أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الحادي عشر)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 22:48
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
بالنسبة إلى حزب النهج الديمقراطي، فقد تأسس عام 1995 على يد مجموعة من المناضلين المنتمين إلى منظمة "إلى الأمام" اليسارية المتطرفة، ونشطاء منتسبين إلى منظمات عمالية وحقوقية، ومؤيدين للحركة الماركسية اللينينية المغربية. اعترفت السلطات بالحزب رسميًا عام 2004. وما يزال الحزب يعتبر نفسه الوريث السياسي والأيديولوجي لمنظمة "إلى الأمام"، التي انبثقت في أوائل سبعينيات القرن الماضي من انشقاق داخل حزب التحرر والاشتراكية، الذي كان يُعرف سابقًا بالحزب الشيوعي المغربي. وكانت هذه المنظمة الحليف الرئيسي لحركة 23 مارس، التي أسست معها الحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي كان هدفها الرئيس بناء حزب ثوري للطبقة العاملة المغربية. تمحورت الخلافات بين مؤسسي منظمة "إلى الأمام" وحزب التحرر والاشتراكية بشكل أساسي حول التنازلات الأيديولوجية التي قدمتها القيادة للنظام، بالإضافة إلى فشل الحزب الشيوعي المغربي في بناء حزب عمالي.
كما وُجهت انتقادات للحزب لانحيازه إلى المواقف الروسية. ودعت المنظمة علنًا إلى إلغاء الملكية وإقامة جمهورية ديمقراطية شعبية. وتعرضت لقمع شديد من قبل النظام، واشتدّ هذا القمع عندما نشر أعضاؤها بيانًا عام 1975 يدين "المسيرة الخضراء"، بينما يدعمون علنًا حق سكان الصحراء الغربية في تقرير المصير.
لجأ العديد من المناضلين إلى المنفى، وحُكم على آخرين بالسجن لمدد طويلة، ولم يُفرج عنهم إلا في أوائل التسعينيات بعد ضغوط من نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية. وهكذا، في منتصف التسعينيات، قرر عدد من المناضلين تولي قيادة منظمة استنزفها النظام وأضعفها بشدة، وذلك لتأسيس حزب سياسي. وبعد مفاوضات ومظاهرات عديدة، تمكن الحزب أخيرًا من التسجيل رسميًا والحصول على وضعه القانوني. وينشط الحزب بشكل كبير في العديد من جمعيات حقوق الإنسان، وله حضور قوي في النقابات العمالية الرئيسية في البلاد. وينص برنامج حزب النهج الديمقراطي على أنه يناضل من أجل تحقيق هدفين رئيسيين: هدف سامٍ يهدف إلى بناء الاشتراكية وإلغاء الرأسمالية واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وهدف مؤقت يتوخى من خلاله، من جهة، إلى إقامة ديمقراطية حقيقية تعكس الإرادة الشعبية وتقوم على دستور ديمقراطي، سواء في صياغته أو في مضمونه وطريقة اعتماده". من جهة أخرى، يهدف الحزب أيضاً إلى التحرر من قبضة كبار ملاك الأراضي، ومن الهيمنة السياسية والمالية والعسكرية والاقتصادية لبعض الدول الغربية، ومن التبعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
من الناحية الإيديولوجية، يتبنى حزب النهج الديمقراطي الماركسية كمنهج تحليلي، ويرى أن هذه الأيديولوجيا يجب تجديدها باستمرار مع مراعاة الواقع الملموس للشعب المغربي، فضلاً عن جميع إنجازات الفكر التقدمي العالمي. ويعتقد أن للعمال وصغار المزارعين والفلاحين المعدمين وعمال الأحياء الفقيرة مصلحة راسخة في بناء الاشتراكية، لأنه يرى أنه لا يوجد حزب في المغرب يمثل مصالحهم الحالية والمستقبلية ويدافع عنها.
ومع ذلك، يعتقد حزب النهج الديمقراطي العمالي أنه لا يستطيع بمفرده هزيمة ما يسميه أعداء الطبقات العاملة ومعيقي التغيير.
في سبيل ذلك، يسعى النهج الديمقراطي، من خلال استراتيجية مُحكمة، إلى بناء تحالفات وجبهات لعزل ما يعتبره جوهر النظام المغربي (المخزن). يجب تنفيذ هذه الاستراتيجية على المدى الطويل، وتتطلب عدة مراحل. وانطلاقًا من هذا، يُعلن الحزب أنه يعمل على ثلاث جبهات متكاملة:
- بناء جبهة ديمقراطية تجمع كل القوى الملتزمة بالديمقراطية؛
- بناء جبهة موحدة على أرض الواقع تضم جميع القوى المناهضة للمخزن، بغض النظر عن انتماءاتها الدينية أو العلمانية؛
- العمل على توحيد الحركات الاجتماعية المناضلة: خريجو الجامعات العاطلون عن العمل، والطلبة، وحركات الإسكان، والحركات المناهضة لارتفاع الأسعار، والباعة الجائلون.
كان الحزب من أوائل الداعمين للانتفاضة الشعبية عام 2011 وحركة 20 فبراير. وقد أيّد مطالب الأخيرة وحشد أعضاءه للمشاركة والتفاعل مع المتظاهرين. كما دعم الحزب انتفاضة سكان مدينة الحسيمة في إقليم الريف، وأصدرت أمانته العامة بيانًا حمّلت فيه رئيس النظام مسؤولية تدهور الأوضاع في الإقليم وعموم البلاد، نظرًا لموقعه المهيمن.
ورغم مواقفه وحضور أعضائه الفاعل على أرض الواقع في مناسبات عديدة، فإن حزب النهج الديمقراطي لم يكن بمنأى عن الانتقادات اللاذعة أحيانًا، لا سيما من جماعات اليسار الجذري الموجودة في الجامعات. إذ تنتقد هذه الجماعات الحزب لانحرافه عن الخط الثوري الماركسي، وتتهمه بالخروج عن الخط السياسي والإيديولوجي لحركة "إلى الأمام". كما لم يسلم الحزب من انتقادات أحزاب أخرى في البلاد، ترى أن بعض الأفكار التي يدافع عنها قد عفا عليها الزمن ولا تعكس الواقع المغربي.
أما المؤتمر الوطني الاتحادي، فقد انبثق من انشقاقٍ عام 2001 داخل الجناح النقابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. خلال المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي، طعن المعارضون الكونفدراليون، بالإضافة إلى الشبيبة الاتحادية، في عملية انتخاب المؤتمرين، مُشيرين إلى غياب الشفافية. وقد أدت نتائج هذا المؤتمر إلى تقليص دور النقابة ونفوذها داخل الاتحاد الاشتراكي بشكلٍ ملحوظ. وفي الوقت الذي طعن فيه المعارضون في مخالفات انتخابات المندوبين، طالبوا بعقد مؤتمر استثنائي قائم على الشفافية لتصحيح الوضع. إلا أن قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي رفضت هذا الطلب، إذ فضّلت، برفضها الخوض في نقاش أعمق حول التوجهات السياسية ودمج مواقف الفصائل الأقلية، طرد المعارضين حرصًا على الوضوح، وبالتالي السماح لهم بالتحول إلى حزب جديد من داخل صفوفها.
في هذا السياق، قرر جزء كبير من الجناح النقابي لحزب الاتحاد الاشتراكي الانفصال وتأسيس حزبه الخاص، المؤتمر الوطني الاتحادي. ويدّعي هذا الأخير اتباعه نفس الخط السياسي والإيديولوجي الذي تبنّاه حزب الاتحاد الاشتراكي في مؤتمره الاستثنائي عام 1975. ويستند هذا الخط إلى "استراتيجية النضال الديمقراطي" كوسيلة لتحقيق الاشتراكية.
يتميز حزب المؤتمر الوطني الاتحادي عن غيره من أحزاب اليسار في المغرب. فهو حزب فريد من نوعه من حيث تحديد هويته من خلال نقابته العمالية، ولا يزال خاضعًا لتأثيرها وهيمنتها إلى حد كبير. وبالتالي، وبكونه نشأ كحزب سياسي انبثق من نقابة عمالية، فإننا نشهد توجهًا جديدًا للحركة النقابية المغربية.
فعلى مرّ التاريخ السياسي والنقابي للبلاد، دأبت الأحزاب السياسية على تأسيس نقاباتها العمالية الخاصة. أما ميلاد المؤتمر الوطني الاتحادي فقد جاء على نحو معاكس. كما أن كون هذا الحزب، الذي انبثق من نقابته العمالية، ويستمد قراراته وخياراته وتوجهاته الاستراتيجية منها، يخلق نوعًا من الخلاف بين النشطاء المنتمين إلى أحزاب أخرى ضمن فيدرالية اليسار الديمقراطي. لا يشعر هؤلاء الأعضاء بارتياح كامل لحزب لا يزال خاضعًا إلى حد كبير في مواقفه لنقابته.
في عام 2011، في ذروة الانتفاضة الشعبية في المغرب، قرر الحزب المشاركة في الانتخابات التشريعية على الرغم من مقاطعة حليفيه، الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي. ويبرر حزب المؤتمر الوطني القومي، وهو يحافظ على تحالفه مع حزبي فيدرالية اليسارالديمقراطية، هذا القرار بالأهمية التي يوليها، وفقًا لأعضائه، للمشاركة في الانتخابات. وصرح أمينه العام في هذا الصدد بأن الحزب الوطني الاتحادي، الذي يمثل استمرارية للحركة الاتحادية، لطالما دعا إلى التغيير والإصلاح من داخل المؤسسات. كما برر هذا القرار بالقول إن عدم المشاركة يعكس موقفًا سلبيًا وغير بناء، والمقاطعة تعني المواجهة مع الدولة.
ومع ذلك، أقر الحزب في مؤتمره الثامن بأن اختياره المشاركة في هذه الانتخابات في مثل هذا السياق لم يكن قرارًا صائبًا. ثم أشار الحزب إلى أن هذه الانتخابات كانت تهدف ببساطة إلى احتواء الوضع السياسي المرتبط بالانتفاضة السياسية والاجتماعية المتوترة آنذاك.
وفي بيانه العام الصادر عن مؤتمره التاسع في أكتوبر 2017، أكد المؤتمر الوطني الاتحادي أن المغرب بحاجة إلى تغيير ديمقراطي شامل على مستوى بنية الدولة الحالية. يجب على البلاد الانتقال من بنية تقليدية قائمة على الملكية التنفيذية إلى ملكية برلمانية تضمن فصلاً حقيقياً للسلط وتوزيعاً للثروة وفقاً لرؤية تنموية شاملة تلبي الاحتياجات الحقيقية للمواطنين.
كما يدعو الحزب إلى إنهاء جميع أشكال دعم جماعات الضغط، ونظام الامتيازات، والسعي وراء الريع. ويطمح أيضاً إلى إزالة التناقض بين طبيعة النظام السياسي وخطابه الحداثي. وأخيراً، يعلن الحزب ضرورة تسريع إعادة هيكلة الحركة اليسارية، سياسياً وتنظيمياً. هو يطمح إلى أن يصبح هذا الشعار حقيقة واقعة ويُطبّق على أرض الواقع.
في خاتمة الجزء الأول من دراسته هاته، أوضح الباحث عبد الله الحرشيش أن اليسار المغربي، من خلال التعريفات التي طرحها مروجوه وقادته الرئيسيون، يتألف من مجموعة من القوى السياسية التي تدعو إلى
العدالة الاجتماعية والتنمية الديمقراطية. كما يرى نفسه قوةً للتغيير تتميز عن
القوى الأخرى الموجودة في البلاد بالتزامها بالديمقراطية والأفكار التقدمية، بالإضافة إلى إيمانها بالعلمانية كحل للخلافات التي قد توجد داخل المجتمع. وتنقسم الاتجاهات الرئيسية التي تُعرّف نفسها بالاشتراكية في المغرب بين قوى
ما تزال تؤمن بمبادئ الفكر الماركسي، وتعارض النظام الرأسمالي، وتناضل من أجل التحرر الوطني والديمقراطية.
كما نجد قوى داخل الكتلة الاشتراكية الديمقراطية، لا تُعارض النظام الرأسمالي، بل تسعى إلى إضفاء الطابع الإنساني عليه. تمثَّل هذه الكتلة الإشتراكية الديمقراطية، التي ترغب في إصلاح النظام من خلال إعطاء الأولوية للنضال عبر المؤسسات دون مواجهة مباشرة مع السلطة.
بين هذه القوى التي تعتبر نفسها ثورية وتلك التي تعتبر نفسها أكثر إصلاحية، يوجد تكتل آخر من الأحزاب. ووفقًا لمنتقديه، لم ينتمِ هذا التكتل إلى اليسار منذ مشاركته في الشؤون الحكومية عام 1998. وهذه الأحزاب هي: حزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب التقدم والاشتراكي وجبهةىالقوى الديمقراطية.
(يتبع)