أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثامن والعشرون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 00:19
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
وفقاً لمحمد الساسي، يعود ارتباط الشعب باليسار بشكل خاص إلى أن اليسار كان ملاذاً للمظلومين؛ فكلما شعر فرد ما بأنه قد حُرم من حقوقه، كان يطرق أبواب مقر الاتحاد الاشتراكي أو حزب التقدم والاشتراكية. لقد اعتبر المظلومون اليسار صوتاً لمن لا صوت لهم. ولم يؤثر سقوط جدار برلين -أو عدمه- على علاقة الناس باليسار، لأن هذه العلاقة كانت قائمة على الواقع المغربي، بغض النظر عن الخيارات الأيديولوجية أو الصراعات بين العائلات السياسية على الصعيد الدولي.
وبناءً على ذلك، يمكن تفسير تراجع اليسار بعاملين رئيسيين: أولهما فشل استراتيجية النضال الديمقراطي التي بدأت في منتصف السبعينيات، وثانيهما فشل تجربة "التناوب التوافقي" التي قادها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وتشكيلات يسارية أخرى عام 1998.
وفي ما يتعلق بفشل استراتيجية النضال الديمقراطي، يبدو من الضروري وضع الأمور في سياقها لفهم الأسباب التي دفعت جزءاً من اليسار المغربي إلى تبني استراتيجية التسوية مع النظام.
فبعد المحاولتين الانقلابيتين اللتين وقعتا عامي 1971 و1972 ومحاولة التمرد المسلح التي قام بها الجناح العسكري لـ "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عام 1973، اتخذ النظام موقفاً أكثر تشدداً، مستخدماً وسائل قمعية واسعة النطاق ضد كل من عارض النظام الملكي. وقد ظلت الحياة السياسية معطلة إلى أن قرر النظام، في منتصف السبعينيات، الشروع في انفتاح سياسي خجول ولكنه محكوم بالرقابة والسيطرة. وفي الوقت نفسه، أتاح نزاع الصحراء الغربية فرصةً سانحةً لاحتواء أحزاب المعارضة التقليدية، التي وجدت نفسها مضطرةً للرضوخ للمقاربة السلطوية باسم المصلحة الوطنية العليا. وبالتوازي مع هذا التحول، غيّرت هذه الأحزاب - على خلاف ما كان عليه الحال في الماضي - نبرة خطابها الحزبي وخففت من حدة شعاراتها، مُبديةً بذلك قدراً من الاعتدال؛ إذ أبدت قيادات كل من الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية استعداداً للمساومة وقبولاً بقواعد اللعبة التي فرضها النظام. وقد مُنحت هذه الأحزاب هامشاً محدوداً للعمل، مقابل تخليها عن مشروعها الثوري؛ حيث قررت قيادة الاتحاد الاشتراكي القطع مع الممارسات "البلانكية" (الثورية الراديكالية) وتبني أسلوب جديد للنضال.
في هذا السياق، اختار الحزب استراتيجية أُطلق عليها اسم "استراتيجية النضال الديمقراطي". وعلى النقيض من الخط السياسي المتشدد الذي تبناه "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" - والذي تجلى في رفضه القاطع للمشاركة في الحياة السياسية الرسمية للبلاد إلى حين تلبية مطالبه - تبنى الاتحاد الاشتراكي نهجاً يجمع بين النضال والمشاركة، وذلك سعياً لتحقيق تلك المطالب.
شرع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حينها في المشاركة في المسار الديمقراطي، مدفوعاً برغبة في الحضور في كافة المعارك الانتخابية - سواء كانت برلمانية أو جماعية أو بلدية أو حكومية - مع مواصلة النضال في جبهات أخرى، سواء داخل المنظمات الجماهيرية أو في الشارع. ولم يعد الأمر يتعلق بتغيير جذري للنظام، بل بعمل يهدف إلى إصلاح النظام من الداخل؛ إذ أصبحت انتقادات الحزب الرئيسية تتجه - منذ ذلك الحين - نحو الأغلبية الحكومية والبرلمانية أكثر من توجيهها ضد النظام الملكي.
ولتحقيق هذا الهدف، خيضت معركة لرفع مستوى الوعي لدى الجماهير الشعبية، بهدف تعميق الوعي السياسي للمواطنين وتهيئة الظروف اللازمة لقيام الديمقراطية. وقد أصبحت الأخيرة هي مناط الخطاب السائد، باستثناء أقصى اليسار الذي ظل "الحلم الثوري" يشكّل جوهر مخياله الجماعي.
ووفقاً لمحمد الساسي مرة أخرى، فقد أقدم اليسار المغربي - في منتصف سبعينيات القرن الماضي - على مباشرة مراجعات فكرية أتاحت التوفيق بين القيم المستمدة من الثورة الفرنسية ومبادئ الاشتراكية. وهكذا، جدّد اليسار أفكاره وانخرط في النضال الديمقراطي، انطلاقاً من قناعة مفادها أنه لا يمكن الفصل بين الديمقراطية والاشتراكية؛ كما أخضع الاشتراكية للتحليل من خلال نقد كيفية تطبيق مبادئها في دول المعسكر الشرقي.
تبنى اليسار المغربي هذا النهج باعتباره استراتيجية للتغيير عبر مراحل تدريجية. ومن خلال ضمان الحضور داخل المؤسسات وفي الشارع، وعبر النضال داخل المنظمات الجماهيرية، سعى اليسار إلى تجنب سياسة "الكرسي الفارغ". كما هدف أيضاً إلى تغيير موازين القوى لصالح الخيارات الديمقراطية، استناداً إلى ثلاث حقائق بديهية.
تتعلق الحقيقة الأولى بالاعتراف بشرعية النظام القائم، انطلاقاً من مبدإ أن الملكية ليست بالضرورة مناقضة للديمقراطية. في مرحلة ما، اعتبر اليسار أن الجمهورية تعبر عن نظام يجسد الحرية والديمقراطية. وبالنسبة لليسار، لم يكن النقاش ينصبّ على شكل النظام بل على مضمونه؛ إذ يمكن للنظام أن يكون جمهورياً ولكنه استبدادي، كما يمكن أن يكون ملكياً وديمقراطياً في آن واحد.
ثانياً، راجع اليسار استراتيجيته للتغيير، متخلياً عن فكرة إسقاط النظام بشتى الوسائل، سواء عبر التحالف مع الجيش أو من خلال العمل المسلح كما حدث عام 1973. وثالثاً، تم وضع حد لتلك الازدواجية التي كانت قائمة بين الحزب من جهة، والأجنحة المسلحة التي قد تتدخل لتحقيق الأهداف ذاتها من جهة أخرى؛ فقد كان الحزب يُنظر إليه حينها باعتباره مجرد واجهة، وجعلت هذه الازدواجية من الصعب معرفة ما إذا كان الحزب يُدار من الداخل أم من الخارج.
وهكذا، لم يعد اليسار المغربي يرفض النظام الملكي، بل أصبح يركز أكثر على النضال السلمي عبر المسار الديمقراطي، والنضال داخل المؤسسات وخارجها. كما رأى أن النظام المغربي، وإن لم يكن يُصنّف كنظام دكتاتوري، إلا أنه لم يكن بالإمكان وصفه بالنظام الديمقراطي أيضاً؛ فهو يتيح هامشاً ديمقراطياً، لكنه لا يمثل الديمقراطية بمعناها الكامل. ومن ثم، تهدف استراتيجية النضال الديمقراطي إلى تحويل هذا الهامش الديمقراطي إلى ديمقراطية فعلية، أي دفع النظام السياسي نحو الديمقراطية.
في الواقع، تشهد بلادنا شكلاً من أشكال الديمقراطية يتجسد في مؤسسات مماثلة لتلك الموجودة في الدول الديمقراطية؛ غير أن هذه الهياكل تفتقر إلى الروح، إذ يتوفر الشكل ولكن يغيب المضمون. وقد ساد اعتقاد بأن استراتيجية النضال الديمقراطي كفيلة ببث الروح في هذا القالب الشكلي؛ فالبرلمان - على سبيل المثال - يفتقر إلى الاستقلالية ويعكس الإرادة الملكية لا إرادة الأحزاب، مما يجعله مجرد واجهة تهدف إلى إضفاء الشرعية على سلطة مطلقة.
كان الرهان معقوداً على أن المشاركة في الانتخابات ستساهم في توعية الشعب بضرورة الديمقراطية، تمهيداً لتغيير النظام من الداخل. وكان الهدف يتمثل في تغيير قواعد اللعبة القائمة - لا سيما تلك المتعلقة بالسيادة الملكية - لتحويلها إلى سيادة شعبية.
ومع ذلك، فقد رأت هذه الاستراتيجية أن تغييراً بهذا الحجم لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة؛ بل اقترحت المرور عبر مرحلة انتقالية (أو "منطقة رمادية") تنتقل بالبلاد من ملكية شبه مطلقة إلى مرحلة يمكن وصفها بـ "تقاسم السلطة"، وصولاً في النهاية إلى المرحلة الثالثة والأخيرة التي تفضي إلى السيادة الشعبية.
وبناءً على ذلك، يرى محمد الساسي أن هذه المهمة كانت معقدة وشاقة، إذ تطلبت مراجعة شاملة للمواقف السابقة؛ فالمؤسسة البرلمانية المغربية لم تكن تتيح المجال لإرساء قيم الديمقراطية أو التصدي للقوى المعارضة للتغيير. ورغم هذه العقبات، راهنت قوى اليسار على تغيير موازين القوى القائمة سعياً إلى تحقيق تمثيلية أوسع في البرلمان والمجالس الجماعية والبلدية.
وهكذا، أصبحت المشاركة في الانتخابات إحدى الوسائل المتاحة لخلق ثقل موازنة ضد القوى المناهضة الديمقراطية؛ غير أن نخب اليسار بدأت تنجذب تدريجياً نحو مزايا المشاركة وتستسلم لإغراءاتها. فعندما نشارك في البرلمان والمجالس البلدية، فإننا نظل قوة معارضة، مما يعني أننا نرفض دائماً قواعد اللعبة السائدة. وتتطلب هذه المشاركة ضمانات لنا، كما تقتضي أن نحقق من خلالها ما لم يحققه الآخرون قبلنا.
وهكذا، بدأنا نسعى وراء ترتيبات غير مثمرة؛ ترتيبات تغلب فيها الاستجابة للاستراتيجيات الفردية والطموحات الشخصية على متطلبات التغيير الديمقراطي، يحاجح الساسي.
وباختصار، يرى محمد الساسي أن تراجع اليسار يعود أساساً إلى فشل ما سُمي بـ "استراتيجية النضال الديمقراطي"، وإلى مسؤولية النخب اليسارية المغربية عن هذا الفشل.
إن مأساة اليسار في المغرب اليوم تنبع من نُخبه. ورغم إمكانية تحليل هذه المسألة من زوايا مختلفة - إذ يربطها البعض بسقوط جدار برلين، بينما يرى آخرون أن الاشتراكية لم تعد ذات أهمية - إلا أن فهم تراجع اليسار يتطلب النظر إلى نُخبه؛ فقد تعرض اليسار للخيانة من قِبَل هذه النخب التي تخلت عنه بأشكال شتى. لقد دفعت بعض السلوكيات المغاربة إلى النأي بأنفسهم عنه والانضمام إلى التيار الإسلامي الذي كان يحاول فرض نفسه في مرحلة ما؛ غير أن سياق تلك الحقبة حال دون تقدم الإسلاميين نظراً لرسوخ اليسار. ولكن، عندما ضعف اليسار - ونظراً لأن الطبيعة تأبى الفراغ - تولى الإسلاميون زمام المبادرة.
يؤيد نجيب أقصبي هذا الرأي المتعلق بدور النخب اليسارية والتحول الذي طرأ على مسار بعض الشخصيات التاريخية في حركة اليسار الديمقراطي بالمغرب. فمن وجهة نظره، يمكن تفسير تراجع هذه النخب المناضلة باعتبارات سوسيولوجية ونفسية؛ إذ وجدت نفسها - بعد عقود من النضال - أمام واقعٍ ظل فيه هيكل السلطة الأصلي كما هو دون تغيير، رغم كل ما بذلته من جهود تعبئة كبيرة.
وفي رأيه، ثمة اعتبارات أخرى - سوسيولوجية ونفسية - تكمن في جوهر مشكلة هذه النخبة التي توصف بـ "المناضلة"؛ فقد نظرت في الواقع إلى نضالها باعتباره نوعاً من الاستثمار امتد لعقدين أو ثلاثة.
إنهم مناضلون ومثقفون قضوا 20 أو 30 عاماً في العمل النضالي، وحين بلغوا منعطف التسعينيات - وقد ناهزت أعمارهم الخمسين أو الستين أو الخامسة والستين - وجدوا أنفسهم في مواقعهم السابقة ذاتها (أساتذة جامعيين أو مسؤولين في تنظيمات حزبية)، مما أثار لديهم حالة من الذعر.
لقد تناولت ـ يواصل أقصبي ـ عدة أبحاث سوسيولوجية هذا التحول في مسار النخب؛ إذ تأتي لحظة يدرك فيها المرء أن السلطة أقوى من أن تُقوَّض، وأنه قد بلغ الستين من عمره، وعليه التزامات وأبناء يكبرون، فيصبح الأمر أشبه بـ "انتحار طبقي" من نوع آخر.
ومع ذلك، فقد تزايدت مسؤولية النخب اليسارية المغربية بشكل أكبر عقب مشاركتها في حكومة عام 1998، التي جاءت إثر مفاوضات مع القصر؛ وهي مشاركة انتهت بالفشل وأدت إلى عزوف تام من جانب عامة الشعب وقواعد هذه الأحزاب على حد سواء.
(يتبع)