أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس والعشرون)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 00:26
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
رأى الشيوعيون المغاربة أن النضال المنشود يتطلب تحالفًا بين جميع الطبقات الاجتماعية، ولا يمكن أن يكون إلا من خلال سلطة وطنية ديمقراطية. ومع ذلك، ما يزال المعنى الذي ينبغي إعطاؤه للمرحلة الانتقالية، وكذلك طريقة الانتقال من برنامج إلى آخر، يمثلان عقبة. وأشارت الإجابات الوحيدة على هذا السؤال إلى أن الانتقال سيكون سلميًا وديمقراطيًا في إطار النظام الملكي، وأن الدستور يجب أن ينبثق من جمعية تأسيسية. وأثار موقف شيوعيي حزب التقدم والاشتراكية بعض الغموض، لأن الحزب، على الرغم من إعلانه معارضته للملكية، اعتبر في الوقت نفسه أنه قد لعب دورًا وطنيًا هامًا. وتعزو بعض التحليلات هذا الموقف إلى سببين رئيسيين. أولهما أن الحزب لا يملك قاعدة شعبية حقيقية، وأنه في ظل هذه الظروف، لا يمكنه أن يجد نفسه في موقف معارضة مباشرة حيال الملكية. أما السبب الثاني، فيُفسَّر بمساحة المناورة التي تمنحها السلطات المغربية لهذا الحزب مقارنةً بأنظمة أخرى في العالم العربي.
فضلا عن ذلك، تواجه استراتيجية حزب التجمع الوطني للأحرار اعتراضات من الحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي، مع أنها كانت تدعو إلى مواجهة النظام، فقد اعتبرت أي عمل لا ينطوي على عنف ثوري وديكتاتورية البروليتاريا عملا إصلاحيًا.
بعد تحليل الغموض المحيط بعتبة الملكية، أو بالأحرى صعوبة تحديد نوع النظام المقترح، اتضح أن الحركة الديمقراطية اليسارية المغربية لم تتمكن من تحديد الخطوات اللازمة للانتقال من الملكية المطلقة إلى نظام آخر. وقد حالت هذه الترددات دون اتخاذها موقفًا واضحًا. فمن جهة، دعا البعض إلى تشكيل جمعية تأسيسية لضمان سيادة الشعب وشرعيته على الشرعية الملكية.
ومن جهة أخرى، سعت الحركة إلى حل وسط إيجابي بين الشرعية الملكية والشعبية من خلال طرح مفهوم الملكية البرلمانية.
بحسب مصطفى بوعزيز، استغرق ظهور ثقافة مدنية ديمقراطية وقتًا طويلًا نظرًا لتطور فكري مطول تخللته محاولات انقلابية وثورات.
ويرى بوعزيز أن هذه التطورات كانت طويلة وغير واضحة المعالم، إذ شهدت محاولات انقلابية شاركت فيها الحركة الديمقراطية الوطنية، ولا سيما حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في انقلاب 16 غشت. كما شهدت محاولات حرب عصابات بقيادة الفقيه بصري، ومحاولات ثورية من الحركة الماركسية اللينينية. ويضيف نفس المصدر أن مفهوم الديمقراطية، أو الملكية البرلمانية، لم يتبلور إلا مؤخرًا مع دستور "الكتلة" في أوائل التسعينيات، ما جعله مرحلة انتقالية، وعندما لا يُعبّر عنه المرء بوضوح، يتهم بالازدواجية. يتحدث الناس بخطاب مبهم نوعًا ما دون تحديد النظام السياسي، ويُعدّون سرًا لطريقة الإطاحة بالنظام. لذلك، شكّل ذلك مرحلة انتقالية، ولهذا السبب استغرق الانتقال إلى ثقافة مدنية ديمقراطية وقتًا طويلًا للظهور والتطور، يلاحظ بوعزيز.
في ما يتعلق بعتبة القومية العربية، فقد كانت العتبة الثانية، التي أعاقت التقدم إلى حد كبير، ولا تقل أهمية عنها. فعند مناقشة هوية المغرب، ركز خطاب الزعيم اليساري المغربي، المهدي بن بركة، بشكل أكبر على وحدة المغرب العربي والوحدة الإفريقية. وحذر من الصراعات بين "الكيانات"، مصرحًا بأنها لا تخدم إلا مصالح الاستعمار.
ولذلك، ناضل المهدي بنشاط من أجل توحيد جميع قوى المقاومة ضد الاستعمار والاستعمار الجديد. أراد تحويل شعار الوحدة إلى أفعال ملموسة، وهو ما يفسر دعمه "للثورة الجزائرية" خلال حرب الرمال بين المغرب والجزائر عام 1963، دون أن يكون مهتمًا بالانتماء إلى المغرب كوطن، على عكس رفاقه في الاتحاد الوطني للشعوب الأفريقية.
عندما ننظر إلى الشيوعيين، نرى أنهم يعملون في بيئة واسعة ذات ميل نحو النزعات القومية، مما خلق لهم مشاكل مفاهيمية في ما يتعلق بأهدافهم الأممية. بالرجوع إلى المفهوم الذي طرحته المقاومة الوطنية الديمقراطية، نرى أنها تُولي النضال الوطني مكانةً مركزية، بينما تُعتبر الوحدة العربية مجرد مثالٍ برجوازي. لذا، يُعدّ مصطلح "العالم العربي" أنسب من "الأمة العربية" عند الحديث عن الوحدة العربية الحقيقية. وبالتالي، شكّلت هذه المسألة تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد.
يُفسّر هذا الوضع إحراج الشيوعيين المغاربة خلال سبعينيات القرن الماضي، الذين ردّوا على أحداثٍ مُعيّنة في الشرق الأوسط بتبنّي مواقف تُخالف التطلّعات الشعبية وحركات التحرّر التي تُناضل ضدّ الإمبريالية وحلفائها المحليين. واتضح لاحقًا أن البُعد الوطني طغى على البُعد الأممي، لدرجة أن مواقف حزب التقدم والاشتراكية وزعيمه علي يعتة أدّت إلى خلافاتٍ حادّة مع الحزب الأم، الحزب الشيوعي الفرنسي.
كان الوضع مُختلفًا بالنسبة للحركة الماركسية اللينينية المغربية. فقد أعطت منظمة "إلى الأمام"، التي انشقت عن الحزب الشيوعي المغربي، الأولوية لنهج الصراع الطبقي على النهج القومي. على الصعيدين العربي والدولي، تضامنت هذه الحركة مع الحركات المناضلة ضد الرجعية العربية والإمبريالية العالمية. في المقابل، سعت حركة "23 مارس"، التي أصبحت في ما بعد منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، إلى التوفيق بين القومية والوحدة العربية والتضامن الأممي، انطلاقاً من جوهرها القومي العربي.
واستناداً إلى الأدبيات الماوية، رأت الحركة أنه لا يمكن تحقيق أي وحدة بين الشعوب العربية، ولا بين شعوب العالم، دون التحرر الوطني لكل شعب على حدة.
في هذا السياق، يرى مصطفى بوعزيز أن صعوبة تعريف القومية العربية تعريفاً واضحاً تُشكل في حد ذاتها عائقاً يؤدي إلى الانقسام. لذا، ما يزال العمل جارياً للتوصل إلى توافق في الآراء حول بعض المفاهيم الأساسية.
يرى بوعزيز أنه عند الحديث عن القومية العربية، أو الوحدة العربية، لا نعتبر الوصفين مرادفين لعبارة "nationalisme arabe، لوجود لبسٍ في هذا المصطلح، فحتى في اللغة العربية، توجد كلمتان: القومية والوطنية. ولم تُوضّح الحركة الوطنية الديمقراطية هذا اللبس. فهل المقصود في نهاية المطاف شعب عربي واحد، أم شعوب عربية؟ حزب البعث، نعرف شعاره: أمة عربية واحدة، رسالة أبدية واحدة، شعب واحد، جيش واحد، لغة واحدة، إلخ.
هذا يشير إلى أن التيار البعثي، والتيار الماركسي؛ سواء كان الحزب الشيوعي أو الحركة الماركسية اللينينية، تحدث عن الشعوب العربية وأكد على ضرورة وجود وحدة معينة فيما بينها، لكن هذا لبسٌ كبير لا ينبغي الاستهانة به. نلاحظ أن نفس الالتباس نشأ في حالة المغرب العربي، وتحديدًا ما إذا كان ينبغي أن يكون دولة واحدة أم اتحادًا واحدًا من الدول.
يختلف المفهوم الذي طوره القوميون المغاربيون في فرنسا عن ذلك الذي طرحه نظراؤهم في القاهرة داخل جامعة الدول العربية. ولذلك، يؤثر هذا الغموض على كلا المفهومين.
وأشار بوعزيز في مقابلة عبر الهاتف إلى أنه داخل هذه الجامعة، وخاصة مع الناصرية، لم يُستحسن استخدام كلمة "مغرب" لأن الحديث يكون عن وحدة العالم العربي، أو الأمة العربية. لذا قال المغاربيون: "لنضف صفة "عربي"، فيصبح "المغرب العربي"، حتى مع مباركة محمد بن عبد الكريم الخطابي. كان القصد من نحت عبارة "المغرب العربي" الإشارة إلى أن هذا التحالف، وهذه الوحدة المغاربية، ما هي إلا خطوة نحو الوحدة العربية. لكن الجوانب الثقافية الكامنة لم تُناقش قط.
إلى ذلك، تساءل بوعزيز: هل هو اندماج وحدوي سيؤدي في نهاية المطاف إلى خلق دولة واحدة، وشعب واحد، وما إلى ذلك؟ أم أنها وحدة فيدرالية يحتفظ فيها كل بلد بهوية معينة، لكن هذه الهوية تتشكل ضمن هوية جماعية، هي الهوية العربية، في إطار فيدرالي؟ وختم أسئلته بهذه الملاحظة: لم يتحقق هذا التحول بعد.
تحت تأثير النزعات القومية، فشل اليسار المغربي، شأنه شأن بقية اليسار العربي، في التوصل إلى اتفاق أو تنفيذ مشروع تحرري حقيقي يراعي المكونات الأخرى للمجتمعات العربية، وتحديدًا الأقليات العرقية. يفسر هذا الإطار التحليلي ظهور بعض المشكلات، كما هو الحال مع الأكراد والبربر. وقد كان هذا هو الحال أيضًا، على سبيل المثال، مع نزاع الصحراء الغربية. فكلما ظهر اتجاه في بلد ما يطالب بخصوصية معينة، يُقمع لأن شكلًا من أشكال الوحدة في التنوع غير مقبول. فالوحدة، إذن، اندماجية، لأنه لا توجد إلا وحدة واحدة.
(يتبع)