التجديف في المخاضة الإيرانية


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 00:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"المعضلة الإيرانية. . نظام حكم عقائدي عسكري، لا يكترث بما يلحق به وبالشعب الإيراني من خسائر. ويصر على الاستمرار على ذات نهجه العدائي لكل من حوله وللعالم كله. . يواجه أكبر قوة عالمية عسكرياً واقتصادياً ببلادة وعناد، بحيث لايمكن كسر إرادته، إلا لو ارتكبت أمريكا مسحاً كاملاً لمقومات الحياة في إيران (تعيدها للعصر الحجري حسب التعبير الشائع). وهي وإن كانت قادرة على هذا خلال بضع ساعات، إلا أن الأخلاقيات التي تحكم أمريكا والجيش الأمريكي، والقانون الدولي، يمنع ارتكاب مايعد جرائم. . الآن ماهو الحل لكسر إرادة وكسر العمود الفقري لهذا التنين الإيراني البشع؟!!"

نحاول في هذه المقاربة تفكيك هذه المعضلة، والبحث في استراتيجيات المواجهة ومسارات الحلول المحتملة، جيوسياسياً وعسكرياً.

أولاً: تفكيك "المعضلة الإيرانية" – ديناميات الصلابة الإيديولوجية
يعتمد النظام الإيراني (الجمهورية الإسلامية) على هيكلية ثنائية، تدمج بين المؤسسات السياسية والرؤية الثيوقراطية-العسكرية المتمثلة في "الولي الفقيه" و"الحرس الثوري".
هذه الهيكلية تمنحه خصائص تجعله يختلف عن الأنظمة السياسية التقليدية:
1. العقيدة المهدوية والواجب الإلهي:
يرى النظام أن بقاءه واستمراره ومواجهته للقوى الكبرى (قوى الاستكبار العالمي والطاغوت)، "واجب مقدس". مما يحول مفهوم الخسائر البشرية والاقتصادية من "فشل سياسي" إلى "تضحية واختبار تمحيص".
2. استراتيجية الحرب غير المتماثلة (Asymmetric Warfare):
يدرك النظام فارق القوة العسكرية مع الولايات المتحدة؛ ولذا يعتمد على "شبكة الوكلاء" الإقليميين، ووسائل الردع الرخيصة مقارنة بالخسائر (كالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وتهديد الملاحة في المضايق البحرية).
3. فصل السلطة عن الرفاه الشعبي:
القدرة العالية على قمع الاحتجاجات الداخلية وعزل الاقتصاد عن النظام المالي العالمي عبر شبكات التهرب والملاذات الموازية، تجعل ضغط العقوبات الاقتصادية يتحملها الشعب دون أن يهدد نواة الحكم المباشرة.

ثانياً: لماذا تفشل القوة العسكرية المباشرة في تحقيق "الكسر الكامل"؟
المعضلة هي أن القوة الأمريكية القادرة على التدمير الكامل، تصطدم بـ القيود الأخلاقية والتنظيمية للقانون الدولي (كقانون النزاعات المسلحة وحماية المدنيين). ولكن بعيدًا عن الجانب الأخلاقي، هناك محددات استراتيجية وعسكرية تجعل مثل هذا الخيار العسكري الشامل غير عملي:
- كلفة ما بعد السقوط (The Day After): مسح مقومات الدولة في بلاد بحجم إيران (أكثر من 85 مليون نسمة) سينتج عنه فراغ أمني هائل، وفوضى انتشار السلاح، وموجات هجرة ولجوء تقوض استقرار الشرق الأوسط وأوروبا.
- الجغرافيا المعقدة: تمتلك إيران جغرافيا جبلية واحتياطات موزعًا ومطمورة تحت الأرض (مثل المنشآت النووية كمزارع فردو ونطنز)، مما يجعل القضاء العسكري الكامل بحاجة لتواجد بري طويل الأمد، وهو ما ترفضه العقيدة العسكرية الغربية الحديثة.

ثالثاً: بحث في الحلول والسيناريوهات الممكنة
إذا كانت المواجهة العسكرية الشاملة غير ممكنة، والاستمرار على الوضع الحالي (التجميع والعقوبات المحدودة) غير مجدٍ، فما هي المقاربات الاستراتيجية لكسر العمود الفقري للتمدد والنظام الإيراني؟

1. قطـع الأذرع الإقليمية (استراتيجية قطع أطراف الأخطبوط)
النظام الإيراني يستمد قوته وردعه الخارجي من "عمقه الاستراتيجي" في العراق، سوريا، لبنان، واليمن.
آلية الحل: تجفيف منابع التمويل واللوجستيات للميليشيات، ورفع كلفة تدخل إيران الخارجي عبر ضربات مركزة ومستمرة لخطوط الإمداد، وتأمين حلفاء إقليميين قادرين على ملء الفراغ السياسي والأمني في تلك الدول.
2. تحفيز التآكل الداخلي (تغيير معادلة الشرعية)
الضعف الأكبر لأي نظام عقائدي مغلق يكمن في الداخل. عقود من التضخم المفرط، والعزلة، والضغط الاجتماعي أنشأت فجوة جيلية واعتراضًا شعبيًا واسعًا.
آلية الحل:
- اختراق الحجب الرقمي وتوفير إنترنت مفتوح ومستقل للداخل الإيراني لتسهيل التنظيم والتواصل.
- تركيز العقوبات على قيادات الحرس الثوري وشبكاتهم المالية الخاصة بدلاً من العقوبات الشاملة التي تنهك المجتمع المدني.
- دعم المعارضة الإيرانية الموحدة (في الداخل والخارج) لتوفير بديل سياسي ينفي مقولة "إما هذا النظام أو الفوضى".
3. تقويض المركز الأمني والاقتصادي (الضربات الجراحية الهجينة)
بدلاً من الحرب الشاملة، تعتمد هذه الاستراتيجية على الحروب السيبرانية والعمليات الأستخباراتية الخاصة.
آلية الحل: تعطيل البنية التحتية للحرس الثوري، واستهدف البرامج التسليحية (النووي والصواريخ) في مهدها بعمليات أمنية وسيبرانية مركزة تعطل عجلة التطور دون التسبب في أضرار جانبية مدنية كبرى.

الخلاصة
"كسر إرادة" النظام العقائدي لا يتحقق بضربة واحدة أو بمسح عسكري شامل يتجاوز القوانين الدولية، بل عبر استراتيجية إنهاك متكاملة (Grand Strategy) تجمع بين:
1. تجفيف الأذرع الخارجية.
2. تشديد خناق الحصار المالي على المؤسسة العسكرية (الحرس الثوري).
3. إتاحة المساحة والموارد للداخل الإيراني ليشكل البديل الوطني من الداخل.
النظام الذي لا يتأثر بالخسائر الخارجية، يظل شديد الحساسية تجاه فقدان القدرة على السيطرة الداخلية وتآكل بنيته التنظيمية من الداخل.

الآن عند دراسة مستقبل المشهد السياسي في إيران، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية للتغيير، يمتلك كل منها ديناميات مختلفة، وقوى محركة، وتداعيات جيوسياسية متمايزة على المستويين الداخلي والإقليمي.

1. السيناريو الأول: التآكل الداخلي والانهيار
المحرك الرئيسي: الانفجار الشعبي والأزمة الاقتصادية المركبة.
طبيعة النظام الجديد: جمهورية مدنية/ديمقراطية أو حالة فوضى وانقسام.
احتمالية العنف: عالية جداً (مواجهات الشارع ومخاطر الحرب الأهلية).
الموقف من الغرب: انفتاح كامل وتكامل مع المجتمع الدولي.
الاحتمالية الواقعية: مرتفعة (على المدى المتوسط).

2. السيناريو الثاني: الانقلاب العسكري (سيطرة الحرس الثوري)
المحرك الرئيسي: القيادة العسكرية العليا (الحرس الثوري).
طبيعة النظام الجديد: نظام عسكري/قومي سلطوي (بدون عباءة دينية).
احتمالية العنف: متوسطة إلى منخفضة (حسم خاطف وسريع).
الموقف من الغرب: براغماتية قاسية (صفقات أمنية دون ليبرالية).
الاحتمالية الواقعية: مرتفعة جداً (خاصة عند مرحلة مناقشة استحقاق الخلافة).

3. السيناريو الثالث: التحول التدريجي (الصلح / الإصلاح)
المحرك الرئيسي: النخبة التكنوقراطية والإصلاحية المعتدلة.
طبيعة النظام الجديد: جمهورية إسلامية معدلة (أكثر براغماتية).
احتمالية العنف: منخفضة جداً (تغيير تشريعي وسياسي سلبي/هادئ).
الموقف من الغرب: اندماج تدريجي وتخفيف مشروط للعقوبات.
الاحتمالية الواقعية: منخفضة (بسبب انسداد أفق الإصلاح).

وأخيراً..
تبقى الحالة الإيرانية نموذجاً فريداً في السياسة الدولية المعاصرة؛ فنحن أمام نظام يخوض معركة بقائه بعقيدة "إما كسب كل شيء أو جرف المنطقة معه".
إن حسم هذه المعادلة لن يتم عبر ضربة قاضية عسكرية خاطفة، ولا عبر المراهنة على صحوة ضمير سياسية داخل النظام، بل عبر مواجهة طويلة الأمد وتراكمية، تتلاقى فيها ثلاثة محددات رئيسية:
1. انكشاف الردع الخارجي: باستمرار ضرب وتجفيف شبكات الميليشيات والأذرع الإقليمية.
2. الاحتقان الداخلي: بوصول الفجوة بين الشارع والمؤسسة الحاكمة إلى نقطة اللاعودة.
3. اللحظة الحرجة (استحقاق الخلافة): والتي ستضع مراكز القوى (المؤسسة الدينية ضد العسكرية) في مواجهة مباشرة لتقاسم السلطة.
في النهاية، قد تملك واشنطن وحلفاؤها أدوات الضغط والتطويق، لكن مفاتيح التغيير الحقيقي والنهائي لـ "المعضلة الإيرانية" لا تزال بأيدي الداخل الإيراني نفسه عندما تصبح كلفة بقاء الوضع القائم أكبر من كلفة التغيير.