بين الظمأ إليها والخوف من كفالتها: العبودية المختارة وصراع الحرية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:20
المحور: قضايا ثقافية     

"كما أن الحرية نزوع فطري في النفس البشرية، هناك أيضاً نزوع الخوف الفطري، الذي يجعل الإنسان يخاف الحرية ويهرب منها، باعتبارها تهديداً لحياته واستقراره المادي والنفسي"

تتحرك النفس البشرية في فلك ممتلئ بالتناقضات المدهشة؛ ففي الوقت الذي تتوق فيه أرواحنا إلى الانعتاق، وترفع فيه المجتمعات الحرية كأسمى قيمة وجودية، يكمن في أعماقنا خوفٌ غريزي دفين من هذه الحرية ذاتها. إن القول بأن "الحرية نزوع فطري، كما أن الخوف منها نزوع فطري آخر" يضع أيدينا على واحدة من أكثر الإشكاليات النفسية والفلسفية عمقاً في تاريخ الإنسان.
نزوع الحرية: كسر الأغلال
إن التوق إلى الحرية هو ما يجعل الإنسان إنساناً؛ فهو الدافع الأساسي للكرامة، والمحرك الأول للتطور والابتكار. منذ البدايات الأولى، يرفض الكائن البشري القيد والوصاية، ويسعى جاهداً لاكتشاف أفق الإمكانات المتاحة أمامه. وبدون الحرية، تفقد النفس القدرة على التعبير عن ذاتها الفريدة، وتحتضر الروح الإبداعية، ويتلاشى الشعور بالقيمة الفردية.
نزوع الخوف: ثقل المسؤولية وعبء الاختيار
ولكن، لماذا قد يهرب الإنسان من الشيء الذي يشتهيه؟
ولماذا يتنازل أحياناً عن حريته بمحض إرادته؟
يكمن الجواب في الواقع المادي والنفسي الذي تفرضه الحرية:
- ثقل المسؤولية: الحرية ليست مجرد حق، بل هي واجب يفرض على الفرد أن يتحمل تبعات خياراته بالكامل. عندما تكون حراً، لا يعود بإمكانك إلقاء اللوم على "القدر" أو "السلطة" أو "المجتمع" عند الفشل.
- القلق من المجهول: توفر المظلات السلطوية أو الأنماط المجهزة سلفاً أماناً زائفاً. فهي تمنح الإنسان خريطة واضحة وسقفاً يحميه من ريح المجهول. أما الحرية فتلقي بالمرء في بحر متلاطم الأمواج بلا خريطة، مما يثير قلقاً وجودياً.
- التهديد للاستقرار المادي والنفسي: الانفكاك عن القطيع أو التمرد على السائد قد يكلف الفرد أحياناً أمانه الوظيفي، أو مكانته الاجتماعية، أو حتى تقبل أقرب الناس إليه.

"عندما تتاح للإنسان فرصة الحرية الكاملة، يصطدم فوراً بواقع أن الحرية تتطلب شجاعة استثنائية للاختيار والمواجهة."

العبودية المختارة: الهروب إلى الأمان الزائف
في كتابه الشهير "الهروب من الحرية"، أوضح الفيلسوف وعالم النفس إريك فروم كيف تحولت الشعوب في أوقات الأزمات نحو الديكتاتوريات بحثاً عن الملاذ؛ حيث يفضل الكثيرون أن يُقادوا على أن يتحملوا عبء القيادة الذاتية. إن السير داخل السرب يحقق طمأنينة وهمية، ولكنه يستنزف بالتدريج وعي الإنسان وإرادته.

نحو التوازن الوجودي
إن إدراك هذا التناقض الداخلي هو الخطوة الأولى لكسر المعادلة. لا تتطلب الحرية الحقيقية منا إلغاء الخوف، بل مواجهته بوعي. إنها تقتضي أن نتقبل القلق المترتب على الاختيار، باعتباره الثمن الطبيعي للنمو والاستقلال.
في النهاية، ليس الخوف من الحرية عيباً في الفطرة، بل هو جرس إنذار يعكس حجم المسؤولية التي تحملها الحرية. والبطولة الإنسانية الحقيقية لا تكمن في غياب الخوف، بل في قدرة الإنسان على الإمساك بزمام حياته، والتقدم نحو حريته بخطى ثابتة رغم كل المخاوف.