شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 23:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"طريف أن من يحذرون ليل نهار من الهيمنة العسكرية والاقتصادية الغربية، ويتطيرون من الغزو الثقافي الغربي، ويلطمون الخدود على ضياع الهوية، كل هؤلاء يغامرون بحياتهم بالغرق في البحر المتوسط، في محاولات هجرة غير شرعية لبلاد الكفر والكفار!!"

تتجسد في واقع شعوب الشرق الأوسط المعاصر مفارقة مؤلمة تدعو للتأمل. مفارقة تضع الخطاب الفكري والسياسي السائد في كفة، وتدفقات الحركة البشرية على أرض الواقع في كفة أخرى. فبينما تتعالى الأصوات تحذيراً من "الهيمنة الغربية"، وتنادي صباح مساء بخطر "الغزو الثقافي" وضياع الهوية، نجد في المقابل آلاف الشباب يغامرون بأرواحهم في "قوارب الموت" عبر البحر الأبيض المتوسط، قاصدين تلك الدول ذاتها التي وُصفت في الأدبيات العربية بأوصاف الكفر والفسق والفجور!!
فما الذي يدفع الإنسان للركوب في طريق احتمال النجاة فيه مساوٍ لاحتمال الغرق، ليلجأ إلى مجتمعات ينصت وربما يشارك في لعنها في جميع المحافل طوال حياته؟
1. الشعار لا يطعم خبزاً
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في تناقض الأفكار، بل في الفجوة الهائلة بين الشعار النظري والواقع المعيش.
الخطاب البلاغي: يركز على تصنيفات الإيمان والكفر وصراع الحضارات، ونظرية المؤامرة، واستدعاء التاريخ المأزوم.
الواقع اليومي: يواجه فيه الفرد غياب الفرص، وتراجع مستوى المعيشة، وضغط الأزمات الاقتصادية، وانعدام العدالة الاجتماعية.
عندما يصطدم الشعار العاطفي بمتطلبات الحياة الأساسية، ينتصر دائماً البحث عن الأمان والكرامة. فالإنسان لا يهاجر كفراً بهويته، بل هرباً من انسداد الآفاق في موطنه.
2. ازدواجية المعايير أم اضطرار المقهور؟
قد يبدو للمراقب السطحي أن الأمر مجرد نفاق فكري. كيف يهاجم المرء منظومة قيمة معينة ثم يسعى حثيثاً ليعيش في ظلها؟
لكن التحليل الأكثر عمقاً يكشف عن أمرين:
1. انفصال النخب عن الشعوب: كثيراً ما تكون الأصوات المجيشة والمتطيرة من الغرب صادرة عن نخب سياسية أو إعلامية تعيش في رغد، بينما من يدفع ثمن الأزمات ويلقي بنفسه في البحر هم الفئات الأكثر تهميشاً.
2. البحث عن دولة القانون: يدرك المهاجر —حتى وإن كان يتبنى أفكاراً تقليدية— أن تلك المجتمعات، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية، توفر سيادة للقانون، وحماية للحقوق الأساسية، وفرصاً للعمل تكاد تكون معدومة في بيئته الأم.
3. أزمة بناء البديل
إن الصراخ ضد "الهيمنة الغربية" دون تقديم نموذج حضاري ومؤسسي ناجح يوفر للناس العيش الكريم، يظل مجرد ظاهرة صوتية. فالأمم لا تنتصر بالبكاء على الأطلال ولا بالتحذير المستمر من الآخر، بل بـ:
- بناء اقتصاد قوي ومستدام يمتص طاقات الشباب.
- ترسيخ الحكم الرشيد وسيادة القانون.
- استثمار العقول وتوفير مناخ الحرية والابتكار.

لدينا مثال فج للفشل أو لانعدام الاهتمام بتوفير حياة إنسانية من قبل حكومات هذه الشعوب. . فدولة المغرب الحريصة على القتال حتى الرمق الأخير على ضم الصحراء الغربية، لا توفر مايحفظ كرامة الحياة لشعبها، بحيث يغامر عشرات الآلاف باندفاع انتحاري لاختراق الحدود الأسبانية!!

خلاصة القول:
إن بقاء الشباب في أوطانهم واعتزازهم الحقيقي بهويتهم لن يتحققا بالخطابات الحماسية أو بالتخويف من "الآخر". بل بتحويل الأوطان إلى مساحات قابلة للحياة والاستقرار. فما لم تُبْنَ البيوت على أرضية صلبة من الكرامة والفرص العدالة، ستظل قوارب الهجرة تشهد على أن باحث الأمل مستعد لمواجهة الموت بدم بارد، فقط ليعبر إلى ضفة يجد فيها ما حُرِم منه في أرضه.