دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السادس عشر) * ترجمة
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 00:55
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الفصل السادس عشر
تحليل لينين للإمبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية
يتوافق تحليل ماركس لقوانين حركة الرأسمالية مع مرحلة "الرأسمالية القائمة على المنافسة الحرة"، حيث كان عدد كبير من المنتجين الرأسماليين يتنافسون في السوق. وقد حلل ماركس، إلى حد ما، عملية تركز رأس المال؛ غير أنه لم يعش طويلاً بما يكفي ليشهد بداية مرحلة جديدة في الرأسمالية، وهي مرحلة "الإمبريالية". حدث هذا في مطلع القرن العشرين، فكان على لينين أن يتولى تحليل هذه العملية.
ففي عامي 1897-1898، أجرى لينين بعض الدراسات الأولية حول تطور السوق الرأسمالية العالمية، لكنه لم يحلل موضوع الإمبريالية تحليلاً وافياً. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى -وهي حرب تسببت فيها الإمبريالية- أصبح من الضروري تقديم تحليل شامل للإمبريالية، وذلك لفهم الأساس الاقتصادي لهذه الحرب وتداعياتها السياسية على البروليتاريا.
وقد ازدادت هذه المسألة إلحاحاً في عام 1915، حين كتب كارل كاوتسكي -الزعيم الانتهازي والتحريفي في الأممية الثانية - كتاباً عن الإمبريالية، زعم فيه أن النظام الاقتصادي العالمي يتجه نحو ما أسماه "الإمبريالية الفائقة" (أو "فوق الإمبريالية")، التي تتسم بالاستقرار وغياب مخاطر نشوب الحروب.
كانت حجته تشبه حجة بعض الأشخاص الذين يحللون العولمة اليوم، والذين يزعمون أنه نظراً لنمو المجموعات والشركات متعددة الجنسيات وانتشار رؤوس أموالها في جميع البلدان، فإن هذه الشركات ستعارض الحرب، وبالتالي لن يكون هناك أي خطر لنشوب حرب عالمية جديدة.
قدمت هذه النظرية - التي طُرحت خلال الحرب العالمية الأولى - صورة خاطئة عن الإمبريالية. ونظراً لأن هذه النظرية المغلوطة جاءت على لسان كاوتسكي، الذي كان يُعتبر آنذاك المنظر الرئيسي للماركسية، فقد كان من الضروري للغاية التصدي لها وتقديم التحليل الصحيح.
كان لا بد من إزالة الارتباك الذي أحدثته "الأممية الثانية" وطرح التكتيكات السليمة للحركة العمالية الدولية. ولتحقيق ذلك، أجرى لينين في عام 1916 بحثاً معمقاً ألف على إثره مؤلفه الشهير: "الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية". وإلى جانب هذا العمل الرئيسي، كتب لينين أيضاً العديد من المقالات الأخرى التي ربطت هذا التحليل الاقتصادي الأساسي بتكتيكات البروليتاريا.
في المقام الأول، سعى لينين إلى تبديد اللبس الذي خلقه كاوتسكي وغيره من الانتهازيين حول سؤال: "ما هي الإمبريالية؟". وللإجابة على ذلك السؤال، أكد أن الإمبريالية تمثل مرحلة تاريخية محددة من مراحل الرأسمالية. وتتسم هذه المرحلة بخصائص ثلاث: فهي (1) رأسمالية احتكارية، و(2) رأسمالية طفيلية أو في حالة تحلل، و(3) رأسمالية تحتضر أو تقبع على فراش الموت. إنَّ استبدال المنافسة الحرة بالاحتكار هو السمة الاقتصادية الجوهرية، وجوهر الإمبريالية.
تتجلى الرأسمالية الاحتكارية في خمسة أشكال رئيسية: (1) الكارتيلات، والتجمعات، والتروستات؛ حيث بلغ تركز الإنتاج درجةً أدت إلى نشوء هذه التكتلات الاحتكارية للرأسماليين، الذين يتحدون للقضاء على منافسيهم الآخرين. فهم يحددون الأسعار، ويوزعون حصص الإنتاج في ما بينهم، ويبرمون ترتيبات واتفاقيات أخرى لمنع الآخرين من دخول السوق أو تحقيق النجاح فيها. وتؤدي هذه التكتلات دوراً حاسماً في الحياة الاقتصادية.
(2) الوضع الاحتكاري للبنوك الكبرى، ونشوء "رأس المال المالي" نتيجةً لاندماج رأس المال الصناعي الاحتكاري مع رأس المال المصرفي. وفي عهد لينين، كانت هذه العملية قد وصلت إلى مرحلة باتت فيها ثلاث أو أربع أو خمس بنوك عملاقة تسيطر على مجمل الحياة الاقتصادية في الدول الصناعية الكبرى.
(3) تصدير رأس المال، وهو أمر يكتسي أهمية خاصة؛ إذ تختلف هذه السمة عن تصدير السلع الذي كان سائداً في ظل الرأسمالية غير الاحتكارية، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقسيم الاقتصادي والسياسي للعالم.
(4) التقسيم الاقتصادي للعالم من خلال الاتفاقيات الدولية؛ ففي عهد لينين، كان هناك أكثر من مئة كارتيل دولي تسيطر على السوق العالمية وتتقاسمها في ما بينها بشكل "ودي". وبالطبع، فإن هذه "الصداقة" ليست سوى حالة مؤقتة، لا تلبث أن تنتهي باندلاع حرب تهدف إلى إعادة تقسيم الأسواق.
(5) التقسيم الإقليمي (السياسي) للعالم (المستعمرات) بين القوى الرأسمالية الكبرى. لقد اكتملت عملية استعمار جميع البلدان المتخلفة في العالم مع بزوغ فجر الإمبريالية. ولم يعد بالإمكان الحصول على مستعمرات جديدة إلا من خلال إعادة تقسيم العالم، أي عن طريق الحرب.
وبناءً على الخصائص المذكورة أعلاه، يُعرِّف لينين الإمبريالية على النحو التالي: "الإمبريالية هي الرأسمالية في مرحلة من التطور ترسخت فيها هيمنة الاحتكارات ورأس المال المالي، واكتسب فيها تصدير رؤوس الأموال أهمية بالغة، وبدأ فيها تقاسم العالم بين التروستات (التكتلات الاحتكارية) الدولية، واكتمل فيها تقاسم كامل لأراضي الكرة الأرضية بين أكبر الدول الرأسمالية".
وتتجلى حقيقة أن الإمبريالية رأسمالية طفيلية أو في حالة انحلال، أولاً، في النزعة نحو التفكك، وهي سمة ملازمة لأي احتكار في ظل نظام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فمقارنة بالتوسع السريع الذي كان يحدث في ظل المنافسة الحرة، يشهد الإنتاج ككل تراجعاً في ظل الاحتكار؛ إذ يتم تثبيط التقدم التكنولوجي، وتُقمع الاختراعات وبراءات الاختراع الجديدة بشكل متعمد.
وثانياً، يظهر انحلال الرأسمالية في نشوء طبقة ضخمة من "أصحاب الريع" (الرنتيين)؛ وهم رأسماليون يعيشون دون عمل، معتمدين فقط على الفوائد أو الأرباح (التوزيعات) التي يجنونها من استثماراتهم.
وثالثاً، يُعد تصدير رؤوس الأموال شكلاً من أشكال الطفيلية المتقدمة، كونه مؤشراً على الاستغلال الصريح لقوة العمل الرخيصة في البلدان المتخلفة.
رابعاً، يهتم رأس المال المالي بالهيمنة، لا بالحرية. وتُعدّ السياسة الرجعية على طول الخط سمةً مميزةً للإمبريالية؛ إذ يصبح الفساد على نطاق واسع، ومختلف أشكال الاحتيال، أمراً شائعاً ومألوفاً. وخامساً، إن استغلال الأمم المضطهدة - ولا سيما استغلال المستعمرات من قِبل حفنة من القوى «الكبرى» - يحوّل العالم الإمبريالي، بشكل متزايد، إلى طفيلي يقتات على عمل مئات الملايين من البروليتاريين في البلدان المتأخرة. ويصل الأمر إلى حدّ أن طبقةً عليا متميزة من البروليتاريا في البلدان الإمبريالية تعيش هي الأخرى، جزئياً، على حساب مئات الملايين من المضطهدين في المستعمرات وشبه المستعمرات.
والإمبريالية هي رأسمالية تحتضر، لأنها تمثل الرأسمالية في مرحلة انتقالها نحو الاشتراكية. فالاحتكار، الذي ينبثق من رحم الرأسمالية، يمثل بحد ذاته رأسماليةً في طور الموت، وفي بداية تحولها نحو الاشتراكية. كما أن الطابع الاجتماعي الهائل للعمل، الذي تفرضه الإمبريالية، يؤدي إلى النتيجة ذاتها.
أما التناقض الأساسي في الرأسمالية - أي التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية - فلا يزداد إلا حدةً في ظل الإمبريالية. ولذا، قال لينين: «الإمبريالية هي عشية الثورة الاجتماعية للبروليتاريا».
(يتبع)
نفس المرجع