قضايا وأسئلة من وحي النتائج التي حصل عليها حزبان اشتراكيان من مشاركتهما في الانتخابات الأخيرة


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 00:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في مستهل مقال كتبه بالفرنسية أحد أعضاء المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ونشره مباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات 23 سبتمبر التشريعية، ورد أن هذه الأخيرة "تمخضت عنها نتائج وأرقام ومشهد سياسي جديد. ولكن الأهم من ذلك أنها طرحت أسئلة لا يمكن للأحزاب الجادة أن تتجاهلها".
ونظرا لأهمية القضايا المثارة والأسئلة المطروحة في ثنايا هذا المقال، أبادر إلى عرضها بأكبر قدر من الأمانة مستبعدا التصرف فيها بأي شكل من الأشكال.
ليست الانتخابات مجرد محطة لتحديد الفائز والخاسر، بل هي أيضاً موعد سياسي تواجه فيه الأحزاب مجتمعها، وتختبر قدرتها على الإقناع والتجديد واستعادة الثقة".
من هذا المنظور، تستحق نتائج كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية اهتماماً خاصاً. فقد حصل الاتحاد الاشتراكي على 26 مقعداً في انتخابات 2026 مقابل 34 مقعداً في عام 2021، بينما حاز حزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعداً مقابل 22 في الاقتراع السابق؛ وبذلك يكون الحزبان قد فقدا معاً أحد عشر مقعداً.
وبطبيعة الحال، لا تعني هذه الأرقام اختفاء هذين الحزبين أو نهايتهما السياسية، لكنها تستدعي بلا شك وقفة تأمل وتفكير معمق على المستويات السياسية والتنظيمية والأيديولوجية. فالمسألة لا تقتصر على عدد المقاعد
قد يكون من السهل تفسير هذا التراجع بعوامل موضوعية: نظام الاقتراع، وثقل المرشحين المحليين، ونفوذ الأعيان، ومستوى المشاركة، والمنافسة بين الأحزاب، أو حتى تغير موازين القوى في الدوائر الانتخابية. كل هذه العناصر مهمة. لكن السؤال الذي ينبغي للحزبين طرحه على نفسيهما يتطلب نظرة أعمق: ما الذي فعلاه الحزبان، خلال السنوات الخمس الماضية، لإقناع الناخب المغربي بأن وجودهما السياسي ضرورة، وليس مجرد بقايا لتاريخ عريق؟ فالناخب لا يصوت بناءً على التاريخ وحده.
يمتلك كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية - كلٌ بطريقته - رصيداً تاريخياً هاماً في الحياة السياسية المغربية. غير أن هذا الرصيد التاريخي لا يتحول تلقائياً إلى أصوات انتخابية؛ إذ لا يمكن لأي حزب أن يعيش إلى الأبد على أمجاد الماضي، مهما بلغت أهميتها.
لذا، لا بد من تحويل التاريخ إلى مشروع للحاضر، وتحويل الذاكرة السياسية إلى مقترحات للمستقبل.
وثمة رسالة أخرى جاءت من داخل اليسار نفسه. فمن أبرز المؤشرات أن التراجع النسبي لهذين الحزبين قد تزامن مع صعود "تحالف اليسار"، الذي انتقل رصيده من مقعدين اثنين عام 2021 إلى ثمانية مقاعد عام 2026.
وبطبيعة الحال، سيكون من المبالغة استنتاج أن هذا التقدم نابع بالكامل من القاعدة الانتخابية ذاتها التي كانت تصوت سابقاً لحزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو التقدم والاشتراكية؛ إذ تلعب خصوصيات الدوائر الانتخابية، وشخصيات المرشحين، والشبكات المحلية، والتحالفات أدواراً مؤثرة في هذا السياق.
غير أن هذا الرقم يحمل في طياته رسالة سياسية تستحق الاهتمام: فاليسار المغربي لا يمثل كتلة انتخابية جامدة، والناخب اليساري نفسه بات مستعداً لإعادة توجيه ثقته السياسية.
هذا أحد الدروس الهامة التي أفرزتها انتخابات عام 2026. وبدلاً من النظر إلى التنافس بين مكونات اليسار باعتباره مشكلة في حد ذاته، ربما يجدر بنا طرح سؤال أوسع نطاقاً: لماذا لم ينجح اليسار - بمختلف مكوناته - في التحول إلى قوة سياسية واجتماعية تفوق في تأثيرها مجموع أحزابه مجتمعة؟
بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي: هل يكفي الحفاظ على الموقع؟ إن الانتقال من 34 مقعداً إلى 26 مقعداً يستدعي ما هو أكثر من مجرد قراءة حسابية للأرقام. وقد أقرت قيادة الحزب بالتراجع المسجل مقارنة بالاستحقاقات السابقة، وأعلنت عن عزمها تقييم النتائج داخل هيئات الحزب. هذا التقييم ضروري، لكن قيمته ستعتمد على مدى عمقه. لكن التقييم السياسي الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن تفسيرات خارجية، بل يجب أن يبدأ من الحزب نفسه: هل نجح الحزب في تجديد خطابه؟ هل نجح في استقطاب أجيال جديدة؟ هل تتمتع هياكله المحلية بحضور فعلي في المجتمع؟ وهل يشعر المناضل المحلي بأنه يشارك فعلياً في صنع القرار والأهم من ذلك، هل نجح الحزب في أن يقدم للناخب مشروعاً يربط بين إرثه الاشتراكي والقضايا الجديدة التي تهم المغرب: الشباب، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والسكن، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والبيئة، والاقتصاد المنتج؟
إن اليسار الذي لا يجدد نفسه يواجه خطر التحول، مع مرور الوقت، إلى حارس لماضيه وذاكرته بدلاً من أن يكون صانعاً لمستقبله.
أما بالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية أمام التساؤل ذاته، يبدو تراجع عدد المقاعد من 22 إلى 19 مقعداً أقل حدة من الناحية الكمية مقارنة بتراجع الاتحاد الاشتراكي. ومع ذلك، فإن هذا الوضع يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل نجح الحزب في توسيع قاعدته الاجتماعية والسياسية، أم أنه بات يخوض معركة للحفاظ على رصيده القائم بدلاً من خوض معركة لكسب مواقع جديدة؟
يحتفظ حزب التقدم والاشتراكية بهوية سياسية واضحة وحضور برلماني ملموس، غير أن ذلك لا يعفيه من ضرورة إعادة النظر في العلاقة بين خطابه والمجتمع.
لا يكفي أن يتبنى الحزب موقفاً إزاء القضايا الوطنية الكبرى؛ إذ ينبغي للمواطن أن يجد في هذا الموقف إجابة ملموسة عن انشغالاته اليومية.
لا يمكن لليسار أن يقتات على المفاهيم وحدها، بل عليه تحويل مبادئ العدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص إلى سياسات عمومية مفهومة وقابلة للتقييم.
ثمة قضية أوسع نطاقاً من نتائج الحزبين: أين يتموقع الشباب بالنسبة لليسار؟
بلغت نسبة المشاركة المعلنة في الانتخابات التشريعية لعام 2026 ما نسبته 38% على المستوى الوطني. ومهما كان التفسير المعطى لهذه المشاركة، فإن هذا الرقم يفرض على جميع الأحزاب — ولا سيما اليسارية منها — إعادة النظر في علاقتها بفئات مجتمعية هامة لا تجد بالضرورة نفسها في الأشكال التقليدية للعمل الحزبي. إن إدراج بعض الشباب ضمن القوائم الانتخابية أمر مهم، لكنه ليس كافياً.