الأستاذ إدريس بنسعيد يلقي محاضرة حول عتبات -المرئي- في الثقافة والمجتمع


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 04:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

في إطار سلسلة محاضرات، نظم مركز مساحات للدراسات والبحث قدم الدكتور إدريس بنسعيد محاضرة محاضرة علمية بعنوان "بعض عتبات "المرئي" في الثقافة والمجتمع: ملاحظات حول تدوين المعيش اليومي".
في هذه المحاضرة، ناقش بنسعيد، الأستاذ الجامعي في السوسيولوجيا سابقاً بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، موضوعات تتعلق بالمرئي في الثقافة والمجتمع، مع التركيز على كيفية تدوين وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية من منظور اجتماعي وثقافي.
عالجت المحاضرة قضايا تتعلق بفهم المرئي كعنصر ثقافي واجتماعي، وكيف يمكن أن يؤثر على تشكيل الوعي الجمعي والذاكرة الاجتماعية. كما تناول بنسعيد ملاحظات حول أهمية تدوين المعيش اليومي كوسيلة لفهم أعمق للتجارب الحياتية وتأثيرها على الثقافة والمجتمع.
من حيث موضوع المحاضرة الأساسي، تم التركيز على مفهوم "المرئي" في الثقافة والمجتمع، أي كيف تُرى الأشياء وتُفهم من خلال الصور والمرئيات، وتأثير ذلك على تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي.
وفي ما يتعلق بعتبات المرئي، ناقش بنسعيد "عتبات" أو حدود "المرئي"، وهي النقاط التي تحدد ما يمكن رؤيته أو فهمه في السياق الثقافي والاجتماعي، وكيف أن هذه العتبات ليست ثابتة بل متغيرة بحسب السياق التاريخي والاجتماعي. كما أبرز الباحث السوسيولجي أهمية تدوين تفاصيل الحياة اليومية كوسيلة لفهم أعمق للواقع الاجتماعي، وكيف يمكن للمرئي أن يكون أداة لتوثيق المعيش اليومي، مما يساعد في بناء ذاكرة اجتماعية وثقافية.
باعتبار المرئي أداة ثقافية، شرح الدكتور بنسعيد كيف أن المرئي لا يقتصر فقط على الصور أو الفيديوهات، بل يشمل كل ما يمكن أن يُرى ويُفسر في الحياة اليومية، وكيف يمكن أن يكون له دور في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية.
وقدم بنسعيد ملاحظات حول كيفية التعامل مع المرئي في البحث الاجتماعي، خاصة في سياق تدوين المعيش اليومي، مع التركيز على أهمية الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات ثقافية واجتماعية مهمة. وتضمنت المحاضرة أمثلة من الواقع الثقافي والاجتماعي لتوضيح كيف يمكن للمرئي أن يعكس أو يشوه الواقع، وكيف يمكن استخدامه كأداة نقدية لفهم المجتمع بشكل أفضل.
بحكم أن الأشياء تعرف بأضدادها، تحدث الأستاذ إدريس بنسعيد عن مفهوم "اللامرئي" وعلاقته بالمرئي في الثقافة والمجتمع، موضحًا أن هناك عتبات أو حدود بين ما هو مرئي وما هو غير مرئي، وكيف يؤثر ذلك على فهمنا للواقع والعيش اليومي.
هكذا تناول الدكتور إدريس بنسعيد مفهوم «اللامرئي» كبُعد أساسي وملازم لتجربتنا الإنسانية والاجتماعية، وليس مجرد غياب للمرئي.
انطلاقا من النظر إلى اللامرئي كشرط للمرئي، رأى الدكتور بنسعيد أن "اللامرئي" ليس هو العدم أو الفراغ، بل هو الأساس الذي يمنح "المرئي" معناه. فنحن لا نرى الأشياء في عزلة، بل نراها بفضل خلفية من التوقعات، والرموز، والروابط التي لا تُرى بالعين المجردة ولكنها حاضرة في العقل.
واعتبارا لوجود اللامرئي في البنية الاجتماعية، أشار الباحث السوسيولوجيا إلى أن الكثير من العلاقات الاجتماعية، والقيم، والأعراف التي تحكم سلوكنا هي أمور "لامرئية". نحن نعيش ونمارس حياتنا اليومية بناءً على اتفاقات ضمنية وقواعد غير مكتوبة، وهذه القواعد هي التي تشكل "النسيج اللامرئي" للمجتمع الذي يمنع التفكك ويخلق النظام.
في هذا السياق، ركز المحاضر على فكرة "العتبات" (Seuils). فالانتقال من اللامرئي إلى المرئي ليس عملية عفوية، بل يخضع لآليات ثقافية ومعرفية. هناك لحظات أو مواقف معينة تخرج فيها أفكار أو حقائق من حيز "اللامرئي" (المسكوت عنه أو غير المدرك) لتصبح جزءاً من وعينا "المرئي" والمُتداول.
وعن العلاقة اللغة/اللامرئي، ألمح الدكتور إلى أن اللغة نفسها تعمل كأداة لجعل اللامرئي "مرئياً". التسمية أو الوصف عملية استحضار لما كان غائباً أو مستتراً ليصبح مادة للفكر والحوار.
واعتبر المحاضر أن المسؤولية تجاه اللامرئي تقتضي الاعتراف بوجود هذا البعد "اللامرئي" في حياتنا من أجل أن يعلمنا التواضع المعرفي؛ فليس كل ما يحدد مصائرنا هو ما نراه أمامنا مباشرة، بل إن القوى الكبرى (سواء كانت فكرية، نفسية، أو اجتماعية) غالباً ما تعمل في الخفاء (في اللامرئي).
في رده على أسئلة الحاضرين، تطرق الأستاذ بنسعيد لعدة مواضيع مهمة تتعلق بالمجتمع والثقافة والقيم في العصر الحديث، مع تركيز على العهد الجديد والآمال، حيث أشار إلى أن العهد الجديد خلق آمالاً قوية لكنه يحتاج إلى صدمات سيكولوجية تعيد الثقة في المؤسسات، مما يدل على أهمية إعادة بناء الثقة الاجتماعية.
كما توقف عند السوسيولوجيا والأسئلة الراهنة، متحدثا عن دور السوسيولوجيا في فهم الأسئلة المعاصرة التي تواجه المجتمع العربي، مثل التوترات الاجتماعية والتحولات الثقافية.
وفي تفاعل مع الحضور،، أكد المحاضر على أهمية الذكاء الاجتماعي في التعامل مع التحديات المجتمعية، وكيف يمكن للفرد أن يطور مهاراته الاجتماعية لفهم أفضل للواقع. وبين كيف تغيرت القيم الاجتماعية في ظل التطور الرقمي، وكيف يمكن للمجتمعات المحافظة على توازن بين التقليد والتحديث.