ثورة العبيد.. ترتد وبالاً عليهم


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 00:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"لا تفرح أو تتفائل بالعبيد بالسليقة إذا ثاروا، فسوف يجلبون على أنفسهم ما هو أشرُّ!!"

عبارة صادمة، لكنها تحمل في طياتها عمقاً فلسفياً وتاريخياً مريراً. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الكلمات قاسية أو معادية لتطلعات الشعوب في الحرية، إلا أن تفكيكها يكشف عن تحذير عميق من "ثورات الغريزة" التي تفتقر إلى الوعي البديل.
إن الثورة في مفهومها الحقيقي ليست مجرد إسقاط لجلاد، بل هي إسقاط لـ "فكرة الجلاد" ذاتها من النفوس. وعندما يثور من اعتاد العبودية بـ "السليقة" دون تغيير بنيته الفكرية، فإن النتيجة غالباً ما تكون استبدال مستبد بمستبد آخر، وربما يكون القادم أشد فتكاً.
أولاً: مفهوم "العبودية بالسليقة" وعقدة التبعية
العبودية بالسليقة، أو ما يمكن تسميته بـ العبودية الطوعية (كما وصفها الفيلسوف الفرنسي إتيان دي لا بويسي)، ليست مجرد قيود مادية، بل هي حالة ذهنية ونفسية تتطبع فيها الكينونة الإنسانية على التبعية. يتربى الفرد في هذا المناخ على الخوف، وتسليم إرادته لـ "المخلص" أو "الزعيم"، ويصبح عاجزاً عن التفكير المستقل أو تحمل مسؤولية الحرية.
الحرية عبء ثقيل يتطلب الوعي، والمسؤولية، والقدرة على الاختيار وتقبل الخطأ والسعي للتصحيح.
أما العبودية فتوفر "أماناً مزيفاً". حيث يفكر الآخرون نيابة عنك. لذلك، عندما يثور هؤلاء، فإن دافعهم غالباً ما يكون الجوع أو الظلم المادي المباشر، وليس الرغبة في التحرر الإنساني الشامل.
ثانياً: لماذا يجلبون على أنفسهم ما هو أشرّ؟
تتحول ثورات الفئات التي لم تتحرر داخلياً إلى كوارث لعدة أسباب جوهرية:
البحث عن "صنم" جديد: لأنهم لا يعرفون كيف يديرون حياتهم خارج إطار التبعية، يسارع الثائرون بالسليقة بعد إسقاط الطاغية القديم إلى صناعة طاغية جديد. يرفعون صور قائد جديد، ويمنحونه تفويضاً مطلقاً، ليتحول سريان الوقت إلى دكتاتور يفوق سابقه بطشاً.
غياب البديل المؤسسي: الثورة الواعية تبني مؤسسات، أما ثورة الغريزة فتهدم المتاح دون امتلاك تصور عن القادم.
هذا الفراغ الفوضوي يفتح الباب على مصراعيه لأسوأ العناصر الانتهازية والديكتاتوريات العسكرية أو الفاشيات الدينية لقفز فوق المشهد وتصدره.
تحول الضحية إلى جلاد: في علم النفس الاجتماعي، عندما يثور العبد دون وعي، فإنه لا يطمح لإلغاء نظام العبودية، بل يطمح غريزياً إلى تبادل الأدوار. يريد أن يصبح هو "السيد" ليمارس البغي والتشفي على الآخرين، مما ينتج مجتمعاً غارقاً في الانتقام والفوضى.
ثالثاً: التاريخ يشهد
التاريخ الإنساني مليء بالشواهد التي تصدق على هذه المقولة. كم من ثورة شعبية انطلقت لرفع الظلم، وانتهت بإنتاج أنظمة شمولية سحقت الشعوب أضعاف ما فعلت الأنظمة السابقة.

"التحرر الحقيقي يبدأ من العقل؛ فإذا انكسرت القيود التي في اليد وظلت القيود التي في الفكر، تحولت الحرية إلى فوضى، والفوضى إلى استبداد أعمق."

إن الثورة الفرنسية في مراحلها الأولى (عهد الإرهاب بقيادة روبسبير) تحولت إلى مقصلة حصدت الرؤوس لمجرد الشبهة، لأن الغضب الأعمى غلَب الوعي، ولم يستقر الأمر إلا بعد عقود من المخاض الفكري.

الوعي أولاً.. ثم التغيير
إن التحذير من التفاؤل بثورة "العبيد بالسليقة" ليس دعوة للقبول بالظلم أو تكريساً لدوام الاستعباد، بل هو دعوة لتوجيه الجهود نحو الوعي والتعليم والتحرير الفكري أولاً.
إن إسقاط الأنظمة المستبدة عملية سهلة مقارنة بإسقاط "الاستبداد الداخلي" المستوطن في العقول. ولكي لا تجلب الثورات ما هو أشر، يجب أن يسبق الثورة على الحاكم ثورة على الجهل، والأنانية، وقبول الدونية. الحرية لا تُمنح لمن لا يقدر قيمتها، والتغيير الحقيقي يبدأ بـ "صناعة الإنسان الحر" قبل صناعة "المجتمع الحر".