إشكاليات لاهوتية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 09:12
المحور: قضايا ثقافية     

أولاً الخلاف حول طبيعة المسيح
تركز الخلاف بشكل أساسي خلال القرنين الرابع والخامس حول سؤال:
كيف تجتمع الألوهية والإنسانية في شخص يسوع المسيح؟
هناك ثلاث مدارس رئيسية:
1. الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (اللاخلقيدونية) أصحاب "الميافيزية"(Miaphysitism)
أي الطبيعة الواحدة. وتشمل الكنيسة القبطية، السريانية، الأرمنية، والإثيوبية.
الفكرة الجوهرية:
اللاهوت (الطبيعة الإلهية) والناسوت (الطبيعة الإنسانية) اتحدا اتحاداً كاملاً بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.
2. الكنائس الخلقيدونية "الديوفيزية" (Dyophysitism)
التي تؤمن بـ "طبيعتين في أقنوم (شخص) واحد".
وتشمل (الروم الكاثوليك والأرثوذكس البيزنطيون والبروتستانت)
الفكرة الجوهرية:
للمسيح طبيعتان كاملتان: طبيعة إلهية كاملة وطبيعة إنسانية كاملة.
الطبيعتان متفردتان ومتميزتان، وتجتمعان في أقنوم وشخص واحد بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام.
3. كنيسة المشرق (الآشورية)
"النسطورية":
الفكرة الجوهرية:
التمييز الحاد بين الإلهي والإنساني في المسيح. فالطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية لكل منهما أقنومه الخاص، والاتحاد بينهما اتحاد إرادة ومحبة وشرف.
بناءً على ذلك، رفضوا إطلاق لقب "والدة الإله" (ثيؤتوكوس) على العذراء مريم، وفضلوا لقب "والدة المسيح".
***
الجوانب الإشكالية الدقيقة التي أشعلت الخلاف:
1. الإشكالية اللغوية: الاندماج الحاصل بين "الطبيعة" و"الشخص"
كان أصل النزاع يعود إلى كيفية فهم المصطلحات اليونانية الأربعة الأساسية:
- الطبيعة (Physis): الخواص والصفات الجوهرية (ما هو الكائن؟).
- الأقنوم (Hypostasis): الكيان الخاص أو القوام المشخص الملموس.
- الجوهر (Ousia): العلة العامة أو ذات الشيء.
الوجه/الشخص (Prosopon): المظهر الخارجي أو الفرد المحدد.
أصل اللبس:
مدرسة الإسكندرية (الأرثوذكسية الشرقية):
كانت ترى أنه لا توجد "طبيعة" قائمة في الواقع بدون "أقنوم" (شخص). فإذا قلنا "طبيعتان حقيقيتان"، فهذا يعني بالضرورة "شخصين/أقنومين"، وهو ما يؤدي في نظرهم إلى تقسيم المسيح إلى شخصين (إله وإنسان).
لذلك تمسكوا بعبارة "طبيعة واحدة متجسدة" لضمان وحدة الشخص.
مدرسة أنطاكية ورومة (الخلقيدونية): ميزت بدقة بين "الطبيعة" (الصفات) و"الأقنوم" (الفرد الذي يحمل صفات). فقالت إن المسيح أقنوم واحد (شخص واحد) يجمع بين طبيعتين كاملتين دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
2. إشكالية "تبادل الخواص"
تجلت الدقة اللغوية في السؤال: هل يجوز نسبة أفعال وآلام الناسوت (الإنسان) إلى اللاهوت (الإله)؟
- الاتجاه الميافيزي (الإسكندري): مادامت الطبيعة واحدة والفاعل واحد، فإن "الله الكلمة هو الذي ولد، وجاع، وتألم، ومات بالجسد". ومن هنا أصروا على إطلاق لقب "ثيؤتوكوس" (والدة الإله) على العذراء مريم، لأن المولود منها هو الله المتجسد ذاته.
- الاتجاه النسطوري (كنيسة المشرق): رفض هذا الربط وشعر أنه يسيء للإلوهية؛ فالإله لا يجوع ولا يموت. وبالتالي يعتبرون أن العذراء ولدت الإنسان الذي حل فيه الإله فيما بعد، والإنسان وحده هو الذي يتألم ويستشعر العواطف الإنسانية.
- الاتجاه الخلقيدوني (الوسطي): أقر بتبادل الخواص ولكن على مستوى الأقنوم (الشخص) لا على مستوى الطبيعة. أي إن "شخص المسيح الواحد" هو الذي تألم بالجسد، بينما طبيعته الإلهية منزهة عن الألم.
3. مخاوف كل طرف من الطرف الآخر
السبب في تمسك كل فريق بموقفه بدقة متناهية كان الخوف من الانزلاق إلى بدعة أكبر:
الأرثوذكس الإسكندريون كانوا يخشون أن تؤدي صيغة "الطبيعتين" إلى النسطورية (تفكيك المسيح إلى شخصين مستقلين).
الخلقيدونيون كانوا يخشون أن تؤدي صيغة "الطبيعة الواحدة" إلى الأوطاخية المونوفيزية (Monophysitism)
(ابتلاع اللاهوت للناسوت وصيرورة المسيح طبيعة هجينة ليست إلهاً خالصاً ولا إنساناً خالصاً).
*******
تعقيب:
ما خرجت به مما سبق، هو أن:
- "الطبيعة" Physis تتطلب بالضرورة وجود شخص أي أقنوم Hypostasis. ورأي "الديوفيزية" الفصل بين الطبيعة والشخصية، ومن ثم وجود طبيعتين إلهية وإنسانية في شخصية واحدة هو قول لامنطقي.
- رأي مدرسة الإسكندرية في اتحاد الطبيعة الإلهية والإنسانية في طبيعة واحدة لأقنوم واحد، هو تصور يضرب جوهرية الخلاف بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية. فطبيعة الإله منقطعة الصلة بطبيعة الإنسان. وأن يتم تصور أن يتم ذلك الاتحاد "بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير"، هو شرط يجعل من المستحيل منطقياً حدوث المشترط حدوثه.
- يتبقى الرأي الذي لا يقل لامنطقية عن سابقيه، وهو كنيسة المشرق النسطورية. التي تؤمن بـ "طبيعتين وأقنومين في شخص واحد". فهذا هو مانعرفه بمرض اضطراب الهوية التفارقي (Dissociative Identity Disorder DID)
الخلاصة
لقد اختلق اللاهوتيون في القرن الرابع معضلة فلسفية متناقضة في ذاتها، لكي يتخبطوا ويتقاتلوا عليها، وتظل الأجيال من بعدهم، تحتار في فهم ماهو بالأساس متناقض وغير قابل للفهم.
*****
ثانياً إشكالية البساطة والتثليث
تقتضي الحقيقة العقلية للكمال الإلهي المطلق تقرير "بساطة الإله الذاتية" (Divine Simplicity)، أي "بساطة جوهر الألوهية". ما يعني نفي الكثرة والتركيب عنه بصورة مطلقة. إذ أن ماهو مركب يكتمل تقييمه بأجزائه. وما هو مفتقر ويحتاج في قوامه وماهيته إلى غيره، يكون محدوداً ومفتقراً للكمال، وهو ما يناقض الغنى الذاتي والوجوبي المطلق للإله. لهذا في مقدمة صفات الألوهية أن "الإله جوهر بسيط".

لا ترى المسيحية اللاهوتية تناقضاً بين الثليث والبساطة، بل تعتبر البساطة الإلهية ركناً أساسياً في فهم الثالوث، - بينما يرى الناقدون والممتنعون عقلياً عن الفكرة أن الجمع بينهما يُثير إشكاليات منطقية.
يمكن تلخيص كيفية معالجة الفلسفة واللاهوت لهذه الإشكالية في نقطتين رئيسيتين:
1. الرؤية اللاهوتية المسيحية (عدم التناقض)
تعتمد الفلسفة المسيحية (خاصة عند توما الأكويني والمدافعين عن اللاهوت الفلسفي) على تفكيك مفهوم "التمكّن والتمايز" لنفي التركيب:
التمايز الأقنومي ليس تركيباً مادياً ولا وجودياً:
الأقانيم الثلاثة (الآب والابن والروح القدس) ليست "أجزاءً" يتكون منها الإله. فالإله ليس حساءً مكوّناً من ثلاثة مكونات تُشكل بمجموعها كلاً، بل إن كل أقنوم هو الجوهر الإلهي الواسط البسيط كاملاً.
العلاقات الذاتية (Relational Distinction):
التمايز بين الأقانيم ليس تمايزاً في "الجوهر" (Substance) ولا في "الوجود" (Being)، بل هو تمايز في العلاقات البينية الداخلية (مثل أصل الصدور: الآب يُولِد الابن، والروح القدس ينبثق). وهذه العلاقات لا تُدخل كثرة أو تركيباً على الجوهر، لأن الجوهر واحد أزلي وبسيط.
رفض التجزئة: اللاهوت المسيحي يحرص على نفي أن يكون الأقنوم مجرد "جزء من الإله"؛ لأن القول بالجزئية يُدخل التركيب والافتقار للكمال والاكتفاء الذاتي، وهو ما يرفضه لاهوت الثالوث رسمياً باعتباره بدعة.
2. الاعتراض المنطقي والفلسفي (مكمن النقد)
من منظور الفلسفة التحليلية وبعض مدارس الميتافيزيقا، مبدأ هويّة الخصائص (Identity Principle): إذا كان الجوهر الإلهي بسيطاً تماماً ومطابقاً لصفاته، وكانت الذات الإلهية هي عين الجوهر، فكيف يمكن للآب أن يتميز عن الابن دون أن يكون لدى الآب خصائص مقوّمة تختلف عن الابن؟
إشكالية التركيب الاعتباري: يرى النُقّاد أنه إذا كان "الآب ليس هو الابن"، فهذا التمايز يتطلب إضافة صفة أو علاقة تميز أحدهما عن الآخر، وأي إضافة على الجوهر التام تُعد نوعاً من التمايز الذي يُخل بمفهوم "البساطة المطلقة" التي تنفي كل شكل من أشكال الكثرة الذهنية أو الخارجية.
المفهوم التقليدي للبساطة الإلهية يُستخدم مسيحياً لتأكيد وحدة الجوهر الإلهي وعدم تجزئه، بينما يُعرّف الثالوث بأنه تمايز في الروابط والأشخاص (الأقانيم) داخل هذا الجوهر الواحد البسيط، لا كثرة في الأجزاء.