ماركس في مواجهة برودون: نحو موقف تحليلي في تاريخ الفكر الاقتصادي
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 02:18
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الإشكالية
تتمحور المسألة التي نود طرحها في هذه المداخلة حول جانب إبستمولوجي: ما الذي يمكننا استخلاصه اليوم من النقد الذي وجهه ماركس إلى برودون؟ هل نحن بصدد نقدٍ أصبحت حججه متجاوزةً ومستنفدةً تماماً، ولم تعد ذات أهمية مفاهيمية أو علمية بالنسبة لنا؟ أم أن هذه المحطة من تاريخ الأفكار تستحق، على العكس من ذلك، أن نتوقف عندها، وأنها لا تزال تنطوي على راهنية معرفية؟ وهل بوسعنا الاستفادة من هذه المواجهة ودروسها في أعمالنا وأبحاثنا الراهنة؟ وهل ثمة ما يمكن تعلمه أو استخلاصه من هذه المواجهة؟ إن طرح الإشكالية على هذا النحو يقتضي منا مقاربة نصوص برودون وماركس من منظور يتجاوز البعد الزمني؛ فبالنسبة لنا، يتعلق الأمر بمواجهة ذات طابع نظري ومفاهيمي دارت بين مفكرين اثنين، بمعزل عن الظروف التاريخية التي نشأ فيها فكرهما.
سينصبّ تأملنا على الحجة الجوهرية التي ساقها ماركس في نقده، ومفادها أن استدلال برودون ليس تحليلياً: «هل ينبغي أن نعجب إذا كان كل شيء - في نهاية المطاف، ومن خلال التجريد لا التحليل - يظهر في صورة مقولة منطقية؟» (ماركس، 1847، ص 75). فما الذي يقصده ماركس بالضبط بكلمة «تحليل» هنا؟ وبأي معنى يقابل - في حالة برودون- بين مفهوم «التحليل» ومفهوم «التجريد»؟ لا يسع قارئ ماركس إلا أن يُفاجأ بهذا التباين للوهلة الأولى؛ إذ لطالما شدد المؤلف على أهمية التجريد في البحث العلمي، وعلى كونه شرطاً لإمكانية المقاربة التحليلية للوقائع المستمدة من الملاحظة المباشرة (انظر: ماركس 1857، ص 254-263). وفضلا عن ذلك، فمن المعلوم ما كان يكنّه ماركس من ريبة شديدة تجاه أي منهجية توصف بأنها تجريبية أو استقرائية في مجال المعرفة.
1- التحليل والإشكالية
هل توجد في مؤلف "نسق التناقضات الاقتصادية" إشكاليةٌ - بمعنى مشكلةٍ مُصاغةٍ ومُؤطَّرةٍ ضمن نسقٍ مفاهيمي، أي في إطار نظريةٍ ما -؟ وهل يطرح برودون على نفسه مشكلةً محددةً ومعالمها واضحة، بحيث يجري فحصها عبر خطابٍ متماسكٍ ومُحكَم البناء؛ خطابٍ تتوالى مراحل تطوره وفق تسلسلٍ منطقيٍ يُفضي إلى مساراتٍ أو عناصر للحل؟ وبصيغةٍ أكثر بساطةً ومباشرةً: ما هو موضوع مؤلف برودون بالضبط؟ وما هي الغاية الأساسية لهذا الكتاب؟
يستهل برودون "النسق" بـ "مقدمة استهلالية" (prologue). وعادةً ما يقدم المؤلف -في مثل هذه المقدمة أو في التمهيد - لمحةً موجزةً عن موضوع عمله وعن المشكلة (أو المشكلات) التي ستُناقش فيه. غير أن "المقدمة الاستهلالية" عند برودون تتناول مسألة وجود الله؛ إذ يقول: "قبل الخوض في المادة التي تشكل موضوع هذه المذكرات الجديدة، يتعين عليّ توضيح فرضيةٍ قد تبدو غريبةً بلا شك، ولكن يستحيل عليّ المضي قدماً أو أن أُفهَم دونها: وأعني بذلك فرضية وجود الله" (برودون 1846، المجلد الأول، ص 33). إنها بالفعل طريقةٌ غير متوقعة - ومُربكةٍ إلى حدٍ ما - لتقديم مؤلفٍ في الاقتصاد السياسي. إذ يتساءل القارئ - بشكلٍ طبيعيٍ تماماً - عن الأسباب التي قد تجعل كتاباً في الاقتصاد السياسي يتطلب، منذ البداية، جهداً فكرياً ذا طابعٍ ميتافيزيقيٍ حول مسألةٍ هائلةٍ بحجم وجود الله؟ ومع ذلك، يشرع القارئ في القراءة والبحث بأقصى درجات حسن النية. تتوالى الجمل وتتعاقب الصفحات، ويُذهَل القارئ أمام "فيضٍ لفظيٍّ متفجّر" (Rubel, 1965b, p. 1549 n. 1, p. 30) يخوض ببراعة في قضايا ميتافيزيقية عميقة؛ فينبهر بموهبة الكاتب في الصياغة وبقدرته الفائقة على بسط الأفكار وتوسيعها وتمديدها، غير أنه لا يقتنع البتة بضرورة هذا الاستطراد حول مسألة وجود الله في مؤلفٍ يُعنى بالاقتصاد السياسي. وبين الحين والآخر، تمنحه بعض الملاحظات - سواء كانت استهلالية أو ختامية - بصيصاً من الأمل: "ومع ذلك، سأعود إلى صلب موضوعي" (Proudhon 1846, t. 1, p. 44)؛ "سأحاول أن أوضح وجهة نظري بإيجاز" (المصدر نفسه)؛ "عليّ الآن أن أبيّن كيف كان لزاماً عليّ، في كتاب عن الاقتصاد السياسي، أن أنطلق من الفرضية الجوهرية..." (المصدر نفسه، ص 52). بيد أن الأمل في إدراك الأسباب التي دعت الكاتب إلى إقحام القارئ في هذا التساؤل الميتافيزيقي المربك سرعان ما يتبدد ويخيب في كل مرة. والأسوأ من ذلك أن ما يظن القارئُ – الذي يكون مستعداً عفوياً، عند قراءة المقدمة، لاستقبال إشكاليةٍ ما ومُصغياً لتماسك المضمون– أنه يدركه كرهانٍ نظريٍ حقيقيٍ وراء الزخم المفاهيمي المفرط في نصوص برودون، يبدو له غالباً ضئيلاً للغاية ومُتسماً بطابعٍ تأمليٍ مباشرٍ وسَاذجٍ لدرجةٍ تجعله يتساءل: كيف يمكن لمؤلفٍ يتمتع بآفاقٍ ميتافيزيقيةٍ واسعةٍ كآفاق برودون أن يتوقف عند هذا الحد، بدلاً من الشروع فوراً في فحص موضوعه المحدد؟
ولكن، هل كان برودون ينصبّ اهتمامه فعلياً على مشكلات اقتصادية محددة؟ عند الفحص الدقيق، نلحظ أن الهمّ الفكري الذي يسيطر عليه لا يمكن أن يكتفي بمجرد تحديد هذه المشكلات أو تقديم تحليل متواضع لها. ذلك أن هدفاً يقتصر على مناقشة قضايا محصورة في الزمان والمكان سيشكل أفقاً ضيقاً للغاية أمام طموح برودون الفلسفي الشامل؛ إذ لا يقلّ طموحه هذا عن تأسيس "العلم الاجتماعي"، أو بعبارة أخرى: "المعرفة العقلانية والمنهجية... لماهية المجتمع في كليّته الحياتية. فيجب على العلم الاجتماعي أن يستوعب النسق الإنساني... في كافة مبادئه وشمولية مقتضياته" (المصدر نفسه، المجلد الأول، ص 73). إن هاجس "العلم الاجتماعي الشامل" يسيطر تماماً على فكر برودون؛ فهذه النزعة الذهنية لا تطيق حصر البحث في موضوع جزئي مقتطع من كليّة الظاهرة الاجتماعية، إذ إن أي خطاب لا يحيط بالكلّ يُعدّ بالضرورة خطاباً قاصراً. وفي معرض حديثه مع "ك. غرون" - الذي ذكّره بأن مشروع "فويرباخ" كان يهدف إلى إثبات أن الأنثروبولوجيا هي "الميتافيزيقا قيد الممارسة" - ردّ برودون قائلاً: "أما أنا، فسأبرهن على أن الاقتصاد السياسي هو الميتافيزيقا قيد الممارسة" (روبل، 1965ب، ص 1555؛ الهامش 1، ص 77).
إذن، يتمحور الأمر حول تبيان الكيفية التي تتحقق بها الميتافيزيقا فعلياً وملموساً داخل الاقتصاد السياسي ومن خلاله. يعني "تحقيق الميتافيزيقا" عند برودون إثبات الترابط الجدلي (الديالكتيكي) بين المقولات الاقتصادية بعضها ببعض: "نحن لا نكتب تاريخاً وفقاً للترتيب الزمني، بل وفقاً لتتابع الأفكار؛ فالنظريات الاقتصادية لها، هي الأخرى، تتابعها المنطقي وتسلسلها في العقل" (1846، المجلد 1، ص 179).
يهدف المؤلف إلى وصف التاريخ العقلاني للنشوء التدريجي للمقولات الاقتصادية انطلاقاً من بعضها البعض، وذلك بموجب ضرورة منطقية تُستنبط فيها المقولة اللاحقة من المقولة السابقة باعتبارها نقيضاً لها أو تركيباً يجمع بين المتناقضات. ويرتكز مشروع برودون برمته على افتراض أساسي مفاده أن المفاهيم التي صاغها الاقتصاديون هي - بل يجب أن تكون - مُرتَّبة وفق منطق جدلي تطوري سيقود البشرية يوماً ما إلى "الحل الشامل" لتناقضاتها (المصدر نفسه، المجلد 2، ص 158). وفي الواقع، يتألف هذا "النسق" من عشر حقب تنتظم فيما بينها وفق حركة جدلية صارمة (انظر المصدر نفسه، ص 189).
هل نحن بصدد إشكالية حقيقية في مشروع كهذا؟ تُبنى الإشكالية عادةً استناداً إلى مجموعة من المشكلات التي رصدها البحث في سعيه لفهم ظواهر محددة بدقة؛ غير أن مشروع برودون يظهر بمثابة تمرين توضيحي. فمن المفترض أن يجسد تعاقب المقولات الاقتصادية الحركة الجدلية (الديالكتيكية) التي تخترق الواقع الإنساني. وفي معرض تعليقه، ينتقد ماركس بشدة كون مادة برودون لا تتألف من وقائع أو عناصر من الحياة العملية للبشر - الذين يمارسون الإنتاج والتبادل والاستهلاك - بل من مقولات مجردة؛ إذ يقول: "إن مادة الاقتصاديين هي الحياة العملية والفاعلة للبشر، أما مادة السيد برودون فهي عقائد الاقتصاديين" (ماركس، 1847، ص 75). وهنا تبرز مسألة التجريد؛ فبرودون يختار منهج التجريد لا بهدف الوصول إلى أبسط عناصر ظاهرة واقعية معقدة (وهو النهج التحليلي الذي يصفه ماركس في القسم المنهجي من "مقدمة عام 1857")، بل بهدف إفراغ المفهوم من محتواه الواقعي والملموس بما يكفي لجعله مرناً وقابلاً للتشكيل، مما يتيح له الاندماج - دون مقاومة - في السلسلة الجدلية باعتباره مرحلة ضرورية فيها. إن مسعى برودون ليس مسعىً معرفياً، بل هو محاولة لتكييف الواقع مع مقتضيات الجدل. وبهذا المعنى يتحدث ماركس عن ظاهرة "القلب" أو الانعكاس في استدلالات برودون، قائلاً: "وهكذا، ومن نتيجة إلى أخرى، أصبح القرن هو التابع للمبدإ، لا المبدأ هو التابع للقرن". "بعبارة أخرى، كان المبدأ هو الذي يصنع التاريخ، ولم يكن التاريخ هو الذي يصنع المبدأ" (ماركس 1847، ص 83). إن الجدلية البرودونية هي حركة تتقدم بالضرورة من الأطروحة نحو نقيض الأطروحة، ومن التحليل نحو التركيب. وعليه، فإن الأشياء والوقائع مدعوة للتكيف مع منطق هذا المسار: إذ يتحتم عليها أن تظهر بالضرورة كأطروحة أو كنقيض للأطروحة، أو كتحليل أو تركيب لبعضها البعض. وبمعنى آخر، وفي ظل هذا الموقف الذهني، تُختزل الأشياء والوقائع إلى مجرد أمثلة أو دعامات أو توضيحات أو تجسيدات للحركة الجدلية؛ حيث يقوم الاستدلال أو الكتابة - بفعل البلاغة - بتشكيلها وليّها وصياغتها حتى تتجرد بما يكفي من محتواها النوعي ومن طابعها التاريخي والعرضي، وتخضع بلا مقاومة لمتطلبات المنطق المفترض أنه يحكم ديناميتها: "هل ينبغي لنا أن نندهش إذا ما تخلصنا تدريجياً من كل ما يشكل خصوصية منزل ما، وتجاهلنا المواد التي يتألف منها والشكل الذي يميزه، لننتهي إلى مجرد جسم ؟ وإذا ما تجاهلنا حدود هذا الجسم، لنحصل قريباً على مجرد حيّز ؟ وإذا ما تجاهلنا أخيراً أبعاد هذا الحيز، لننتهي إلى مجرد الكمّ الخالص أو المقولة المنطقية ؟ فمن خلال تجريد أي موضوع من كل ما يُزعم أنها عرضيات - سواء كانت كائنات حية أو جمادات، بشراً أو أشياء - يحق لنا القول إننا نصل في نهاية عملية التجريد هذه إلى اعتبار المقولات المنطقية هي الجوهر" (المرجع نفسه، ص 75-76).
2- التحليل والقراءة
يتطلب صياغة الإشكالية عملاً يتضمن قراءة متأنية للنصوص والأطروحات المطروحة في مجال البحث المختار. فمن خلال النقاش والشرح، وعبر عملية "الاشتباك الفكري" (أو الحوار النقدي العميق) مع مؤلفي تلك النصوص، تتهيأ الفرصة لبروز المشكلة البحثية وتبلورها في قالب مفاهيمي. ومعلومٌ ما يوليه ماركس من أهمية لعملية القراءة في سياق البناء النظري؛ إذ يجمع كُتّاب سيرته على الإشادة بذلك الصبر المدهش الذي كان يتحلى به وهو يملأ دفاتر مسوداته بآلاف الاقتباسات المستقاة من قراءاته. وهنا، لا بد من التشديد على الدلالة النظرية لنشاط النسخ أو النقل هذا؛ فالأمر لا يقتصر ببساطة على تخزين أفكار عبقرية أو مثيرة للاهتمام أو مبتكرة، بقصد توظيفها لاحقاً في الوقت المناسب. بل إننا بصدد ممارسة فكرية فريدة للغاية، قوامها الاشتغال على فكر المؤلف تماماً كما يشتغل الصانع اليدوي على مادته الخام. فما يستأثر باهتمام ماركس أثناء القراءة ليس أفكار المؤلفين في حد ذاتها بقدر ما هو طبيعة الاستدلال والمنطق الذي يتبعونه؛ وبتعبير أدق، يسعى ماركس جاهداً لسبر أغوار المنطق الخاص والمبتكر للمؤلف الذي يقرأ له، وذلك لمواصلة التفكير والبناء الفكري معه. ورغم ما كان يبديه ماركس غالباً من آراء قاسية وصارمة تجاه كُتّاب الاقتصاد السياسي، فإن قراءته لكتاباتهم تكشف عن موقف مدهش يتسم بالاحترام والإنصات العميق. فحين يكون هناك ما يستحق الفهم لدى مؤلف ما - أو بالأحرى عندما يقتنع ماركس بوجود تسلسل تحليلي رصين لدى ذلك المؤلف (مثل تحليلات كينيه لـ "الجدول الاقتصادي") - تتلاشى كل مظاهر التعالي، وتُعلَّق القناعات أو اليقينيات النظرية مؤقتاً، ليفسح المجال أمام جهد دؤوب ومستمر للفهم والاستيعاب.
في الواقع، يمكن القول إن ماركس قد تعلّم إخضاع فكره للانضباط التحليلي من خلال ممارسة القراءة المتأنية واليقظة للنصوص. ولا يبالغ ألتوسير -في نظرنا - حين يكتب: «سأجرؤ على القول بأننا ينبغي أن نبدأ، انطلاقاً من ماركس، في استكشاف كنه القراءة - وبالتالي الكتابة - وما تعنيه، على الأقل من منظور نظري» (ألتوسير، 1968، ص 13).
من اللافت للنظر أن ماركس، وفي سياق رده على برودون من بدايته إلى نهايته، يدافع عن الاقتصاديين. ومع ذلك، لا نحتاج إلى التذكير بحدة الانتقادات التي دأب على توجيهها لهؤلاء الاقتصاديين، والذين لم يتردد في وصفهم - في النص ذاته - بأنهم "الممثلون العلميون للطبقة البرجوازية" (ماركس، 1847، ص 92). وتكتسب هذه المسألة دلالة أكبر بالنظر إلى أن برودون، في الفصل الأول من مؤلفه المعنون "في العلم الاقتصادي"، يهاجم الاقتصاديين بعبارات تكاد تكون مطابقة لتلك التي استعارها ماركس لانتقاد المؤلفين أنفسهم. ولا يغفل "م. روبيل" (M. Rubel) الإشارة - في معرض تحليله لنقد ماركس - إلى الغياب التام لأي إشارة إلى هذا الفصل الأول من كتاب برودون. ويلاحظ هذا الخبير البارز في الفكر الماركسي، وعن حق، أنه كان سيكون من الصعب للغاية على ماركس ألا يتبنى الأطروحات التي يطرحها برودون في هذا الفصل بشأن الاقتصاديين، لو أن مؤلف "رأس المال" قد أشار إليها صراحةً؛ ولذا، فقد آثر تجاهل هذه الطروحات كي لا يجد نفسه في موقف محرج يضطره للاعتراف بصحة بعض أحكام برودون. ففي ضوء العبارة الاستهلالية التي وضعها ماركس في مقدمة كتابه، كان أحد أهدافه يتمثل في إظهار - من خلال نقده - ضحالة كفاءة برودون في المجال الاقتصادي. وتُعد هذه الحجة عاملاً يساهم بلا شك، ولو جزئياً، في تفسير الاستراتيجية التي وجهت صياغة نقد ماركس. غير أن هذا التفسير - في نظرنا - لا يستنفد بأي حال الأبعاد النظرية لموقف ماركس؛ إذ تتعلق هذه الأبعاد، على وجه التحديد، بمسألة القراءة.
من المؤكد أن ماركس كان ينظر بعين الريبة إلى رؤية برودون المثالية المفرطة فيما يتعلق بمفهوم العدالة. سواء في رده على مؤلف كتاب "فلسفة البؤس" أو في نقده للاشتراكية الطوباوية (ولا سيما نقده لـ "الاشتراكيين الريكارديين")، يلفت ماركس الانتباه إلى أن التركيز المكثف على مفهوم مطلق للغاية للعدالة قد يحجب الرؤية والتحليل لنمط التنظيم الخاص، ولآلية التعايش غير المتوقعة بين عناصر تبدو للوهلة الأولى متناقضة ولكنها تنتظم داخل بنية متماسكة. إن مقاربة الواقع الاقتصادي والاجتماعي من منظور العدالة قد تدفع الباحث إلى تبني موقف استنكاري - وإن كان مبرراً أخلاقياً - إلا أنه يتسم بالكسل في ما يتعلق بالجهد المطلوب لاستيعاب المنطق الداخلي الخاص بالبنية المدروسة. ومع ذلك، فإن مسألة العدالة ليست غريبة عن فكر ماركس؛ غير أنها تقع في مستوى أكثر واقعية وتواضعاً، وذات طابع معرفي (إبستمولوجي) في المقام الأول. ويمكننا تعريف هذا المطلب الأخلاقي لدى ماركس بأنه الحرص على إنصاف المؤلفين الذين يقرأ نصوصهم، بل وإنصاف أولئك الذين يوجه إليهم النقد بشكل أخص. ففي معرض عرضه أو نقده لأفكار ونظريات المؤلفين الذين يدرسهم، يُظهر ماركس التزاماً شديداً بمبدأ "أعطِ ما لقيصر لقيصر". «إن كون ماركس قارئاً فذاً هو أمرٌ يهمنا بدرجة أقل بكثير من حقيقة أنه شعر بالحاجة إلى تغذية نصه بقراءاتٍ جهرية؛ ليس فقط من أجل متعة الاقتباس أو حرصاً على دقة المراجع (إذ كان يتسم في هذا الصدد بدقةٍ هوسية، وهو ما كان على خصومه أن يدركوه على حسابهم الخاص)، ولا لمجرد ذلك السلوك القائم على النزاهة الفكرية الذي كان يدفعه دائماً - وبسخاء - إلى الاعتراف بحقوق الآخرين (فهو كان يدرك جيداً، ويا للأسف، معنى الدَّين)، بل لأسبابٍ متجذرةٍ بعمق في الشروط النظرية لعمله الكشفي» (ألتوسير، 1968، ص 15).
هذا بالضبط ما يأخذه ماركس على برودون: عدم إنصاف الاقتصاديين - الذين تعرضوا، بالمناسبة، لانتقادات لاذعة - وإعطائهم حقهم. فبرودون، ذلك الداعية للعدالة، يبدو - في نظر ماركس- بعيداً كل البعد عن إنصاف الاقتصاديين والتحليل الاقتصادي السائد في عصره، أي في الفترة التي ألّف فيها كتابه. لقد كانت أحكام برودون النقدية على الاقتصاد السياسي قاطعة وحاسمة: "لا أعتبر ذلك المزيج غير المترابط من النظريات - التي أُطلق عليها منذ قرن تقريباً اسم الاقتصاد السياسي - علماً [...] فهذه النظريات لا تقدم لنا سوى المبادئ الأولية أو القسم الأول من العلم الاقتصادي [...] ولطالما لفت قصورُ الاقتصاد السياسي أنظارَ المفكرين المتأملين" (برودون، 1846، المجلد الأول، ص 66). والسؤال الذي يطرحه ماركس بسيط: هل أمعن برودون النظر بما يكفي في كتابات الاقتصاديين ليسمح لنفسه بإصدار مثل هذه الأحكام القيمية بشأنهم؟ وهل تتجاوز الأفكار التي يطرحها برودون حول المواضيع الاقتصادية - فعلياً - نظريات كل من سميث ومالثوس وريكاردو وساي؟ وهل تعالج تحليلات برودون - حقاً - أوجه القصور في الاقتصاد السياسي؟
يمكن توضيح إجابتنا السلبية عن هذا السؤال من خلال مثالين ملموسين: أطروحات برودون حول "القيمة" من جهة، وحول "الريع" من جهة أخرى. ولكن نظراً لضيق المساحة، سنكتفي بعرض خلاصة تعليقاتنا؛ إذ تعكس أحكام برودون المتسرعة والمجانية وغير المنصفة على كتابات الاقتصاديين الكلاسيكيين موقفاً قائماً على الإدانة المسبقة. يبدو أن قياساً منطقياً غريباً يحكم استدلالات المؤلف؛ فالمجتمع الراهن يتسم بالظلم وانعدام المساواة، ونظام التبادل الحالي يُعدّ إهانة لمبدأ المعاملة بالمثل، ومن ثم فهو يسلب العامل حقه. والعلم هو المجال الذي تتجلى فيه الحقيقة، وتكشف العلوم الاجتماعية عن حقائق الظواهر الاجتماعية والإنسانية؛ غير أن الحقيقة والظلم (أو انعدام المساواة) أمران لا يجتمعان. وعليه، فإن النظريات الاقتصادية القائمة لا يمكنها أن تدعي لنفسها صفة العلم؛ فهي ليست سوى إرهاصات أولية وخطوات متعثرة لمحاولات تسبق مرحلة العلم الحقيقي. وبما أن المجتمع لا يزال يمر بمرحلة تاريخية تتسم بتناقضات صارخة، فلا ينبغي تقديم أي تركيب فكري (أو حل توفيقي) على أنه نهائي؛ إذ لم تبلغ البشرية بعد "المرحلة الأخيرة من البناء الاجتماعي" أو "الحل الشامل للتناقضات" (برودون، 1846، المجلد 2، ص 158). ولن يتأسس علم اجتماعي حقيقي إلا حين يتطهر المجتمع من الظلم وتصبح المنافسة كاملة. ونعتقد أن هذا النمط من الاستدلال - بما ينطوي عليه من غرابة وشطط - هو ما يفسر ذلك التعالي المدهش الذي يعامل به برودون الاقتصاديين؛ فمهما فعلوا أو فكروا، سيظلون حبيسي التقريب والغموض والسطحية أو الحماقة.
3- التحليل وإعادة القراءة
تتمحور إحدى انتقادات ماركس الجوهرية حول غياب "إعادة القراءة" التي تتسم بها، في نظره، طريقة عرض برودون لأفكاره. ففي خضم الكتابة وعبر الصفحات، "ينسى برودون كل شيء"، على حد تعبير ماركس (ماركس، 1847، ص 33). وتبدو لنا هذه الملاحظة ذات دلالة هامة؛ فأسلوب برودون يتسم بطابع "انفجاري"، كما أشار م. روبيل (M. Rubel)؛ إذ إن كتابته فيّاضة وتتدفق بغزارة، حيث تتوالى الأفكار والحدوس والتأملات بتدفق هائل وسرعة مذهلة. ويجد القارئ نفسه منجرفاً في هذا التيار المتواصل، مبهوراً - بل ومأخوذاً - بإبداع المؤلف وخياله المتوقد؛ فهو لا يدرك دائماً ما يحدث له، أو إلى أين يُساق، أو ما هو الهدف منه. غير أن هناك شغفاً حاضراً، وهذا الشغف مُعدٍ ومُلهِم. وتكمن المشكلة حين ينقطع سحر هذا التدفق، ويبدأ المرء في التساؤل عن منطق الاستدلال؛ بعبارة أخرى، يطرح نص برودون إشكالية عندما نحاول العودة إليه ومساءلة تسلسله المنطقي ومدى اتساقه، إذ يواجه القارئ حينها تناقضات أو اختلالات مثيرة للحيرة. وهذا بالضبط ما أراد ماركس التعبير عنه حين تحدث عن "النسيان"؛ فكلما توغل برودون في نصه، تلاشت تدريجياً آثار الصفحات السابقة - أو على الأقل بعض الأطروحات التي صِيغت في البداية بقناعة تامة. وبشكل أدق، لا يتردد برودون في التخلي - أثناء الكتابة - عن أفكار وأطروحات بالغة الأهمية، وذلك حين تطرأ عليه أفكار جديدة لا تتوافق مع سابقاتها. يستشهد ماركس في هذا الصدد بمقولة لجوفينال: "Et propter vitam vivendi perdere causas" ("ومن أجل العيش، التضحية بأسباب الحياة") (ماركس، 1847، ص 33).
عند التدقيق في الأمر، نجد أن ما ينتقده ماركس في الغالب لدى برودون ليس مضمون الأطروحة ذاتها بقدر ما هو غياب التأمل الذاتي في النص. ففي تعليقاته الهامشية على كتاب ماركس "بؤس الفلسفة"، كثيراً ما كان برودون يصرخ قائلاً: "افتراء وقح"، "كذب، هذا بالضبط ما أقوله"، "المعنى الحقيقي لكتاب ماركس هو أنه يأسف لأنني فكرتُ مثله في كل شيء ولأنني قلتُ ذلك قبله"، "سرقة أدبية"، "ولكن كل هذا أنا" (هوبتمان، 1981، ص 234-236). وفي الواقع، يلاحظ م. روبيل، ببراعة، أن ماركس لا يأتي على ذكر بعض أفكار برودون وتطوراتها، كما هو الحال مثلاً في الفصل المتعلق بـ "الجماعة" (أو المشاعية)، حيث "يذهب برودون في نقد الطوباوية إلى مدى يقارب ما وصل إليه ماركس" (روبيل، 1965ب، ص 1566؛ الهامش 2، ص 117). غير أن السيد "روبل" نفسه يضطر للاعتراف في موضع آخر بأنه "نظراً للإسهاب الذي يتسم به الخطاب البرودوني، فلا عجب أن نجد في هذا العمل الضخم أفكاراً تصب في اتجاه سوسيولوجيا البنى الفوقية ، على النحو الذي رسم ماركس ملامحها في تلك الملاحظة..." (المرجع نفسه، ص 1556؛ الهامش 1، ص 79). ففي الواقع، يفسح هذا "الإسهاب المدهش" - المتمثل في "التضخم اللفظي" و"التضخيم الشاعري" (هوبتمان، 1981، ص 224) لدى برودون - المجالَ بسخاءٍ لفيضٍ من الأفكار المثيرة للاهتمام والبارعة، والتي تتسم أحياناً بوجاهة وقوة كبيرتين. بيد أن مجرد طرح أفكار - حتى وإن كانت وجيهة للغاية - لا يُعد بالنسبة لماركس دليلاً على الصرامة المفاهيمية للنص؛ إذ لا بد أن يندرج هذا الطرح ضمن سياق إشكاليةٍ ما، بحيث يشكل حلقةً منطقيةً في مسارها. ولما كان برودون يفتقر إلى إشكالية حقيقية ومبنية بتأنٍ، فإنه قد يدافع - في عمله الضخم هذا - عن الرأي ونقيضه في غضون صفحات أو فصول قليلة؛ وهذا التناقض في النص هو ما يثير استياء ماركس على وجه الخصوص.
لنأخذ المثال التالي. فكما أشرنا سابقاً، يحرص برودون على توضيح أنه لا يكتب "تاريخاً وفقاً للترتيب الزمني، بل وفقاً لتتابع الأفكار؛ إذ إن للنظريات الاقتصادية، رغم ذلك، تتابعها المنطقي وتسلسلها الخاص في الفكر" (1846، المجلد الأول، ص 179). وهذا موقف منهجي مُعلن في الكتاب الأول من العمل. وفي موضع لاحق، وتحديداً في الكتاب الثاني، يشير ماركس إلى الفقرة التالية: "إن الحقيقة في ذاتها مستقلة عن هذه الأشكال الجدلية (الديالكتيكية) ومتحررة من تركيبات عقولنا" (المصدر نفسه، المجلد الثاني، ص 78-79). يتساءل ماركس: عن أي شيء يدور الحديث هنا؟ هل هو التتابع المنطقي للأفكار أم التتابع التاريخي للمراحل في الواقع؟ وما هي منهجية برودون؟ "ما الذي يقدمه لنا السيد برودون إذن؟ هل هو التاريخ الواقعي، أي -وفقاً لمفهوم السيد برودون- التتابع الذي ظهرت وفقه المقولات في الترتيب الزمني؟ لا. أم هو التاريخ كما يجري في الفكرة ذاتها؟ هذا أبعد ما يكون عن الواقع. إذن، لا هو التاريخ الدنيوي للمقولات ولا التاريخ المقدس! فأي تاريخ يقدمه لنا في النهاية؟ إنه تاريخ تناقضاته الخاصة" (ماركس، 1847، ص 83). وهكذا، نجد برودون يتبنى مواقف متناقضة بحسب مقتضيات القضية التي يدافع عنها. ولعل هذا التحلل من الانضباط المنطقي هو ما يضفي جاذبية خاصة على نصه في نظر القارئ الذي ينجذب إلى أناقة الأسلوب وثراء الخيال. ولكن من حقنا أن نبدي رد فعل -على غرار ماركس- إذا ما سمح صاحب هذا السلوك غير المنضبط لنفسه باتخاذ موقفٍ مُتَعالٍ أو مُزْدَرٍ إزاء الخطابات التي تحرص على الحفاظ على تماسك المفاهيم التي توظفها ودقة ترابطها المنطقي. فما يعتقد برودون أنه قصور أو فقر أو حتى سطحية في نصوص الاقتصاديين، قد يكون في الواقع ناتجاً عن سوء فهم جسيم؛ إذ يبدو أنه يخلط بين الضعف أو السذاجة وبين ما تقتضيه المقاربة التحليلية من تقشّف واعتدال وتجرّد.
لا توجد بالضرورة علاقة تناقض لدى برودون بين الأفكار الواردة في مواضع مختلفة من مؤلَّفه؛ ففي حالات عديدة، نلحظ ببساطة غياباً لأي علاقة بينها. ومع ذلك، لا يمنع هذا برودون من الخوض في استطرادات لا تنتهي، يفقد القارئ خلالها خيط الأفكار، وكثيراً ما يفقد صبره أيضاً. وحين يعود المؤلف إلى الموضوع الذي استهل به الفصل أو القسم، لا يجد القارئ نفسه مقتنعاً بجدوى تلك الاستطرادات. والأسوأ من ذلك، أنه من خلال الانتقال من استطراد إلى آخر، قد ينقضي الفصل بأكمله دون أن تُناقش أو تُفحص الأطروحة الأصلية للفصل بجدية في أي لحظة. وتُعد "الحقبة الثانية" -المتعلقة بالآلات- مثالاً جيداً يوضح ما ذكرناه للتو؛ فالآلات تمثل، في نظر برودون، لحظة "التركيب" (synthèse)، وهي "تُطرح في الاقتصاد السياسي على نحو متناقض مع تقسيم العمل [الحقبة الأولى]" الذي يمثل لحظة "التحليل" (analyse): "إن الظهور المتواصل للآلات يمثل النقيض (antithèse) والصيغة المعاكسة لتقسيم العمل، إنه احتجاج العبقرية الصناعية ضد العمل المجزَّأ والمُهلك" (برودون، 1846، المجلد 1، ص 170-171). غير أن هذه الأطروحة لا تخضع لأي بحث معمق أو متماسك طوال الصفحات الثماني والثلاثين المخصصة للآلات؛ إذ لا يشعر برودون بالحاجة إلى تأصيل تاريخي لأطروحة تنطوي على مفارقة كهذه، أي تلك التي تضع تقسيم العمل في مواجهة تطور الميكنة. ذلك أن همه الأساسي ليس -بالمعنى الدقيق للكلمة- الآلة بوصفها واقعاً تاريخياً. بمجرد أن يختزل مسألة "الآلة" في فكرة مفادها أنها تمثل لحظة التركيب (التوليف) في تسلسل جدلي، فإنه يتخلى في آنٍ واحد عن "الآلة" كشيء مادي وعن الوقائع التاريخية التي تولدت عنها. ولا يزعج برودون أبداً أن تتعارض أطروحته هذه مع كل ما يعلّمنا إياه التاريخ؛ فهو يمتلك، في الواقع، فلسفة راسخة ومحددة بشأن الوقائع: "بالنسبة لنا [...] ليست الوقائع مادةً -إذ إننا لا ندرك كنه كلمة مادة هذه- بل هي تجليات مرئية لأفكار غير مرئية. وعلى هذا الأساس، لا تكتسب الوقائع قيمتها البرهانية إلا بمقدار الفكرة التي تمثلها..." (المصدر نفسه، المجلد الأول، ص 169-170). ونقرأ بعد ذلك بقليل: "باختصار، الوقائع البشرية هي تجسيد للأفكار البشرية؛ ومن ثم، فإن دراسة قوانين الاقتصاد الاجتماعي تعني صياغة نظرية لقوانين العقل وإبداع الفلسفة" (المصدر نفسه، ص 170). لقد نجحت سحرية الكلمات في تنحية الوقائع وخصوصيتها ببراعة؛ ففي لمح البصر، حلّ العقل محل الوقائع، وأصبح موضوع الدراسة لا يكمن في العمق التاريخي للوقائع، بل في القوانين الكونية للعقل. وهنا يتساءل القارئ: فيمَ يختلف الاقتصاد السياسي -في هذا السياق- عن أي حقل معرفي آخر، كالتاريخ أو القانون أو علم النفس أو الإثنولوجيا أو التربية أو اللسانيات أو السياسة، وما إلى ذلك؟ إن كل شيء يكمن في كل شيء وبالعكس؛ وهذا "الكل" ليس سوى الفلسفة. لا بد من التسليم بحقيقةٍ ما: إن كتابة برودون — بما تنطوي عليه من فيضٍ في الكلمات وجزالةٍ في العبارة — تشكّل آلةً فعّالةً لتبخير الواقع.
باختصار، يُعد برودون كاتباً يدوّن أفكاره بغزارة؛ وهو بلا شك يفكر بعمق وتركيز شديدين، مبدياً إبداعاً استثنائياً وسرعةً مذهلة. ومع ذلك، يبدو أن ما يأخذه ماركس عليه هو بالضبط اكتفاؤه بكتابة ما يجول في خاطره، دون أن يحاول إعادة النظر فيما يكتبه أو تمحيصه. ورغم ما قد يبدو عليه الأمر من تناقض، لا بد من الإقرار بأن برودون يفتقر إلى الصبر؛ ونعني بهذا الافتقار إلى الصبر نوعاً من "الكسل الفكري" الذي يمنع الكاتب من منح نفسه الوقت والصفاء الذهني اللازمين لتقدير الجهد التحليلي للمؤلفين الذين يقتبس عنهم أو يشير إليهم. كما أن هذه العجلة للوصول بأسرع ما يمكن إلى أفكاره الخاصة تحرمه من الوقت الكافي لمراجعة ما كتبه. إنه لأمر متناقض -بل ومثير للاستغراب- أن يُوصَف كاتب مثل برودون، الذي كان دؤوباً في عمله إلى أقصى حد، بأنه "كسول". غير أن هذا التناقض أو الغرابة ليسا إلا ظاهريين؛ فبرودون كان يقع حرفياً تحت سطوة حمى الكتابة، وتلك "الثرثرة المتدفقة" أو "التضخم اللفظي"، مما كان يحرِمُه من الوقت اللازم للقراءة وإعادة قراءة ما كتبه. ولعلنا نجد هنا إحدى السمات الجوهرية التي تُميّز بين برودون وماركس.
من المعروف ذلك الاعتراف المدهش الذي أدلى به ماركس لابنته لورا في رسالة كُتبت عام 1868: "لا شك أنكِ تظنين، يا ابنتي العزيزة، أنني أكنُّ حباً مفرطاً وغير عقلاني للكتب، إذ أُكثر من الحديث عنها على نحوٍ قد يبعث على السأم. لكنكِ مخطئة؛ فأنا لستُ سوى آلة محكوم عليها بالتهام الكتب، ثم قذفها -بعد تحويلها- إلى مزبلة التاريخ" (Rubel, 1965a, p. CXXXV). إن النص الرصين يختلف تماماً عن مجرد كومة من الأفكار أو الأطروحات أو الحدوس. فحين يرى ماركس أن نصاً ما يستحق الاهتمام -أي أنه قابل للتحويل- فإنه يقرؤه ليختبر رصانته المفاهيمية، وليقيّم التماسك المنطقي في تسلسل مراحل الحجاج المختلفة. وحينئذٍ، يُعامل النص بوصفه مادة خاماً، أو موضوعاً قابلاً للتحويل؛ إذ لا غموض في هذا الأمر. ففي العلوم الاجتماعية، ولا سيما في مجال كتاريخ الفكر الاقتصادي، لا توجد "طريقة" جاهزة تضمن الطابع العلمي -أي سلسلة من الإجراءات أو القواعد التي يمنح تطبيقها الشكلي الخطابَ صبغةً علمية- بل إن هذه الصفة تُكتسب من خلال ممارسة القراءة النشطة والمُحوِّلة. كما أن العقلية التحليلية تُكتسب عبر الاشتغال على الجهد التحليلي للآخرين. وتتمثل الصبر في منح المرء نفسه الوقت الكافي لتجربة الانضباط التحليلي واستيعابه؛ فهذا الانضباط يُعرَّف، في الواقع، بأنه القدرة على استبعاد ما لا تبرره منطقياً الإشكاليةُ المطروحة. وهذا النقيضُ تماماً لما نلحظه في أسلوب برودون الكتابي. عندما تخطر ببال مؤلفنا فكرةٌ مثيرة للاهتمام، يسارع فوراً إلى إدراجها في سياق حديثه؛ إذ لا يبدو أن احتمالاً آخر يخطر بباله قط، ألا وهو العودة إلى ما كُتب سابقاً. فبدلاً من مجرد إضافة الفكرة الجديدة إلى النص مباشرة، كان من الممكن أن تفتح هذه الفكرة باباً لتأمل نقدي فيما كُتب من قبل؛ إذ يمكنها أن تعمل كعاملٍ يكشف عن ثغرات في الخطاب المطروح بالفعل. وإذا ما حدث ذلك، فإن الانضباط التحليلي يقتضي تنقيح الصفحات المكتوبة وتهذيبها قبل المضي قدماً في طرح الفكرة الجديدة. ومن ناحية أخرى، قد تكون الفكرة الجديدة - رغم أهميتها - غير قابلة للإدراج في النص قيد الإنجاز لعدم توافقها مع الإشكالية المحددة؛ وفي هذه الحالة، يفرض الانضباط التحليلي التخلي عن الفكرة، مهما بلغت أهميتها في حد ذاتها وبمعزل عن تلك الإشكالية. وعلى أية حال، يتطلب الانضباط التحليلي من الباحث، قبل كل شيء، القدرة على مقاومة إغراء الاستطرادات غير المبررة؛ وبهذا المعنى، يدعو هذا الانضباط إلى نوع من "التقشف" في المفاهيم بدلاً من الإفراط في الثراء بها. فمنذ كتاباته المبكرة، نلحظ لدى ماركس وعياً حاداً بحقيقة أن الكلمات، وإن كانت السبيل الوحيد للوصول إلى الواقع، إلا أنها قد تعمل أيضاً كمساحة لتفريغ الواقع أو تجنبه أو كبته. ويرى ماركس أن أسلوب برودون يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لهذا الحرص؛ فلدى برودون، ينتهي الإفراط غير المحدود في استخدام الكلمات إلى خنق الواقع، وذلك لأن خطاب برودون لا يخضع لأي انضباط تحليلي. غير أن الخضوع للانضباط التحليلي يستلزم نوعاً من التسليم: التسليم بحقيقة أنه لا يمكننا أن نأمل في الوصول إلى الواقع إلا عبر أجزاء صغيرة، وفي صورة مجزأة. يقتضي التحليل التخلي -مرةً وإلى الأبد- عن وهم "الكلية"، وعن وهم تقديم تفسيرٍ شاملٍ للواقع برمّته؛ وهو ذاك الأمل الذي لم يستطع برودون التخلي عنه قط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: https://books.openedition.org/editionscnrs/44352?lang=en