انتخابات 23 سبتمبر 2026 بعيون يسارية (2/2)
أحمد رباص
الحوار المتمدن
-
العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 00:53
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
في مستهل مقاله، يتساءل محمد لطفي: اليس هناك شيء بذيء في هذا العرض الديمقراطي على مسرح مزيف؟ مذكرا بأن ما يزيد على خمسة عشر مليون من المغاربة المسجلين في اللوائح الانتخابية مطالبون اليوم (23 سبتمبر) بالذهاب، وأحيانًا السفر عبر مسافات تقاس بالكيلومترات، إلى مكاتب التصويت من أجل أن يضعوا بداخله بطاقة التصويت، وبالتالي من أجل تجديد المقاعد الـ395 التي يتكون منها مجلس النواب.
ويرى الكاتب أن هذا الاستحقاق ينبغي أن يكون بمثابة احتفال؛ لأن الشعب هو الذين يقول كلمته، يمارس حقه الدستوري. ومع ذلك، داخل البلاد نفسها، راقب العديد من الصحفيين المستقلين تنظيم الحملة الانتخابية ووصلوا جميعًا إلى نفس النتيجة، محبطين، يهمسون أكثر مما يصرخون. ما هي الغاية الحقيقية من هذه الانتخابات؟
بعد ذلك، نقل الكاتب الطقوس الفولكلورية التي تخللت الحملة إياها، وأوراق الـ200 درهم التي انتقلت من يد إلى أخرى في الغرف الخلفية للمقاهي، واطباق الطعام المقدم في بعض الأحيان للناخبين، ولوائح " المنافسين" التي ينظر إليها حسب وزن "الشكارة" وليس حسب قيمة الأفكار. الجميع يعرف هذا الفولكلور، والجميع يضحك عليه بهذا التعب الخاص الذي نحتفظ به للقصص التي سمعناها كثيرًا.
هنا، أعلن الكاتب أن ذلك ليس هو موضوعه، وأن موضوعه أكثر خطورة، لأنه لا يمس هامش النظام، بل جوهره، مسألة معرفة ما تمثله هذه الانتخابات حقا، عندما تتقدم السلطة التي تنظمها، بشأن القضية الأكثر حساسية في الوعي الوطني، في اتجاه تدينه أغلبية البلاد.
ها هي المفارقة التي لم يملك أحد أثناء الحملة الشجاعة لذكرها بصوت عالٍ، باستثناء عدد قليل من الصحفيين وكتاب الأعمدة المستقلين. إن المغرب لديه شعب، في غالبيته العظمى، مرتبط بشكل غريزي بالقضية الفلسطينية (بالنسبة للمغاربة، القضية الفلسطينية هي قضية وطنية) ودولة تصر، بصبر ومنهجية، على تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، في نفس اللحظة التي يتم فيها محو غزة من الخريطة بالقنابل.
عززت الأحداث الجارية هذا الواقع. ففي 16 سبتمبر 2026، أي قبل سبعة أيام من الانتخابات، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الرباط وتل أبيب ستفتحان سفارتين في بلديهما، بعد اجتماع بين رئيسي الدبلوماسية تحت الرعاية الأميركية. وعقد اللقاء في نيويورك بين الوزير الإسرائيلي جدعون سار ونظيره المغربي ناصر بوريطة، بدعوة من سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
بهذه المناسبة لمس الكاتب تواضع الرباط التي لم يصدر عنها أي تعليق فوري، نافيا عن هذا الصمت صفة الحياد، بل اعتبره سياسة. نحن نمضي قدمًا دون أن نقول ذلك، ونقبل التطبيع دون أن نهمس ببنت شفة، ونأمل أن تغرق الأخبار في ضجيج الحملة الانتخابية.
ويطلب منا الأخ لطفي أن نتركه يوضح أنه لا يوجد شيء في البيانات الصحفية المتاحة يشير إلى أن السفارة المغربية ستفتح أبوابها في القدس وليس في تل أبيب، فمعظم الدول، بما في ذلك تلك التي طبعت مع إسرائيل، تحتفظ بسفاراتها في تل أبيب، وذلك على وجه التحديد لأن وضع القدس ما يزال محل نزاع.
لكن الدقة الجغرافية، يتابع لطفي، لا تقلل من الشحنة الرمزية للخبر. إن قيام المغرب بتعزيز وترقية وإضفاء الطابع الرسمي على علاقاته بالدولة اليهودية بعد ثلاث سنوات من بدء الحملة العسكرية في غزة، التي تصفها معظم هيئات حقوق الإنسان بأنها إبادة جماعية، هو أكثر من كافٍ لتأجيج السخرية المريرة من الوضع. والقصة ليست جديدة. قام المغرب وإسرائيل بتطبيع العلاقات الدبلوماسية في ديسمبر 2020 كجزء من اتفاقيات أبراهام، وهي العملية التي تدعمها واشنطن.
بعد ست سنوات، لم يتم التراجع إلى الوراء، بل كان المضي قدمًا، تم " الرفع من المستوى"، جرى الحديث عن ’"الصداقة بين الشعوب" بهذه لغة الخشب التي تدعي وصف علاقة الدولة بينما تتهرب بعناية من السؤال المزعج، وهو مسألة الدماء التي سفكت في غزة.
هنا تصبح المفارقة مذهلة، لا يمكن تأييدها إذا توقفنا عندها حقًا. يرأس ملك المغرب لجنة القدس، هذه الهيئة التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي والتي تتمثل مهمتها الرسمية في الدفاع عن وضع القدس وحقوق الفلسطينيين في عاصمتهم. فكيف يمكننا أن نجمع بين هذين الدورين، الحارس المؤسسي لقضية القدس من جهة، والشريك الدبلوماسي المفترض بشكل متزايد للدولة التي تحتل هذه المدينة نفسها من جهة أخرى؟
ردا على من يقول إن الدبلوماسية لم تكن قط مسألة تماسك أخلاقي، بل هي مسألة مصالح، أبدى الكاتب موافقته على الفكرة، لكنه طلب التوقف عن الحديث عن "القضية المقدسة" و"الثابت الوطني" في الخطابات الرسمية، إذا كان الخط الدبلوماسي في الواقع يستوعب التناقض بشكل جيد.
عاد الكاتب بالذاكرة إلى الماضي القريب ليقول لنا إت المغرب، في عهد الملك الحسن الثاني، حافظ على علاقات في طي الكتمان مع إسرائيل؛ أي أنها لم تُعلن رسميًا ولم تُمارس بشكل علني. ولاحظ الأخ لطفي،في نفس الوقت، أن هذه السياسة اعتمدت على "الفروق الدقيقة" دون السقوط في التطبيع المبهرج، ومع إدارة العلاقات من خلف الكواليس بواسطة رجال في الظل وليس عبر قنوات دبلوماسية رسمية.تعكس هذه المقاربة، في نظر كاتب المقال، حساسية الشعب المغربي تجاه القضية الفلسطينية والوضع الإقليمي.
غيرت اتفاقيات أبراهام (2020) المشهد الإقليمي، حيث بدأت بعض الدول العربية تطبع علاقاتها مع إسرائيل علنًا. وانضم المغرب انضم إلى هذا المسار، في ارتباط بقضية الصحراء الغربية، حيث حصل المغرب على اعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن النظام المغربي دفع ثمن هذه "الصفقة" السياسية غاليا، على حساب الشرعية الشعبية، خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة منذ أكتوبر 2023.
والحقيقة أن المغرب منذ 2023 شهد مظاهرات ضخمة مؤيدة لغزة، عكست رفضًا شعبيًا للتطبيع مع إسرائيل. وتبين، بالتالي، أن الشعب المغربي واعٍ ويقرأ بين السطور، ويرى التطبيع كخطوة نحو ما يعتبره لا رجعة فيه. إذن، هناك فجوة بين الدبلوماسية الرسمية التي تجري في نيويورك والشارع المغربي الذي يراقب ويحتج.
هكذا تبدو الانتخابات كإجراء إداري شكلي يركز على توزيع الامتيازات المحلية والولاءات العائلية والسياسية، وليس على القضايا الوطنية الكبرى مثل الهوية والكرامة ومكانة المغرب في العالم العربي. فالقضايا الحقيقية تُقرر في أماكن أخرى، مثل صالونات الدبلوماسية الدولية، بعيدًا عن إرادة أكثر من 15 مليون ناخب. وهناك شعور بأن الانتخابات لا تعكس القضايا الجوهرية التي تهم الشعب المغربي.
بكلمات أقل، عرض الكاتب تعقيدات السياسة المغربية في التعامل مع إسرائيل، حيث كان هناك تاريخ من العلاقات السرية التي حافظت على توازن دقيق بين حساسية الشعب والضرورات الاستراتيجية. مع تغير المشهد الإقليمي وظهور اتفاقيات أبراهام، دخل المغرب في نفق التطبيع مفرطا في الشرعية الشعبية، خاصة مع تصاعد الدعم الشعبي لغزة ورفض التطبيع. وهكذا ظهرت الانتخابات الأخيرة غير معنية بالقضايا الوطنية الكبرى، مما يبرز فجوة بين الدبلوماسية الرسمية والشارع المغربي. رغم ذلك، الشعب المغربي يحتفظ بقدرة على المقاومة والتعبير عن رفضه عبر وسائل مختلفة، بما في ذلك صناديق الاقتراع. النقاش حول هذه القضايا مستمر لكنه بعيد عن الساحة الانتخابية.