قراءة في فلسفة الوعي والضمير الجمعي


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 09:15
المحور: قضايا ثقافية     

"الفارق شاسع بين انسياق الإنسان لجماعة، كما انخراط خروف ضمن قطيع، وبين الانتماء الذي تنتظم فيه العلاقات باعتزاز الفرد بنفسه وبشخصيّته، وبدوره الإيجابي لصالح الجماعة."

تختزل المقارنة بين "الانسياق الأعمى" و"الانتماء الواعي" الفارق الجوهري بين كائنات تعيش على هامش الإرادة، وأفراد يصنعون بالتزامهم وإيجابيتهم مجتمعات حية ومزدهرة.
فشتان بين من يذوب في المجموع ملغيًا عقله وكرامته، وبين من ينتمي بكامل وعيه واعتزازه بنفسه ليضيء مساحة وجوده ويبني مجتمعه.

أولاً: عقلية القطيع وإلغاء الكيان
إن الانسياق لجماعة دون تفكير أو نقد ليس سوى استسلام لغريزة الخوف وتخليًا عن أمانة العقل. حين ينخرط الفرد في "عقلية القطيع":
- يتلاشى رأيه الشخصي لصالح الصوت الصاخب الموجه للجموع.
- يتوارى ضميره المتقصي خلف مبررات الجماعة ومساعيها.
- يسخر قدراته العقلية لتبرير استمرارية قيم الجماعة التي فقدت صلاحيتها، سواء بسبب سلبيتها، أو نتيجة لتطور الحياة.
- هكذا تحل الطاعة العمياء محل البحث عن الحقيقة والعدالة.
في هذه الحالة، لا يُعدّ الإنسان شريكًا في قوام مجتمعه، بل أداة أو روبوت يتبع المسار المخطط له دون علم بغايته. أو كما تتحرك الشاة داخل القطيع بتأثير الراعي أو الكلب. تسير فقط لأن الجميع يسيرون في الاتجاه ذاته.

ثانياً: الانتماء الواعي.. حيث تجتمع الفردية بالمسؤولية
نرى النقيض تمامًا. . يأتي الانتماء الصادق بوصفه خيارًا إنسانيًا نبيلًا. فالانتماء لا يعني القضاء على خصوصية الفرد أو طمس معالمه الشخصية. بل هو تعاقد حر بين فرد معتز بذاته وجماعة تحترم هذا الاعتزاز.
تتجلى قيمة هذا الانتماء في نقطتين رئيسيتين:
1. الاعتزاز بالشخصية والكرامة: الفرد المنتمي لا يشعر بضآلة ذاته أمام المجموعة، بل يدرك أن قوته واستقلاله الفكري هما الإضافة الحقيقية التي يحتاجها مجتمعه.
2. الدور الإيجابي والفاعل: يرى المنتمي نفسه صانع تغيير وركيزة بناء، فيقدم أفكاره ونقده المخلص لخدمة المجموع، لا لترديد الأصداء دون وعي.
3. كما يحجم المنتمي الذي يعتز بذاته ويحترمها عن اقتراف أي أخطاء وسلبيات تضر المجتمع، من منطلق الاعتزاز بذاته، التي تستنكف أن تتدنى بارتكاب الخطأ والسلبيات. وليس فقط لمجرد الخوف من الوقوع تحت طائلة القانون.
ثالثاً: كيف نبني مجتمعات المعبّرة عن الانتماء؟
المجتمعات القوية والمعافاة لا تتشكل من أتباع أو مواطنين مطيعين. بل من أفراد قادرين على التفكير المستقل والعمل الجماعي المتناغم. إن صيانة هذا الفارق الشاسع تقتضي:
- ترسيخ ثقافة التفكير النقدي: أن يُربّى الفرد على السؤال والفحص قبل الاتباع والامتثال.
-عدم اعتبار الطاعة العمياء فضيلة يجري تلقينها للأبناء. واستبدالها بثقافة الحوار والإقناع. في ظل تخلي كل الأطراف عن ادعاء امتلاك الحقائق المطلقة.
- احترام الاختلاف في الرأي، وتقديس حرية الاختلاف. وإدراك أن التنوع في الرأي قوة تُغني الجماعة، ولا تهدد وحدتها أو قيمها أو سلامها الاجتماعي. وألا يُعد "الخروج على ثوابت المجتمع" وصمة وتهمة قد تصل بمن تلصق به إلى ماوراء القضبان!!
- تقدير المبادرة الفردية: تشجيع العطاء الذي ينبع من قناعة ذاتية ومسؤولية أخلاقية.

لعل أشر صنوف العبودية، هي تلك العبودية الطوعية. التي يتخلى فيها الإنسان عن احترام ذاته والاعتزاز بها، ويفضل أماناً راكداً في كنف الجماعة.

إن الفرق بين انسياق الخروف في القطيع وانتماء الإنسان لمجتمعه هو الفرق ذاته بين الاستعباد الطوعي والحرية المسؤولة. فالأول يسلب من الإنسان إنسانيته ويهبط به إلى مجرد رقم، بينما يرفع الثاني من قدره ليغدو مساهمًا فاعلاً ومؤثرًا. ولن تنهض الأمم إلا عندما يدرك كل فرد فيها أن قيمته المضافة تتأتى من حفظه لكرامته وفكره، وأن أصدق أنواع الانتماء هو ذاك الذي يُبنى بذات معتزة، وعقل حر، ويدٍ معطاءة.