عروش على أشلاء السودان


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

عندما تصبح دماء السودانيين ثمنًا للطموحات الإقليمية والتحالفات المشبوهة

لم تعد الأزمة المشتعلة في السودان منذ أبريل 2023 مجرد نزاع داخلي بين جنرالين يتقاتلان على السلطة، بل تحولت إلى واحدة من أبشع الحروب بالوكالة في التاريخ الحديث للمنطقة. وفي الوقت الذي يُسحق فيه الشعب السوداني تحت وطأة التهجير، والمجاعة، وتدمير مقومات الحياة، تتجه الأنظار نحو السياسات الإقليمية—وفي مقدمتها أدوار دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية—التي تحول تدخلها وحساباتها السياسية إلى الوقود الذي يغذي هذه المحرقة ويمنع انطفاءها.
- الإمارات ودعم "الدعم السريع": رهان على الميليشيا وحسابات الثروة
على الرغم من الإنكارات الرسمية المتكررة من أبوظبي، فإن التقرير تلو الآخر الصادر عن خبراء الأمم المتحدة والتحقيقات الصحفية الدولية يؤكد وجود خطوط إمداد مالية ولوجستية وعسكرية تمر عبر شبكات إقليمية لتصل إلى قوات "الدعم السريع".
إن الإصرار على ضخ الموارد لقوات متهمة بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي، يمثل نهجًا سياسيًا انتهازياً، يُقدّم المصالح الضيقة للإمارات، مثل السيطرة على خطوط تجارة الذهب وتأمين موطئ قدم استراتيجي على موانئ البحر الأحمر، على دماء ومصير دولة بأكملها.
إن الرهان على ميليشيا لا تعترف بمؤسسات الدولة لم يفسد فقط أي أمل في التحول الديمقراطي، بل حول بقاعًا كاملة كدارفور والخرطوم إلى أراضٍ محروقة.
- السعودية وتغذية الانقسام: شرعنة العسكر والتحالف مع إسلاميي النظام السابق
على الجانب الآخر، ورغم محاولات الرياض تسويق نفسها كـ "وسيط نزه" من خلال منبر جدة، فإن سياساتها الواقعية لم تكن سوى دعم وتغطية للمؤسسة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان. هذا الانحياز، وإن أُحيط برداء "دعم الشرعية ومؤسسات الدولة"، أسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب من خلال منح القيادة العسكرية الشرعية للقيام بتحالفات مثيرة للجدل بالداخل والخارج بدلاً من الانخراط الجاد في تسوية شاملة.
ويرى مراقبون أن الخطورة الكبرى في مسار القيادة العسكرية بقيادة البرهان تتجلى في اعتمادها المتزايد وتحالفها مع قيادات تيار الإسلام السياسي وعناصر حزب المؤتمر الوطني المنحل (جماعة الإخوان المسلمين)—وهي الجماعة المصنفة كمنظمة إرهابية في العديد من الدول المحورية حول العالم.
لقد أتاح هذا التحالف لكتائب وفلول النظام السابق العودة إلى الواجهة عبر القتال في صفوف الجيش (مثل كتائب البراء بن مالك وغيرها)، ما أضفى صبغة أيديولوجية متطرفة على الصراع، وعزز رغبة هذه الجماعات في إدامة الحرب للانتقام السياسي وإجهاض ثورة ديسمبر، والعودة إلى الحكم، وسط صمت أو تماهٍ من الأطراف الداعمة للجيش إقليمياً.
السودان في مذبح التنافس والمصالح
إن التوجهات السياسية لكل من الرياض وأبوظبي، أيا كانت مبرراتها الجيوسياسية، تلتقي عند نتيجة واحدة كارثية: تحويل الجسد السوداني إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل.
استقطاب وأجندات متضاربة: أدى التجاذب الإقليمي واستغلال التيارات الأيديولوجية إلى شلل الجهود الدولية والإقليمية، حيث تُجهض التوافقات في أروقة المحافل الدولية لصالح أجندات الأطراف المُموِّلة والداعمة أو القوى العقائدية المتحالفة مع السلاح.
الكلفة الإنسانية: يستمر الطرفان المتصارعان في الداخل (الجيش وحلفاؤه من الإسلاميين، والدعم السريع) في رفض تقديم أي تنازلات، طالما أنهما يجدان الظهير الخارجي والغطاء المالي والعسكري لاستدامة الحرب.
إن التاريخ لن يرحم السياسات الإقليمية والتحالفات المحلية التي تعاملت مع السودان كمجرد "رقعة شطرنج" لتوسيع النفوذ، أو اقتطاع الثروات، أو إعادة تمكين الجماعات المتطرفة على حساب تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة.
إن المطلوب اليوم ليس هدنًا هشة أو بيانات تعاطف، بل وقف فوري لكافة أشكال التدخل والتمويل والتحريض الذي يغذي الطرفين، ورفع يد المحاور الإقليمية والجماعات الأيديولوجية عن كاهل السودان ليتسنى لشعبه وحده تقرير مصيره وبناء دولته المدنية المستقلة.