ما هي الحجج التي استعملها كارل بوبر لدحض النزعة التاريخانية؟


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 00:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

كرس كارل بوبر بشكل صريح كتابه "بؤس التاريخانية" لفحصها فحصا نقديا. ويشكل هذا الكتاب في الواقع إسهاما مهما في منهجية العلوم الاجتماعية. أطروحته الرئيسية هي أن مناهج العلوم النظرية للطبيعة ومناهج المجتمع هي "في الأساس نفسها" (ص: 129).
يقصد المؤلف بـ "التاريخانية" نظرية "تمس جميع العلوم الاجتماعية، وتجعل من التنبؤ التاريخي هدفها الرئيسي، وتُعلّم أن هذا الهدف يمكن بلوغه إذا اكتشفنا الـ "إيقاعات" أو الـ "أنماط"، الـ"قوانين" أو "الاتجاهات العامة" التي تقوم عليها التطورات التاريخية" (ص :17).
هو ينبهنا بنفسه، في مقدمة الطبعة الفرنسية، إلى أن هذا الكتاب يكتفي بأن يبيّن أن المنهج التاريخاني لا يمكن أن يكون مثمرا؛ وهو لا يشكل دحضا له. أما هذا الدحض (الذي يعود في جوهره إلى إثبات استحالة التنبؤ العقلاني بالنمو المستقبلي لمعارفنا العلمية) فقد قُدّم في مقال صدر عام 1950 بعنوان "اللاحتمية في الفيزياء الكلاسيكية وفي فيزياء الكم"، وأعيد تناوله في كتاب أحدث، "منطق البحث العلمي". (وللتوضيح فإن هذا الكتاب نُشر في نسخته الأصلية، بالإنجليزية، عام 1944).
يميز بوبر بين نوعين من التاريخانية: النوع المناهض للطبيعانية، الذي يرى أن مناهج الفيزياء لا يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية، والنوع المؤيد للطبيعانية، الذي يرى على العكس أن هذه المناهج يمكن ويجب استخدامها في العلوم الاجتماعية. وكلاهما قائم على تفسير خاطئ لمناهج الفيزياء. بالنسبة للمناهضين للطبيعانية، فإن الطابع التاريخي للقوانين الاجتماعية يجعل مناهج الفيزياء غير قابلة للتطبيق في علم الاجتماع. والحجج المقدمة هي كالتالي: غياب انتظامات ثابتة تسمح بتعميمات طويلة المدى، استحالة تطبيق المنهج التجريبي، دور الجِدّة في الحياة الاجتماعية...
ظهر "بؤس التاريخانية" سنة 1944 ليهدم واحدة من أكبر أوهام الفكر الحديث. إن التاريخانية عند مؤلف الكتاب ليست هي دراسة التاريخ، بل هي هذه العقيدة التي تقول: التاريخ له قانون، له اتجاه حتمي، ويمكننا اكتشافه والتنبؤ بالمستقبل.
ماركس، أفلاطون، هيجل، كلهم تاريخانيون في نظره، لأنهم اعتقدوا أنهم اكتشفوا مصير المجتمعات.
1. ما هي التاريخانية حسب بوبر؟
هي نظرية تقول إن مهمة العلوم الاجتماعية الأساسية هي التنبؤ التاريخي طويل المدى. إذا اكتشفنا "إيقاعات" التاريخ أو "قوانينه" أو "اتجاهاته العامة"، سنعرف إلى أين يسير المجتمع حتماً.
بوبر يقسمها لنوعين:
أ- التاريخانية المناهضة للطبيعة: تقول إن العلوم الاجتماعية مختلفة تماما عن الفيزياء، لأن المجتمعات تتغير، معقدة، لا يمكن عمل تجارب عليها، والملاحظ يؤثر في الملاحظ.
ب- التاريخانية المؤيدة للطبيعة: تقول إنه يجب أن نقلد الفيزياء، لكن في شكل قوانين تاريخية كبرى تحكم تطور المجتمعات كلها.
والاثنتان مخطئتان لأنهما فهمتا الفيزياء بشكل خاطئ.
2. لماذا التاريخانية مستحيلة؟ في الجواب عن هذا السؤال، يسدد بوبر ضربات قاضية إلى هذه النزعة. أولا، بناء على حجة نمو المعرفة، يذهب المؤلف إلى أن تطور التاريخ البشري يتأثر بشدة بنمو معرفتنا العلمية. ولا يمكن لأي أحد أن يتنبأ تنبؤا عقلانيا بما سنعرفه في المستقبل. لأنه لو عرفناه الآن، لكان حاضرا وليس مستقبلا. إذن لا يمكن التنبؤ بمسار التاريخ المستقبلي. هذه هي الحجة المركزية التي اعتبرها دحضا نهائيا للتاريخانية.
ثانيا، ينفي بوبر نفيا قاطعا وجود لقوانين تاريخية عامة. فلا وجود سوى لقوانين عامة (مثل الاقتصاد) وظروف تاريخية خاصة. لا يوجد قانون واحد يفسر "تطور التاريخ ككل". ما يسميه التاريخانيون قوانين هو في الحقيقة مجرد اتجاهات لاحظوها في فترة معينة. الاتجاه ليس قانونا. اتجاه النمو السكاني قد ينعكس غدا.
ثالثا، تطلب دحض التاريخانية من بوبر تبني موقف رافض للحتمية والقدرية. إن التاريخانية تعطي الناس إحساسا بأن المستقبل محتوم، وهذا يؤدي إلى موقف سلبي: "ما دام الاشتراكية قادمة حتما، فلا داعي للعمل" أو موقف تبريري للعنف: "ما دمت أنا أمثل اتجاه التاريخ، يحق لي سحق من يقف ضده".
رابعا وأخيرا، لتحقيق غرضه ذلك، اضطر الكاتب إلى الاستعانة بحجة مفادها استحالة التجريب الكلي؛ ذلك أن لمجتمع ليس مختبرا. لا يمكن أن نجرب نظرية تاريخية كبرى على مجتمع كامل دون ثمن باهظ.
3. ما هو البديل الذي يقترحه بوبر؟
قبل إيضاح هذا البديل، وقف بوبر موقفا مضادل للهندسة الاجتماعية الطوباوية التي تريد هدم المجتمع كله وبناء يوتوبيا مثالية دفعة واحدة حسب خطة تاريخية حتمية. وهذا ما يؤدي دائما حسب بوبر إلى العنف والاستبداد، لأن الخطة ستفشل وسيحتاج النظام إلى قمع من يشير إلى فشله. لهذا، يقترح الهندسة الاجتماعية الجزئي، سيرا على اقترح نهج المهندس المتواضع، نصلح المشاكل واحدة واحدة: الفقر، البطالة، التعليم، عن طريق إصلاحات صغيرة، قابلة للتجريب، قابلة للمراجعة والتصحيح إذا أخطأنا.إن المجتمع المفتوح هو الذي يسمح بنقد نفسه وتصحيح أخطائه.
باختصار: لا يوجد قدر تاريخي. المستقبل مفتوح. نحن من نصنعه بقراراتنا وأخلاقنا، وليس بقوانين غامضة للتاريخ. إن هذا الكتاب هو أساس كتابه الأشهر بعد ذلك: "المجتمع المفتوح وأعداؤه" حيث يهاجم أفلاطون وهيجل وماركس باعتبارهم آباء الفكر الشمولي.