إلغاء مادة الفلسفة من برنامج دراسي يثير موجة من الجدل في الجزائر


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 18:58
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي     

ما يزال إلغاء مادة الفلسفة من برنامج أقسام السنة النهائية لشعب العلوم والرياضيات والتقنيات يثير الجدل. هذه الخطوة التي أعلن عنها وزير التربية الوطنية يوم الخميس 30 جوان، مقدما إياها على أنها توصية من اللجنة الوطنية للإصلاحات، لم تمر مرور الكرام.
وما يزال الأساتذة والأكاديميون والمثقفون يعبرون عن عدم فهمهم لهذا القرار الذي يستبعد مادة "الفلسفة" من امتحانات البكالوريا بالنسبة للأقسام المعنية ويبرمجها فقط في السنة الثانية ثانوي. وذكروا بأن "الفلسفة هي أم العلوم"، منددين بهذا الإجراء الذي "سيجعل منها مادة ثانوية" و "بدون فائدة" بالنسبة لفئة من التلاميذ. وفعلا، تم توجيه عدة رسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى وزير التربية، محمد الصغير سعداوي.
كتب حميدي أوبليل، مفتش التربية المتقاعد: "الفلسفة ليست مادة دراسية كباقي المواد، بل هي المجال الذي تتعلم فيه المدرسة التفكير في ذاتها وتكوين الإنسان قبل تكوين المتخصص. وبالتالي، فإن أي تعديل يمس مكانة الفلسفة داخل المنظومة التربوية لا يجب أن يُنظر إليه كمجرد تعديل تقني في توزيع الساعات الدراسية، بل كخيار حضاري يكشف عن طبيعة الإنسان الذي تريد المدرسة تكوينه". وبحسبه، "إن قرار تدريس الفلسفة في السنة الثانية ثانوي في بعض الشعب، مع حذفها من امتحانات البكالوريا، يطرح جملة من التساؤلات البيداغوجية والمعرفية التي تستحق نقاشا وطنيا واسعا، لأنها تتعلق بمستقبل المدرسة الجزائرية في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي". كما عبر النقابي السابق في قطاع التربية نوار العربي عن قلقه إزاء هذا "الإصلاح".
ورأى في منشور له على فيسبوك أن حذف مادة الرياضيات من برنماج الشعب الأدبية والفلسفة من برنماج الشعب العلمية "سيمس بتكوين التلميذ في ما يتعلق بالتفكير النقدي، لاسيما قدرته على التحليل والتركيب". وأضاف: "أعتبر أن هذا الإجراء يهدف إلى رفع نسب النجاح في البكالوريا على حساب التكوين الأساسي للتلميذ على الصعيد الفكري، وأنه يشجع مبدأ الحفظ والاسترجاع، المفضل حاليا بشكل كبير في الامتحانات الرسمية، على حساب تنمية ذكاء التلميذ في مجالات أوسع، مكتفيا بتخصص جزئي داخل شعبته".
يؤكد الكاتب والأكاديمي كريم جدي من جانبه أن «إلغاء الفلسفة هو إعلان موت العقل في الجزائر». ويوضح قائلا: «بما أن أمة تخشى السؤال، وتخنق التفكير وتقصي الفلسفة، تضعف قدرتها على بناء المستقبل...». وقد أثار تدخله رد فعل من الوزير الذي خرج عن تحفظه يوم الثلاثاء الماضي لمحاولة الدفاع عن قراره.
وقال محمد الصغير سعداوي في البداية إنه «مندهش لرؤية أساتذة يدخلون في نقاش قبل قراءة ما تقترحه وزارة التربية بالضبط». وكتب: «الوزارة واعية جدا، ومن مسؤوليتها، بأهمية المهمة الملقاة على عاتقها للنهوض بالنظام التربوي لصالح البلاد ومستقبل الأجيال». وأضاف: «نحن واعون بأهمية الفلسفة كمادة تعليمية وكمعرفة في إطار إعادة هيكلة التعليم في مختلف الشعب.»
وأكد قائلا: «لقد عززنا المواد الأساسية في جميع الشعب والفلسفة في الشعب الأدبية برفع معاملها في السنة الثالثة ثانوي. هذه المادة ستُدرَّس فعلا في السنة الثانية ثانوي (بالنسبة للعلميين) بنفس المعامل الذي كان موجودا في السابق. فهل الفلسفة أُلغيت؟»
لكن جوابه لم يقنع الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية ورئيسها عمر بوساحة. وتساءل هذا الأخير: «ما الفرق إذن، يا معالي الوزير، بين تقليص عدد الساعات المخصصة لمادة، وإرجاعها إلى السنوات الأولى، وإلغاء أي تقييم لها والتقليل من أهميتها في البرامج ولدى التلاميذ؟» وأضاف متسائلا: «ألا تعلم معاليكم أن التلاميذ يهملون حتى بعض المواد المدرجة في البرامج منذ عقود، فما بالك بتلك التي لا يوجد فيها لا امتحان ولا تقييم... أليس هذا شكلا من أشكال الإقصاء المقنع؟»
وتابع عمر بوساحة مؤكدا أن «من الخطإ الفادح الاعتقاد بأن الفلسفة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشعب الأدبية وأنه لا علاقة لها بالعلوم الأخرى»، موضحا أن «في الواقع، لكل علم فلسفته الخاصة». وأردف قائلا: «لعلكم تعرفون مثلا فلسفة العلوم، وفلسفة الرياضيات، وفلسفة القانون، والفلسفة السياسية، وأخلاقيات علم الأحياء، والفنون، والعلوم الإنسانية وغيرها كثير».
وعلى قناة (الخبر تي في)، اعتبر المختص في الشؤون التربوية أحمد تيسة أنه كان من الأفضل تقليص الحصص الزمنية للمواد القائمة على الحفظ مثل التاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية من أجل الإبقاء على مادة الفلسفة.