أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 01:56
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي     

يُستنتج مما سبق أن مشاركة اليسار في الحكومة ساهمت بشكل كبير في استيعابه (أو احتواءه) من قبل النظام. فقد أصبح إغراء الامتيازات قوياً للغاية بالنسبة لنخب اليسار التي انخرطت بعمق في العمل الحكومي، مما أدى إلى فقدانها الصلة بقاعدتها وبقناعاتها الأولية. "تحولت" قطاعات واسعة من هذه النخب اليسارية إلى طبقة برجوازية، وأصبحت بالتالي جزءاً عضوياً من النظام الذي باتت تدين له ببقائها.
لقد فقدت أحزاب اليسار كل صلة بالواقع، فضلاً عن خضوعها لعملية "المخزنة" (أي الاستيعاب من قبل المخزن)، وتحديداً فيما يتعلق بالتغيرات التي طرأت على بنيتها الاجتماعية. فقد دفعت النزعة الانتخابوية هذه الأحزاب إلى السعي وراء الأصوات بأي ثمن، مما أدى بها إلى طلب دعم الأعيان وأصحاب المال والنفوذ (أو ما يُعرف بـ "مالين الشكارة"). وعندها بدأ المخزن في توجيه مرشحين لهذه الأحزاب لاستخدامهم كقوة توازن في المشهد السياسي؛ وهي اللحظة التي بدأت فيها عملية "مخزنة" هذه الأحزاب.
وتتعزز هذه الملاحظة بدراسات تناولت تحولات اليسار المغربي على الصعيد الانتخابي، حيث نلاحظ تحول النواب والمستشارين الذين يمثلونه في المؤسسات السياسية المغربية إلى فئة "الأعيان". وفي هذا السياق، تحلل منية بناني الشرايبي حالة حزب الاتحاد الاشتراكي، موضحة أن هذا الحزب - الذي كان يوماً حزب مناضلين - قد تحول انتخابياً إلى حزب أعيان؛ حيث تشير إلى أنه "باستثناء مرشحي اللائحة الوطنية، فإن أولئك الذين يُنتخبون تحت لواء الاتحاد الاشتراكي لم يعودوا مدينين في فوزهم لشهرة الحزب أو رصيده".
تأكد تراجع اليسار أيضاً من خلال غيابه الميداني عن المظاهرات الحاشدة والانتفاضات الشعبية التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي؛ فقد سجل اليسار غياباً تاماً عن الساحة، متجاهلاً الحركات الاجتماعية والاضطرابات الشعبية ومقللاً من شأنها.
في هذا السياق، يشير محمد سعيد السعدي إلى ما يلي:
"مقابل تراجع اليسار، لوحظ تصاعد في حركات الاحتجاج الاجتماعي خلال الفترة الممتدة من عام 2000 وحتى عام 2011، الذي توجت فيه تلك الاحتجاجات بـ "الربيع العربي". إن الشعارات التي رُفعت خلال هذه الانتفاضات - مثل العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحرية والمساواة - هي في جوهرها شعارات يسارية، ومع ذلك عارضت بعض أحزاب اليسار هذه الانتفاضات بشدة. (...) ويكفي الاطلاع على البيان الصادر عن حزب التقدم والاشتراكية لإدراك كيفية تعامل الحزب مع حركة 20 فبراير؛ فقد وصفها بأنها حركة مشبوهة، فضلاً عن اتهامها بالعمل خارج إطار المؤسسات. وهذا ما يبرهن على أن أحزاب اليسار التي عملت ضمن المؤسسات قد فقدت مصداقيتها وانقطعت صلتها بالواقع. وينطبق الأمر ذاته على الانتفاضة الشعبية في منطقة سيدي إفني عام 2008، التي أظهرت أن أحزاب اليسار لم تعد تولي اهتماماً للحركات الاجتماعية، مما يثبت أن هذه الأحزاب كانت منفصلة عن نبض المجتمع المدني وما يمور في أعماقه".
باختصار، يمكن القول إن الترتيب الذي أُبرم بين اليسار والقصر لقيادة حكومة "التناوب التوافقي" قد أثبت أنه أقرب إلى كونه تنازلاً مهيناً من جانب نخب اليسار منه إلى تسوية تاريخية؛ إذ لم تكن الأحزاب التي قادت هذه الحكومة مستعدة -أثناء المفاوضات- لطرح شروط دنيا على القصر مقابل مشاركتها.
بالإضافة إلى ذلك، لم يحظ دخولها الحكومة في ظل شروط أحادية الجانب فرضتها السلطة بإجماع قواعدها الشعبية، كما أن طريقة تدبير الشأن العام التي تلت ذلك خيّبت آمال السكان.
خلقت أحزاب المعارضة اليسارية وهماً بإمكانية حدوث تغيير حقيقي، في حين ظلت السلطات الجوهرية، في الواقع، بين يدي القصر. وباختصار، فإن الطابع شديد التباين للحكومة وللائتلاف الداعم لها، ووجود وزراء سيادة في صفوفها، والقيادة الملكية التي لا جدال فيها، جعلت مشاركة اليسار في الحكم لا تقدم حلاً سحرياً للمشاكل المزمنة التي تعاني منها البلاد.
عانى حزب الاتحاد الاشتراكي، على وجه الخصوص، من تداعيات هذه المشاركة، حيث فقد تياراته النضالية الرئيسية؛ إذ انشقت عنه شبيبته، كما غادرته نقابته لتأسيس حزب خاص بها، وشهد المناضلون الأوائل المتبقون انهيار الحزب؛ فكان دخوله الحكومة بمثابة المسمار الأخير في نعشه.
تحول الحزب إلى حزب للأعيان الخاضعين لـ "المخزن"، تماماً كبقية الأحزاب الإدارية مثل التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وغيرهما. وينطبق الأمر ذاته على حزب التقدم والاشتراكية الذي، ورغم براغماتيته ورغبته في إظهار قدر من الاستقلالية عن النظام، يظل مع ذلك تحت رحمة هذا الأخير.
أما حزب النهج الديمقراطي فيقدم لنا تحليله الخاص لتراجع اليسار المغربي؛ إذ يعزو ذلك، على وجه الخصوص، إلى تواطؤ الإقطاع المغربي مع قوات الاحتلال الفرنسي، وإلى مسؤولية الحركة الوطنية المغربية التي يأخذ عليها طابعها البرجوازي.
بالنسبة لحزب النهج الديمقراطي، يُعزى فشل اليسار المغربي إلى الدور الذي لعبه الإقطاع المغربي وإلى الطابع البرجوازي للحركة الوطنية المغربية. ويرى عبد الله الحريف أن وضع المغرب يختلف عن وضع دول الأطراف الأخرى التي خضعت للهيمنة الاستعمارية؛ إذ يذهب إلى القول بأن الدول التي نجحت في تحقيق تحرر وطني حقيقي ونالت استقلالها، هي تلك التي قادت فيها الأحزاب السياسية والحركات الوطنية النضالَ مع ربطه بالنضال الرامي إلى استعادة الفلاحين للأراضي التي سلبتها القوى الاستعمارية. ففي سياق تلك الحقبة، كان الفلاحون يمثلون القوة الرئيسية في هذه البلدان. وهكذا، فإن فيتنام - على سبيل المثال- التي ناضلت في البداية ضد الاستعمار الياباني ثم الفرنسي فالأمريكي، اعتمدت بشكل أساسي على الفلاحين تحت قيادة الحزب الشيوعي الذي كان يتبنى الماركسية ويمثل الطبقة العاملة.
كان الوضع، يتابع الخريف، مماثلاً في الصين، حيث استندت ثورة ماو تسي تونغ أيضاً إلى الفلاحين. ومن ثم، كانت هناك صلة وثقى بين تحرير الأرض من الاستعمار وتحريرها من الإقطاع.
أما في المغرب، فقد اختلف الوضع؛ لأن الإقطاع -في غالبيته - كان يتعاون مع الاستعمار، كما كان الحال مثلاً مع الباشا الكلاوي الذي تعاون مع المستعمر. ووفقاً للحريف، فإنه إلى جانب هذا التعاون مع القوى الاستعمارية، لم يكن هناك انخراط حقيقي في قضية الاستقلال من جانب كافة الشرائح الاجتماعية الموجودة آنذاك. وما حدث في المغرب هو أن البرجوازية الفرنسية خنقت البرجوازية المغربية، مما دفع الأخيرة - في مرحلة ما - إلى المطالبة بالاستقلال.
في الوقت نفسه، كان الحزب الشيوعي المغربي هو المؤهل لتحقيق هذا الربط، لكنه لم يفعل ذلك؛ إذ ارتكب خطأً استراتيجياً تمثل في تأخره عن طرح مسألة الاستقلال، وذلك لوقوعه تحت الهيمنة الفكرية للحزب الشيوعي الفرنسي. كما كان الحزب يرى أن الحركة الوطنية المغربية حركة برجوازية، وأن المطالبة بالاستقلال - وفقاً لتحليله - لا تخدم سوى مصالح البرجوازية. ومع ذلك، كان ينبغي عليه طرح هذه المسألة قبل الأحزاب الأخرى وربط مطلب الاستقلال بقضايا الفلاحين.
ومن العوامل التفسيرية الأخرى، نجد أن من تولوا قيادة النضال من أجل استقلال البلاد كانوا ينتمون إلى الطبقة البرجوازية؛ في حين ظلت الطبقة العاملة والفلاحون، وكذلك جيش التحرير الذي ناضل بالسلاح ضد الاستعمار، خاضعين للهيمنة السياسية لحزب الاستقلال. غير أنه، ورغم هذه الهيمنة، تعرض التكتل الذي شكله حزب الاستقلال للتفكك - لا سيما مع ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية -، وهو ما عزز، بحسب عبد الله الحريف، النظام المغربي ومصالح القوة الحامية، أي فرنسا.
إلى جانب ذلك، تعايش تياران داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية: أحدهما كان يسعى للتوصل إلى تسويات مع "المخزن" (أي المؤسسة الملكية)، والآخر كان يتبنى نهجاً مسلحاً يميل إلى الانقلابية أو يعمل بمعزل عن الجماهير.
ويرى عبد الله الحريف أن هذه الحركة سعت إلى بناء حزب للطبقة العاملة، كما أرادت تحقيق استقلال حقيقي للمغرب وبناء اقتصاد وطني، وغيرها من الأهداف. وقد اعتبرت الحركة أيضاً أن الظروف المؤدية للثورة كانت مهيأة، وأن الشعب كان مستاءً وميالاً للثورة بطبعه؛ لذا كان يكفي إسقاط النظام من خلال تأسيس "حزب الطليعة"، أي الحزب الثوري.
ومع ذلك، يحرص عبد الله الحريف على التأكيد بأن الحركة الماركسية اللينينية المغربية ارتكبت عدة أخطاء ساهمت لاحقاً في فشلها.
يقول ضمن هذا السياق: "في رأيي، فشلت الحركة بسبب جملة من الأخطاء. فعلى سبيل المثال، تأسست منظمة إلى الأمام عام 1970 في سياق اتسم بتناقضات عديدة داخل النظام، وهي التناقضات التي أدت لاحقاً إلى الانقلابات العسكرية؛ مما خلق انطباعاً بأن الثورة باتت في المتناول. حينها، دخلت منظمة إلى الأمام في مواجهة مباشرة مع النظام رغم ضعف حضورها في أوساط الجماهير، إذ كانت تتألف أساساً من الشباب. أما الحركة الأخرى، وهي حركة 23 مارس ، فقد انكفأت على ذاتها".
وهذا ما جعلها تتحول تدريجياً إلى مجرد حزب عادي بين الأحزاب الأخرى تحت اسم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، دون أن تنجح هي الأخرى في ترسيخ أقدامها. وتمثل الخطأ الثاني للحركة الماركسية اللينينية المغربية في اعتمادها بشكل رئيسي على الشباب المتعلم، وعجزها عن التجذر في أوساط الشعب.
كما أن خطابها لم يلقَ صدىً واسعاً لدى الطبقة الوسطى التي كانت تتمتع بمستوى معيشي مريح نسبياً في تلك الحقبة. يضاف إلى ذلك قضية الصحراء الغربية التي أتاحت لـ "المخزن" عزل الحركة الماركسية اللينينية المغربية؛ فقد استند الناشطون في منظمة "إلى الأمام"- إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. لقد كانت حركة "23 مارس" موافقةً في مرحلة ما، لكنها تبنّت لاحقاً موقف مغربية الصحراء. وقد استغل النظام هذا النزاع لإبعاد خطر الجيش، مستفيداً في الوقت ذاته من النزعة الشوفينية التي نجح في تأجيجها حول هذه القضية لعزل المعارضة.
وإذا كانت نخب اليسار تتحمل جزءاً من المسؤولية عن تراجع اليسار، فإن الخلافات بين الأحزاب حول عدد من القضايا الجوهرية تفسّر أيضاً حالة الضعف والانحسار التي يعاني منها. في الفصل التالي، سيتناول عبد الله الحرشيش هذه الخلافات الرئيسية بشيء من التفصيل.
(يتبع)