث القدير جرجيس فتح الله .
لقد قلنا ان الشيخ عبيد الله دخل في مفاوضات مع العديد من المسؤولين العثمانيين ومنهم مرافق ومبعوث السلطان ( احمد بك ) وانه اقترب معهم الى اتفاق وابلغ الشيخ معتمدوه من رؤساء القبائل قرب تسلمه الامور في كردستان .(58)


ان السلطان العثماني وحتى بعد إلحاحه على الشيخ عبيد الله للقدوم الى استانبول ظل يحاور الشيخ ويفاوضه بأمل إملاء شروطه عليه ومنها ، كما بين احد المصادر ، اقتراح بنقل الكرد من شرق كردستان الى هكاري .
نعتقد ان الشيخ عبيد الله لم يساوم على اهدافه وظل مطالبا بحكم كردستان الموحدة تحت الرعاية الاسمية للسلطان العثماني ومقابل دفع الضرائب والخراج اليه . ولهذا يعتقد انه لم يتوصل اثناء مدة عام من إقامته في استانبول ومفاوضاته مع السلطان الى اتفاق تام ، سيما وان الدولة العثمانية لم تكن طليقة اليد لدعم حركة الشيخ بسبب مواقف الدول الكبرى ، ومن المحتمل ان السلطان كان يبغي من الشيخ البقاء عنده ريثما تتبدل الاوضاع .
الدولة العثمانية كانت على معرفة بنفوذ الشيخ عبيد الله وتعرف اهدافه ونواياه التي لم يكن يخفيها فكانت حذرة من ان تتحول الحركة الكردية من حركة شبه حليفة او حركة منضبطة الى حركة معادية خارجة عن السيطرة ، من جانب اخر لم يكن بوسع الدولة العثمانية او السلطان الإساءة مباشرة الى الشيخ عبيد الله وكان نفوذه يوازي نفوذ السلطان نفسه ، لذلك عملت على إرضائه علّه يقبل بالشروط العثمانية لدعم حركته .
ان الاعتقاد ،بان الدولة العثمانية أرادت باستدعاء الشيخ عبيد الله الى استانبول تغيير استراتيجيتها تجاه ايران وتبديد مخاوفها وفتح صفحة جديدة معها ومشاركتها في ضبط الحدود ومنع الشيخ من محاربتها ، اعتقاد خاطئ .
كتب اعتماد السلطنة في مذكراته (( في يوم الجمعة 4 مايس 1881 جاء ( فيروز ) خادم ميرزا سعيد خان وزير الخارجية بخبر يفيد ان السلطات العثمانية أرسلت الشيخ عبيد الله قابضا الى استانبول ، مقابل هذه البشرى وهبوا ( شالا ) الى فيروز ومنحوه لقب ( الخان ) .(59)
لكن من يطالع رسالة وزير الخارجية الايرانية في 26 ايلول 1881 الى سفير بلاده في استانبول يدرك ان ( الشال ) قد وهب عبثا وان الوزير الايراني كان قد تفاءل في غير محله فهو يكتب الى سفير بلاده بعد مغادرة الشيخ عبيد الله الى استانبول بحوالي اربعة أشهر يقول (( ان تسليم الهاربين وعدم ضم احد لعشائر الطرف الأخر قسم من شروط ومقررات الدولتين منذ العهد الصفوي وقد جرى التأكيد عليها في اعقاب كل معاهدة سلام . التزمت الدولة الايرانية دائما بهذه الشروط ، تم تسليم العثمانيين كل من ( عزيز بك بابان وعشيرته وبعض المشاغبين في منطقة هكاري وارتوش واحمدوند جلبي ومحمد ال اليخان )وآخرون ودون النظر الى كونهم ايرانيون وذلك بغية تنفيذ المقررات وتامين امن الحدود .الا ان المقامات الحدودية العثمانية وبدل ان تقابل الإحسان بالإحسان ، اتخذت من إجراءاتنا ذريعة لكسب العشائر الايرانية الى جانبهم ، حتى وان كانت إجراءاتنا قد تمت بناءا على طلب العثمانيين انفسهم . بهذه الصورة يفتحون الباب اما م تمرد عشائرنا ، مثلما حصل مع همزة اغا الذي تسبب في كل هذا القتل والتقتيل . كان في البداية مطيعا للدولة وفي خدمتها ، وكان للمسؤولين العثمانيين في الحدود بعض الشكاوي ضده ولهذا قام شجاع الدولة وبغية ترضيتهم بالسيطرة عليه . ثم وفي اثناء تأديب ( الارتوشيين ) وغيرهم من قبل العثمانيين ، قصد المدعو ( عمر بك ) مع اقربائه همزه اغا وطلبوا دخالته ، ومانع همزة اغا في تسليمهم الى العثمانيين لاعتبارات الشرف والسمعة ، ولكن عندما صدر الامر الى شجاع الدولة من قبل دولتنا لردهم بالقوة الى العثمانيين وذهب شجاع الدولة لإجبار همزة اغا على تسليمه ، ولم يكن لهمزة اغا قوات تدافع عنه فهرب الى الاراضي العثمانية ، لقد تبناه في الحال السلطات العثمانية الحدودية ووفرت له الدعم ... لقد طردنا ( محمد آل عليخان ) بناءا على رغبة ( والي بغداد ) ولكن ما ان وصل الى الاراضي العثمانية حتى قاموا باحتضانه وتطييب خاطره والاتفاق معه على التمرد واحتلال جزء من هذه البلاد مثل ( باغساي و ملختاوي ) . لو كان المرض قد ساعده لأقام فتنة، مثل فتنة الكرد ، في عربستان ولورستان بيد هؤلاء العرب ...
بسبب ذلك ، في هذه المرة وبعد انتهاء قلاقل كردستان ، عندما أراد كبار رجال دولتنا ومن اجل تحقيق الأمن على الحدود ، تأديب عدد من عشائر ايران ، رؤوا من الضروري ، في البداية وبموجب الاتفاقيات بين الدولتين بعدم قبول الهاربين ، طلب تعهد رسمي من الوزير العثماني المفوض ومن مسؤولي الحدود في اذربيجان وموظفي الدولة العثمانية بعدم إيواء عشيرة ( شكاك ) ورئيسها ( علي خان ) . أصدرت السفارة والمسؤولون العثمانيون قرارات واضحة بالقضاء على هذه العشيرة وأعربوا عن موافقتهم واعتبروا الإجراء ضروري لأمن الحدود . بعد هذه التعهدات والوعود بدأت دولتنا إجراءاتها ضد هذه العشيرة ... وما ان هربت العشيرة وذهبت الى الاراضي العثمانية حتى اظهر العثمانيون دعمهم لها رغم كل المقررات وتبنوا العشيرة ...
بينوا لهم ، اذا لم يتم تسليم هذه العشيرة ولم يتم الاستجابة الى مطاليبنا حول الحدود من قبل السلطات الحدودية العثمانية لن يعود الأمن والاستقرار الى الحدود ).(60)

ادرك الشيخ عبيد الله اثناء اقامته في استانبول لمدة تقارب العام ، أن السلطان عبد الحميد غير جاد او غير قادر على اقامة ولاية كردستانية عامة او حكومة كردستانية يقوم الشيخ بادارتها وتكون تحت سلطة الخليفة شكليا وعلى ان تدفع حكومة كردستان الضرائب الى السلطات العثمانية ،ولم تتحقق الوعود التي جاء بها مرافق السلطان ( احمد بك ) الى ( نه هرى ) والتي تحدث عنها الشيخ عبيد الله في رسائله الى الزعماء الكرد حول تسليم كردستان اليه ، يبدو ان مفاوضاته مع السلطان بهذا الصدد لم تصل الى نتيجة ، ربما لان الضغط الخارجي كان اكبر حجما مما توقعه الشيخ والسلطان معا ، كما ان الوفد الذي ارسله السلطان الى كردستان بطلب من الشيخ عبيد الله بعد حضوره في استانبول لم يحقق شيئا لتطوير الادارة في كردستان ولم نسمع عن المقترحات التي كان ينبغي ان يقدمها .
من ناحية أخرى وجد الشيخ عبيد الله ان الدولة العثمانية اصبحت اسيرة السياسات الخارجية وان السلطان واقع تحت ضغط الدول الكبرى ومنها بريطانيا وروسيا ، وبذلك ليس في مقدور السلطان الاتفاق معه على دعمه الجدي عند شن الحرب على ايران ، كان السلطان في موقف عليه ان لا يدع الشيخ عبيد الله القيام باية حركة ضد ايران وكانت السلطات التركية تخشى ان يتحرك الشيخ عبيد الله ضدها عندما يعود الى وطنه ويتبين له ان العثمانيين ساهموا في القضاء على حركته بشكل من الاشكال ، حتى ان كان ذلك على مضض وبضغط القوى الدولية ، سيما وان هذه السلطات كانت على معرفة تامة بالنوايا الحقيقية للشيخ عبيد الله واهدافه في تحرير كردستان من ظلم الامبراطوريتين العثمانية والايرانية .
عندما يئس الشيخ عبيد الله من قبول السلطان اقرار حكومة كردستان أو مساندة حركة الكرد لتحرير الشطر الشرقي ، ترك الشيخ عبيد الله استانبول وعاد الى موطنه .
يكتب الشاعر ( وفائي ) وكان من المقربين الى الشيخ عبيد الله يقول (( اضطر الشيخ عبيد الله البقاء في استانبول لمدة عشرة أشهر ، بعدها قال له السلطان : يتوجب عليك الذهاب الى الحجاز . بعد هذا التبليغ فكر الشيخ مع نفسه لثلاثة ايام متتالية ، هل يرضى بالذهاب الى الحجاز أم لا ؟ ، أخيرا رأى من الأصلح عدم الاستماع الى السلطان والتخلص منه ... حصل باسم تاجر على تأشيرة دخول روسية ، وعاد الى موطنه (هكاري- نهرى ) عن طريق البحر الأسود – تفليس – اريفان – قارص – بايزيد – الاشكير – قرية قراج)).(61)
ما ان انتشر خبر عودة الشيخ حتى ارتجت كردستان من اقصاها الى اقصاها واخذ الزعماء الكرد يعدون العدة ويذهبون لاستقباله قبل وصوله الى هكاري ، وقد ذهب الشيخ عبد القادر مع عدة الاف من المسلحين لاستقبال والده .
من ناحية اخرى ارتفع عويل ناصر الدين شاه حتى بلغ عنان السماء وأوعز ببناء الجزء المتهدم من سور اورمية في الحال ، واصدر امير نظام بيانا اخر في اب 1882وعد بانزال القصاص بكل من يلتحق بالشيخ او يجري اتصالا معه وذهب مباشرة الى سلماس لتفقد قواته وجاء في البيان ( ستلحق اضرار كبيرة بكل من يلتحق به ) (62) .
تقول برقية من ادارة اذربيجان يبدو انها ارسلت من تبريز حول الوضع في مهاباد مؤرخة في 29 آب 1882 (( سابلاخ : الحمد لله ، المدينة هادئة والامور تجري على ما يرام ، يوم الاثنين وصلت رسالة من (امير نظام ) الى ( خسرو خان ) ، نائب الحكومة وتحدث فيها عن عودة الشيخ الى ( ناوجه ) . جمع خسرو خان جميع العلماء وكبار الرجالات والوجهاء والمختارين ودعاهم الى خدمة الدولة . لقد وقع ( امين الاسلام )والحضور جميعا على رسالة بعثوا بها الى امير نظام اعلنوا فيها استعدادهم للتصدي للشيخ بكل الصور))(63).

اما الشيخ فقد زار المدن والعشائر الكردية وقضى يوما كاملا عند كل زعيم كردي في تلك الاطراف ، كما زار الزعيم الروحي للارمن والقى خطابا في كنيسة ( فارفولوميا ) بدعوة من ( ارخيماندريت اوكانيس كاجوني ) ، دعى فيه الى تحالف كردي – ارمني وحقوق متساوية للمسلمين والمسيحيين في منطقة وان وقد تحدثنا عن ذلك سابقا .
كان الشيخ عبيد الله لا يود القطيعة ايضا مع الدولة العثمانية ، لكنه رفض باصرار طلبها بالتوجه الى الحجاز او احدى البلدان الاخرى لان ذلك يعني النهاية له وللحركة الكردية .
ايران من ناحيتها لم تستجب لرغبة الشيخ في فتح صفحة جديدة انما عبرت عن كل الحقد والعداوة ضده ، كما انها طالبت بالحاح اكبر ابعاد الشيخ عبيد الله من كردستان واستخدمت ما تيسر لها من وسائل وصداقات وعلاقات لارغام الدولة العثمانية على ازالة خطر الشيخ عبيد الله بتبعيده او اعدامه . في كل الاحوال حاولت الدولة العثمانية تحقيق هدفها بمرونة وبشكل لا يتسبب في استفزاز الكرد فدخلت في مفاوضات اخرى مع الشيخ محاولة اقناعه بالامر الواقع والقبول بمغادرة كردستان .
ارسلت استانبول الكولونيل ( يوسف بك ) في محاولة اخرى لاقناع الشيخ بتلبية امر السلطان واختيار احد البلدان للاقامة فيها ومغادرة كردستان .يقول الباحث ( جليلي جليل ) ان مهمة يوسف بك كان الطلب من الشيخ عبيد الله انهاء استعداداته الحربية لكن نعلم ان الشيخ كان في تلك الفترة قد اوضح انه لن يقوم بنشاط حاليا وانه سيتفرغ لزواج ابنه ويقضي الشتاء في مقره ، لم يكن الشيخ يريد الحرب ، كان يحاول كسب الوقت فقط .
فشل الكولونيل يوسف بك ايضا في اقناع الشيخ لذلك ارسلت استانبول ( كمال بك ) سكرتير السلطان لمتابعة المهمة ذاتها والتاثير على الشيخ لقبول اقتراح السلطان المتضمن اقامة الشيخ وعائلته والافراد التابعون له في احدى البلدان العربية ،وعلى ان تتحمل الدولة العثمانية جميع النفقات ، كما كان السلطان قد قرر منح الشيخ راتبا شهريا قدره ( 150 ) ليرة عثمانية .(64)
رفض الشيخ عبيد الله الاقتراح مجددا واعلن انه يريد قضاء الشتاء في كردستان . وعندما ادرك ان القوات العسكرية جادة في التعرض له في ( نه هرى ) تحرك الى ( اورمار ) وتحصن مع قوات قليلة في قلعتها .
تحركت القوات العثمانية بقيادة المشير ( موسى باشا ) والمشير (مصطفى باشا ) الى منطقة ( اورمار ) وحاصرت قواتهما القلعة التي كانت قد نالت الاعجاب في اسلوب بنايتها ورصانتها.
اجرى القائدان مفاوضات طويلة مع الشيخ عبيد الله بهدف اقناعه بتنفيذ الاوامر الصادرة عن ( خليفة المسلمين ) ولما كان الشيخ في وضع لا يسمح له بالقتال وبحاجة الى الوقت حتى يحل الربيع، وربما تخف الضغوطات على السلطان ، سيما انه حاول ان يهدأ من روع ايران ، اعلن موافقته على الاقامة في مدينة ( الموصل ) ، كما وافق على ارسال ابنه ( الشيخ محمد صديق ) الى استانبول بينما كانت السلطات العثمانية تطب منه ارسال ( الشيخ عبد القادر ) الذي يقول عنه السفير الروسي ( نيلدوف ) ، ان عبد القادر مثل ابيه جدير بالاحترام وانه ( يقود القوات الكردية ويفكر في عدم الاعتراف بالسلطات العثمانية ) .(65)
قبلت السلطات العثمانية بعرض الشيخ عبيد الله الذي ارسل الشيخ محمد صديق فعلا الى استانبول .
رضخ الشيخ عبيد الله والذي لم يكن يملك خيارا اخر ، وخرج من القلعة كما يظهر واعلن موافقته الذهاب الى الموصل بصحبة عائلته ، يقول البعض ان الشيخ عبيد الله قاوم الجيش العثماني الذي دك القلعة بمدافعه حتى انهارت فالقي القبض على الشيخ عبيد الله ،الا ان الوثائق التي تفحصناها جميعا لا تتحدث عن وقوع معركة كهذه او عن اصابة أي شخص من قوات الطرفين ، يحتمل ان القوات العثمانية قد خربت القلعة او اهدمتها بمدافعه بعد خروج الشيخ عبيد الله ورجاله منها . يؤكد السلطان العثماني للسفير الايراني ان الامر تم دون اراقة الدماء .
قصد الشيخ مدينة الموصل اوائل نوفمبر من عام 1882 وكان بمعيته كامل باشا وحولي 30 الى 40 فارسا .
وصل الشيخ مدينة الموصل يوم 27 نوفمبر من عام 1882 حسب برقية السفير العثماني التي تقول (( وصل الشيخ الى الموصل يوم 27 نوفمبر 1882 ، وهو تحت المراقبة بامر من الوزير وحتى يصدر قرار سواء ببقائه في الموصل او نقله الى جهة اخرى )) (66)
على عكس التوقعات لم ينته امر الشيخ بالنفي الى الموصل ، كانت الدولة الايرانية تعيش في رعب دائم من عودته الى الحدود او ارسال قواته اليها، لذلك كثفت من ضغوطاتها لابعاد الشيخ الى منطقة ابعد ، كان الشيخ يريد ان يتخذ من الموصل عاصمة لدولة كردستان ومن الطبيعي انه كان يقيم علاقات قوية مع اهالي الموصل والعشائر على اطرافها ، كما اكتشفت الدولة العثمانية ان مكانة الشيخ عبيد الله ونفوذه في الموصل ، كما هي مكانته ونفوذه في هكاري . لا بل حتى ان مساعد القنصل الروسي في وان يكتب الى مراجعه ان الشيخ عبيد الله يتصرف في الموصل كما كان يتصرف في هكاري ، هناك ايضا يقول المسؤول الروسي ، يملك الشيخ عبيد الله نفوذه القوي على السكان والعشائر . تقول برقية مساعد القنصل (( يشرفني ان اوضح ان الشيخ مع ابنه الشيخ محمد صديق قد وصلوا بحراسة كامل بك الى الموصل يوم 25 من الشهر ... اما عبد القادر فانه حتى الان يتحصن مع المسلحين الكرد في ( اورمار ) ومن هناك يعادي صراحة الدولة العثمانية . تحركات عبد القادر تجري بموافقة والده ... اذا لم يتحرك المسؤولون في استانبول لابعاد عبد القادر عن هكاري والذي يمتلك هناك نفوذا مثل نفوذ والده ، عليكم ان تنتظروا الهرج والمرج مرة اخرى على الحدود العثمانية الايرانية . هناك يستطيع الكرد القيام بانتفاضة وبسهولة لان الشيخ عبيد الله غاضب على تركيا الى حد من الصعب جدا ان يتمكن من الاتفاق او الصلح معها . ها هو الشيخ عبيد الله يعيش في الموصل ، هناك ايضا يملك ( ماله وحاله ) ، له نفس سلطته على العشائر الكردية والعربية في ولاية الموصل .
القوات العثمانية لا تغادر هكاري لان الشيخ عبد القادر يتحرك ضد المسؤولين ويعاديهم ، يجب القول ان ابعاد الشيخ عبيد الله لم يجلب الامن والاستقرار الى هكاري . هكاري هي مثلما سبق ، مثل الايام التي كان عبيد الله متواجدا فيها ...))(67)
لهذا اصدر السلطان العثماني الفرمان بنفي الشيخ عبيد الله وعائلته الى المدينة المنورة في اراضي الجزيرة العربية ، في يوم 23 ديسمبر يكتب السفير العثماني في طهران ( فخري بك ) الى وزير الخارجية يقول له (( صديقي الوفي المحترم ... تلقيت خبرا يفيد انه تم تكليف ( كامل بك ) لنقل الشيخ عبيد الله الى المدينة المنورة ، وفي هذه الايام سيسلك الطريق اليها معه ، من الان وبعد لن تصل يده الى الحدود ...
رأيت من الضروري إعلامكم بالخبر وبنجاحي ، انا على استعداد لخدمة ملك البلاد ( ادام الله ملكه )...))(68).
نقل الشيخ عبيد الله الى الاسكندرونة ومنها الى بيروت ثم الى الحجاز واختار العيش والإقامة في الطائف .
ينفرد د. عزيز شمزيني بالقول ان الشيخ ابعد الى الحجاز مع 100 عائلة كردية . (69)
قد يكتمل البحث ويتعرف المتابع اكثر على شخصية الشيخ عبيد الله النهري بإيراد شهادتين عنه إحداها لشخص ارمني عايشه عن قرب وراقب تحركاته فكتب يقول عنه (( كان شخصا نشطا ، يعمل بجد ولا يصيبه الخمول ابدا ، كانت عاطفته أبوية تجاه الأيتام والعجائز ، كان الكرد يقصدونه في شمزينان من كل حدب وصوب حتى يبلغوا أسماع الشيخ مصائبهم وشكاواهم وآلامهم ويطلبون منه النصح والإرشاد ، كانوا يكنون له مبلغا عظيما من الاحترام وينظرون اليه كرئيس عادل ومحب للإنسان )).(70)
والشهادة الاخرى لباحث اشوري كردستاني عراقي معروف ، اهتم بشخصية هذا الزعيم ودرس تاريخه ، فيدعو الزعامات الكردية الحالية ان يتعلموا من دروس الشيخ عبيدالله ، انه الباحث جرجيس فتح الله الذي كتب يقول (( فمن مقاصدي في تقديم هذا الجزء الهام لتاريخ نضال الكرد ، وبعد مرور قرن واحد من الزمن عليه ، ان يكون درسا بليغا لمن حمل اليوم أعباء هذا النضال ، وهو درس عظيم يلقنه قائد تلك الثورة سيئة الحظ . ففيما ستقرئه هنا ، تجد ان الشيخ لم يكن حريصا على نصر يحرزه أو معركة يخرج منها جيشه ظافرا ، قدر ما كان مهتما بان يزيل عن اسم الكرد وكردستان تلك النعوت والصفات القبيحة التي دأب المستعبدون إلصاقها به ، والقضاء على السمعة السيئة التي أشيعت عن همجيته وشقاوته في المجتمع الأوروبي ، فتلك كانت معركته الحقيقية ، وهي عنده حجر الزاوية للنضال وكسب الحرية )).(71)

في يوم 12 أكتوبر1883 المصادف ليوم التاسع من شهر ذي الحجة 1300، وبينما كان على جبل العرفات يؤدي فريضة الحج انتقل الشيخ عبيد الله في ( يوم عرفات ) الى رحمة ربه من جراء اصابته بمرض الكوليرا وكان عمره 53 عاما. رحمه الله .
كما انتقل الى رحمة الله ومن بعده بثلاثة ايام زوجته وابنه الصغير ( رشيد ) ومن جراء نفس المرض . ودفنوا في مقبرة ( المعلا ) في مكة .
أوصى الشيخ عبيد الله بالخلافة الى ابنه الشيخ عبد القادر والذي سار على منهجه وكان يشبهه تماما في أفكاره وتصرفاته وإخلاصه لقضية الكرد ونصرة الحق والدعوة الى العدل ، وقد سمح له بالعودة الى استانبول بعد عام 1893 ، بذل الشيخ عبد القادر جهودا كبيرة في تأسيس المنظمات والجمعيات الثقافية والاجتماعية الكردية . وتم انتخابه عضوا في مجلس النواب العثماني ومن ثم رئيسا لمجلس الأعيان العثماني في العهد الاتحادي.
كان الشيخ عبد القادر احد القادة البارزين الى جانب الشيخ سعيد في ثورة عام 1925 . في يوم 24 ايار شنق الشيخ عبد القادرمع ابنه محمد في مدينة (آمد- دياربكر )، وكان الشيخ قد بلغ 67 عاما ، كما شنق قائد الثورة الشيخ سعيد والقادة الاخرين رحمهم الله .
وكان الشيخ محمد صديق قد توفي قبل هذا التاريخ .

اما ناصر الدين شاه فقد اطلق النار عليه احد الايرانيين باسم ( ميرزا رضا كرماني ) من اتباع جمال الدين الافغاني و من اهل مدينة كرمان واصابه مقتلا عام 1896 وفي الذكرى الخمسين لتنصيبه ملكا على ايران .
السلطان عبد الحميد الثاني خلع عن الحكم من قبل الجيش العثماني عام 1909 وعاش منفيا حتى يوم وفاته يوم 10 شباط 1918 .



39- الوثيقة البريطانية (153 ).
40 – محمد حمه باقي – ثورة الشيخ عبيد الله في الوثائق القاجارية ص 235 .
41 - حسن علي خان – كروسي – رسائل وتقارير – ترجمة محمد حمه باقي – اربيل 2007 ص 76.
42 – المصدر نفسه ص 76.
43 حسن علي خان كروسي – المصدر السابق ص 80 .
44 – د. جليلي جليل – انتفاضة الكرد 1880 – ترجمة سيامند سيرتي الى العربية – بيروت 1979 ص 82 .
45- الوثيقة البريطانية (115 ).
46- نفس المصدر .
47 – نفس المصدر
48- د.جليلي جليل – المصدر السابق – ترجمة سيامند سيرتي ص 82 .
49- الدولة العثمانية وروسيا وايران ، وربما بريطانيا وروسيا وايران .
50- محمد حمه باقي – ثورة الشيخ عبيد الله في الوثائق القاجارية ص 311
51- نفس المصدر ص 270 .
52- نفس المصدر ص 240 .


53- د.جليلي جليل – انتفاضة الكرد – ترجمة سيامند سيرتي ص 83 .
54- د. عبد الرؤوف سنّو – المصدر السابق ص 127 .
55- ديفيد مكداول – المصدر السابق ص 118 .
56 – الوثيقة البريطانية (113) .
57- د.جليلي جليل – ترجمةد. كاوس قفطان – ص 151
58- الرسالة مدرجة من قبلنا في هامش الوثيقة البريطانية ( 153 ).
59- محمد حمه باقي – المصدر السابق – ص 240 –هامش 2 .
60- نفس المصدر ص 359 .
61- نفس المصدر ص 242 .
62- د. جليلي جليل- المصدر السابق – ترجمة د كاوس قفطان ص 154 .
63 محمد حمه باقي – المصدر السابق ص 304.
64- د.جليل جليلي – المصدر السابق- ترجمة د كاوس قفطان ص 155.
65- نفس المصدر – ص156 .
66- محمد حمه باقي- المصدر السابق – ص 319 .
67- د.جليلي جليل – المصدر السابق- ص 179 .
68- محمد حمه باقي – المصدر السابق –ص 319 .
69- عزيز شمزيني- المصدر السابق ص 123 .
70 – د.جليلي جليل – المصدر السابق – ص 107-108 .
71- جرجيس فتح الله – المصدر السابق – ص 13 .
-






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثاءق البريطانية _ الحلقة ا ...
- حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثائق البريطانية
- مع اي من خصومه يتحالف الكردستاني
- عندما تتجاهلون الدستور تضيع الحكومة
- لماذا لاتختارون كمال مظهر رئيسا للجمهورية
- رئاسة الطالباني ليست الهم كله
- التعامل مع اسرائيل يلحق الضرر بالكرد عموما
- اسرائيل دولة فوق القانون حقا
- حافظ القاضي يلتحق بركب الخالدين
- الوطن جريح دعه يتعافى يا رجل
- عسى ان تأتي مفوضية حقوق الانسان مستقلة


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون قصف -هدف حساس- في قاعدة الملك خالد الجوية با ...
- أفضل ثلاثة مكوّنات غذائية لتعزيز طول العمر!
- إيران تكشف هوية منفذ هجوم نطنز بعد فراره خارج البلاد
- ستة جوانب متميزة لجنازة الأمير فيليب الملكية
- انفجار عبوة ناسفة في رتل للتحالف جنوب العراق
- تركيا.. القبض على ما يسمى بـ-أمير داعش- على الموصل
- بيان رسمي حول استهداف بئرين نفطيين في كركوك
- السفير التركي يحدد من الموصل آلية الرد على هجوم معسكر -زليكا ...
- تقرير ـ هكذا تخوض بعض الدول حروب -المنطقة الرمادية-
- -تفكيك- البوسنة والهرسك؟.. خطط مزعومة لإعادة رسم خارطة غرب ا ...


المزيد.....

- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - تيلي امين علي - حركة الشيخ عبيدالله النهري في الوثلئق البريطانية - الحلقة الثالثة