أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثاني والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 00:20
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي     

توقف الباحث في السطور التالية عند حزب النهج الديمقراطي واستراتيجية مقاطعة الانتخابات. فمنذ تأسيسه، دأب هذا الحزب على تفعيل هذه الاستراتيجية، وظل بذلك الحزب الأكثر راديكالية في هذا الصدد. وبينما يمارس نشاطه من خارج المؤسسات الرسمية (على الهامش)، يتمسك الحزب بهذا الموقف حرصاً على "النقاء الأيديولوجي"، ويرفض الانخراط في لعبة سياسية يعتبرها مزيفة. وبعيداً عن الظرفيات السياسية، فإن هذا الحزب "يختار أولاً موقعه الاستراتيجي، ويسعى باستمرار لتحقيق الاتساق النظري لخطه النضالي، ولا يعقد سوى تحالفات استراتيجية، ولا يشعر بالراحة إلا عند العمل على هامش المشهد السياسي"، كما جاء في تقرير منشور (بالفرنسية) على موقع "لكم" تحت عنوان: "النهج الديمقراطي: لأنها غير مطابقة للمعايير الدولية وعلى وزارة الداخلية أن تبتعد عنها" .
وعليه، لا تشكل الانتخابات رهاناً جوهرياً بالنسبة للحزب، الذي يطرح جملة من الأسباب لتبرير استراتيجية المقاطعة؛ ومن بين هذه الأسباب، الإشارة إلى أن الانتخابات ما تزال بعيدة عن استيفاء المعايير الدولية، لكونها تجري في ظل دستور "ممنوح". كما أن هذه الانتخابات غالباً ما تشوبها شواهد الفساد، مما يوحي بأن النظام نفسه يعاني من الفساد أيضاً.
وتذهب هذه المواقف والتصريحات إلى القول بأن الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات لا تسعى فعلياً للوصول إلى السلطة، لأن هذه الأخيرة تظل محتكرة من قبل القصر. ونتيجة لذلك، فإن أحزاب اليسار التي تختار المشاركة لا تعبر - خلافاً لادعاءاتها - عن الإرادة الشعبية.
كما يُستشف من هذه التصريحات أن صناع القرار الفعليين في البلاد لم يصلوا إلى مواقعهم عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي لا يملك الشعب أي وسيلة للرقابة على قراراتهم. ويشير الحزب أيضاً إلى ارتفاع معدل العزوف الانتخابي، رغم جهود التعبئة التي تبذلها الإدارة المغربية وما تستخدمه من وسائل ضغط لحث السكان على المشاركة؛ مما يدل على وعي المواطنين بأن هذه العملية الانتخابية مزيفة.
ويرى قادة الحزب أن ارتفاع معدل العزوف عن التصويت يكشف أيضاً أن الانتخابات ليست سوى مسرحية هزلية، هدفها الرئيسي إضفاء واجهة ديمقراطية على النظام.
وفي مذكرة بعنوان "لماذا نقاطع انتخابات 7 أكتوبر 2016"، أوضح الحزب أن الدستور الذي أُقر عام 2011 يكرّس - شأنه شأن الدساتير السابقة - نظاماً استبدادياً قائماً على السلطة الفردية المطلقة، وينتهك مبدأي الإرادة الشعبية وفصل السلط. ويتجلى ذلك في احتكار رئيس الدولة للمجال الديني عبر صفة "أمير المؤمنين"، واحتكاره للسلطة التنفيذية من خلال الاستئثار بصلاحيات تعيين الوزراء وإقالتهم.
كما يمتد هذا الاحتكار ليشمل المؤسستين العسكرية والأمنية، حيث يتولى رئيس الدولة قيادة القوات المسلحة ورئاسة المجلس الأعلى للأمن، فضلاً عن السلطة القضائية من خلال رئاسته لمجلسها الأعلى.
في هذا السياق، لا يمكن أن تفضي الانتخابات إلا إلى برلمان يفتقر للشرعية وحكومة بلا سلطة فعلية؛ إذ لا يتعدى دور الانتخابات كونها وسيلة لتكريس السلطوية وإضفاء الشرعية عليها، مما يسمح بتجميل الواجهة وتجديد نخب النظام.
ويتمسك الحزب بمطالبه الرامية إلى إبعاد وزارة الداخلية عن العملية الانتخابية، معتبراً أنه من غير المنطقي الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة تشرف عليها وزارة لعبت - منذ عام 1963 - دوراً سلبياً في الحياة السياسية المغربية؛ فهذه الوزارة، فضلاً عن تورطها في الفساد وإنشاء أحزاب إدارية، تتحمل مسؤولية تزوير الانتخابات وقمع المعارضة.
تبرر تلك الأسباب مجتمعةً قرار الحزب بالتشبث بموقفه القاضي بمقاطعة الانتخابات، طالما أن القرارات والتوجهات الكبرى لا تُتخذ من قِبَل من يُفترض بهم تمثيل الشعب داخل المؤسسات السياسية. وفي هذا الصدد، يوضح عبد الله الحريف أن الحزب اتخذ قرار المقاطعة لأن الانتخابات تجري "في ظل دستور ممنوح لا يحترم الإرادة الشعبية للجماهير عبر انتخابات حرة ونزيهة"؛ كما أن الطبيعة غير الديمقراطية للقوانين السارية في البلاد لا تؤدي إلا إلى "إفراز خريطة انتخابية تكون نتائجها محددة سلفاً".
وخلافاً لبعض الأصوات اليسارية التي تكتفي بالحديث عن "الامتناع عن التصويت"، نلاحظ أن الأمر يتعلق بوعي شعبي يرى أنه لا طائل يُرجى من هذه الانتخابات. فمجرد الحديث عن ارتفاع معدلات الأمية في المغرب لا يعني بالضرورة افتقار الشعب إلى الوعي؛ وخير دليل على ذلك ما شهدته حركة 20 فبراير، حيث لم يكن من خرجوا إلى الشوارع للتظاهر والمطالبة بالتغيير نخبة من المثقفين، بل كانوا من عامة الشعب.
باختصار، يعزو الحزب قرار مقاطعة الانتخابات إلى كونها تجري "في ظل دستور ممنوح لا يحترم الإرادة الشعبية للجماهير عبر انتخابات حرة ونزيهة". ثم إن الطابع غير الديمقراطي للقوانين السارية في البلاد لا يؤدي إلا إلى "إفراز مشهد انتخابي تكون نتائجه محددة سلفاً".
وفي ختام الحديث عن هذا التباين في المواقف، تجدر الإشارة إلى أن كلاً من دعاة المشاركة ودعاة المقاطعة لم ينجحوا في إحداث التغيير المنشود؛ إذ أخفقوا في التأثير على النظام أو ممارسة الضغط عليه لدفعه نحو إصلاح ديمقراطي حقيقي. ورغم أن حجج المقاطعين تصيب كبد الحقيقة عند الحديث عن عقم النظام السياسي المغربي وعدم فعالية مؤسساته، إلا أن استراتيجية المقاطعة - يا للمفارقة - لا تملك تأثيراً كافياً لدفع النظام نحو الديمقراطية والتحديث. وفي المقابل، تبرز المعضلة ذاتها عند النظر في تجربة مشاركة المعارضة اليسارية في المؤسسات السياسية المغربية؛ إذ نجد أن هذه المشاركة لم تمنح قوى اليسار الثقل المأمول، بل أصبحت تميل أكثر نحو تقديم التنازلات وتخفيف حدة خطابها السياسي.
ولا بد من القول إن المشاركة في الانتخابات ضمن النظام السياسي المغربي تستلزم حتماً القبول بقواعد اللعبة التي يحددها النظام؛ ومن الضروري التذكير هنا بوجود اتفاق ضمني - أو حتى صريح - يلزم ممثلي المؤسسات بعدم تجاوز "خطوط حمراء" معينة، لا سيما تلك المتعلقة بالسلطة الملكية وصلاحياتها الواسعة والمطلقة.
وذلك يعني أن على الأحزاب السياسية القبول بهيمنة صاحب السلطة الفعلية في البلاد على قضايا السياسة العامة، والخضوع لطبيعة سلطته التنفيذية. وبناءً على ذلك، تغدو الوسائل والصلاحيات المحدودة المتاحة للمنتخبين عديمة الجدوى؛ إذ يعجزون عن التأثير في مراكز القرار التي لا تخضع للرقابة الشعبية.
ومع ذلك، وبعيداً عن المبررات الإيديولوجية التي يسوقها دعاة المشاركة، فإن الوضع الراهن لليسار وثقله الانتخابي المحدود لا يسمحان له بفرض نفسه كبديل على الساحة السياسية.
إن حالة الانحسار والتشرذم التي يعاني منها اليسار حالياً تعيق طموحات القادة الساعين إلى تمييز أنفسهم عن حزب العدالة والتنمية ذي التوجه المحافظ، وعن بعض الأحزاب الإدارية، وفي مقدمتها حزب الأصالة والمعاصرة. ولا تشكل الأحزاب المنضوية تحت لواء فدرالية اليسار الديمقراطي - على الأقل في الوقت الراهن - قوة سياسية حقيقية قادرة على منافسة الإسلاميين في حزب العدالة والتنمية، الذين يتمتعون بقوة تنظيمية هائلة، أو منافسة الأحزاب الأخرى التي تحظى بدعم لافت من القصر.
ومع ذلك، ما تزال فيدرالية اليسار الديمقراطي متمسكة بالأمل وتطمح إلى انضمام كل من الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية إلى تحالف أوسع يضم كافة الأحزاب، واضعة نصب عينيها هدفاً هاماً يتمثل في إعادة بناء اليسار، وساعية، بالتالي، إلى التنسيق بين مختلف مكونات اليسار التي ما تزال مشتتة ومتأرجحة بين خياري المعارضة والمشاركة في الحكومة. وكما تؤكد نبيلة منيب:
"نحن نراهن على مشروع كبير لإعادة بناء اليسار. وبالطبع، فإننا نتصور هذه العملية بمشاركة كافة تيارات اليسار الأخرى، شريطة أن تكون هذه التيارات مستعدة لإجراء نقد ذاتي. إذ يتعين على الحركة اليسارية برمتها مراجعة تجربتها؛ فسواء تعلق الأمر باليسار المشارك في الحكومة أو ذلك الذي بقي خارجها، لا بد من إجراء هذه المراجعة والاعتراف بالأخطاء وبحجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل طرف. فلا يمكننا القول إن المخزن يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية فحسب، بل إن الأحزاب أيضاً لم تكن في مستوى الحدث في اللحظة المناسبة للقيام بما كان ينبغي القيام به، أو للتحلي بالشجاعة التي تقتضيها تلك المرحلة".
غير أنه، وبالنظر إلى بعض المبادرات التي أطلقتها أحزاب يسارية في الماضي، يبدو جلياً أن أي مشروع لإعادة بناء اليسار أو توحيده يصطدم بصمت الأطراف المعنية. ويُعزى هذا الموقف، وفقاً لإسماعيل العلوي - القيادي السابق في حزب التقدم والاشتراكية -، إلى ثقافة سادت طويلاً داخل التنظيمات السياسية في البلاد.
يقول موضحا: "أعتقد أن هناك بالتأكيد ضغائن ناجمة في الأساس عن أخطاء سياسية وتكتيكية. وهناك أيضاً حقيقة أننا ننطلق من ثقافة تقتضي أن أكون أنا ضد أخي، وأن نكون - أنا وأخي - ضد ابن العم، وأن نكون - أنا وأخي وابن العم - ضد الجار، وهكذا دواليك. قد يبدو هذا الوصف كاريكاتورياً، لكن الواقع ينطوي على شيء من ذلك؛ فهناك حسابات تاريخية لم تُسوَّ قط ولن تُسوَّى أبداً، ومع ذلك يعتقد البعض بضرورة تسويتها. ونتيجة لذلك، نجد أنفسنا أمام مآزق قد تفضي أحياناً إلى كوارث".
وخلاصة القول أنه في ظل نقاط الخلاف بين مختلف أطراف اليسار، لا تخدم المشاركة في الانتخابات سوى النظام؛ إذ يستغلها لتجديد نُخبه وإضفاء قدر من الشرعية عليه، مما يساهم في تكريس نهجه السلطوي والتغطية على طبيعته المنافية للديمقراطية.
(يتبع)