عندما يسعد الإنسان خارج مظلة الوهم


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 23:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

تتردد في الأوساط الفلسفية والوجودية مقولة جوهرية تطرح تساؤلاً عميقاً حول طبيعة السعادة البشرية:

"لاشك أن الإنسان يستطيع أن يعيش ويسعد بحياته، دون الاستعانة بتصورات وآمال غيبية مناقضة لقوانين الطبيعة التي تحكم عالمنا، ولحقيقة الوجود الإنساني. هو فقط التعود على الأوهام وكأنها جزء طبيعي وحتمي في الوجود، ما يولد تصور استحالة احتمال الإنسان الحياة وقسوتها بدونها."

تضعنا هذه الفكرة أمام مرآة الحقيقة العارية، وتطالبنا بتفكيك واحدة من أقدم العادات الذهنية التي رافقت البشرية منذ فجر التاريخ:
الحاجة إلى الغيبي والميتافيزيقي لتبرير الوجود وتحمل مشاقه.
فهل السعادة ممكنة حقاً دون اللجوء إلى ما يتجاوز الطبيعة وقوانينها؟
أولاً: سلطة الاعتياد وسحر الوهم المستحب
لطالما بحث الإنسان عن الملاذ الآمن. واجه القسوة والغموض الخارجي بالخيال والميتافيزيقيا، ومع مرور الزمن، تحولت هذه التصورات من "وسائل دفاعية مؤقتة" إلى "حقائق حتمية" لا يمكن العيش بدونها.
التعود كقوة قاهرة: يعتاد العقل البشري على التفسيرات الجاهزة لأنها توفر جهداً فكرياً وعاطفياً هائلاً.
الأمن النفسي الزائف: يمنح الوهم الإنسان شعوراً بالتميز والمركزية في هذا الكون الواسع، مما يجعله يخشى التخلي عنه، ليس لأنه حقيقة، بل لأن البديل — وهو قبول حجمنا الضئيل في الكون — يبدو مرعباً للوهلة الأولى.
ثانياً: شروط العيش والسعادة تحت مظلة "قوانين الطبيعة"
إن القول بإمكانية سعادة الإنسان دون الاستعانة بالغيب ليس مجرد تفاؤل رومانسي، بل هو حقيقة واقعية تؤكدها فلسفات شتى وتجارب إنسانية ملموسة.
كيف يتحقق ذلك؟
1. التصالح مع الواقع وقوانينه:
السعادة الحقيقية تبدأ من قبول الطبيعة كما هي: محايدة، صارمة، ومحكومة بقوانين ثابتة.
عندما يدرك الإنسان أن المرض، والشيخوخة، والفناء هي عمليات بيولوجية طبيعية وليست عقاباً أو غضباً كونياً، يتحرر من مشاعر الذنب والقلق الوجودي غير المبرر.
2. تحمل المسؤولية الكاملة:
بدلاً من انتظار حلول سحرية أو غيبية للمشكلات الأرضية، ينقل الإنسان تركيزه إلى العمل الفعلي. البحث العلمي، والطب، والعدالة الاجتماعية، والتضامن الإنساني تصبح هي الأدوات الحقيقية لتحسين جودة الحياة وتقليل آلامها.
3. صناعة المعنى الذاتي:
في غياب معانٍ جاهزة تفرضها التصورات الغيبية، يملك الإنسان الحرية الكاملة لصياغة معناه الخاص. يصبح الحب، والفن، والمعرفة، ومساعدة الآخرين، وترك أثر إيجابي في هذا العالم، هي الغايات النبيلة التي تسعد روحه.
ثالثاً: وهم استحالة الاحتمال
إن فكرة "استحالة احتمال الحياة وقسوتها دون أوهام" هي فكرة ناتجة عن الخوف من المجهول، وليس عن حقيقة العجز البشري. فالإنسان كائن مرن يمتلك قدرة هائلة على التكيف (Resilience).
عندما يتخلى المرء عن العكاز الوجودي للوهم، يكتشف قوة ساقيه الحقيقية. يكتشف أن مواجهة قسوة الحياة بشجاعة واقعية تولد نوعاً من السعادة العميقة والصلبة، وهي سعادة قائمة على الوعي لا على التخدير.

إن العيش في حدود الطبيعة والاعتراف بحقائق الوجود الإنساني الفاني لا يعني بؤس الإنسان أو كآبته، بل هو خطوة نحو النضج والوعي الحقيقي. إنها دعوة للتوقف عن الهروب نحو الأوهام، والبدء في استثمار الحياة المتاحة هنا والآن.
في النهاية، قد تكون الحياة قصيرة ومحاطة بالغموض، لكن قدرتنا على الحب، والإبداع، وإعطاء معنى للحظة الحاضرة في ظل قوانين هذا الكون، هي أعظم سعادة وأكبر انتصار يمكن للوعي البشري أن يحققه.