الشعوب لا تسقط إلا بإرادتها السقوط


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 21:58
المحور: قضايا ثقافية     

في مشهد التاريخ الطويل، مرت أمم بأزهى عصور الحضارة والتقدم، بينما غرقت أخرى في ظلمات التخلف والانهيار. وأمام هذا التباين الكبير، يُسارع الكثيرون إلى إلقاء اللائمة على "الظروف الخارجية"، مثل الاستعمار، أو الجغرافيا، أو المؤامرات الدولية، كأسباب لحالة البؤس التي تعيشها المجتمعات.
لكن القراءة المتعمقة لسنن التاريخ تُثبت حقيقة مغايرة تماماً:
الأمم لا تتقدم ولا تسقط إلا بخياراتها الداخلية. والرفاهية أو البؤس هما دائماً صناعة وخامة محلية.
وهم "الشماعة الخارجية"
لا يمكن إنكار أن الظروف الخارجية والجيوسياسية تلعب دوراً في مسار الدول، لكن هذا التأثير يظل محدوداً وعابراً، إذا ما قورن بالقوة الداخلية للشعوب. إن ارتهان عقلية مجتمع ما بفكرة أن مصيره بيد غيره هو أول خطوات السقوط. فالأزمات الخارجية قد تكون حافزاً للنهوض أو سبباً للانهيار، والفيصل هنا ليس الأزمة نفسها، بل كيف استقبلتها الجبهة الداخلية. بحيث نستطيع باطمئنان القول، أن الشعوب لا تسقط إلا بإرادتها السقوط!!
"الظروف الخارجية تشبه الطقس؛ قد يكون عاصفاً أو مشمساً، لكن جودة البناء الداخلي للمنزل هي التي تحدد ما إذا كان سيصمد أم يتهاوى."

إرادة الشعوب: المحرك الأوحد للمدى الطويل
إذا نظرنا إلى التجارب الحديثة، سنجد أمماً دُمرت بالكامل وتحولت مدنها إلى رماد عقب الحروب العالمية، مثل ألمانيا واليابان. بمقاييس "الظروف الخارجية"، كانت هذه الدول محكومة بالفناء والفقر لعقود طويلة. لكن إرادة الشعوب، والخيارات والقرارات المحلية القائمة على الانضباط، والتعليم، وتقديس العمل، وإعلاء المصلحة العامة، حوّلت هذا الركام إلى قوى اقتصادية وتكنولوجية عظمى في سنوات معدودة.
وفي المقابل، نجد دولاً أخرى لديها أعظم الثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية، لكن خياراتها المحلية المبنية على الفساد، وسوء الإدارة، والاتكالية، حوّلت تلك النعم إلى نقم، وعاش شعبها في بؤس وصراعات مستمرة. بل وهذه الشعوب ذاتها تعتبر كل محاولة لانتشالها من ثقافة تخلفها غزواً ثقافياً واختراقاً لاستلاب هويتها!!
هنا يتأكد لنا أن الثروة الحقيقية ليست مدفونة في الأرض، بل كامنة في عقول الشعوب وإرادتها.
كيف تُصنع الرفاهية محلياً؟
إن الرفاهية ليست ضربة حظ، بل هي نتاج حتمي لخيارات واعِية ومستدامة تشمل:
- احترام إنسانية الإنسان باعتباره القيمة الأعظم في الوجود.
- سيادة القانون والعدالة: حيث يشعر الفرد بالأمان على جهده وماله، فيبدع وينتج.
- الاستثمار في الإنسان: من خلال تعليم حقيقي يواكب العصر، ورعاية صحية تبني جسداً قادراً على العطاء.
- منظومة القيم المجتمعية الإيجابية: حين يصبح العمل شرفاً، والنزاهة مبدأ، والوقت قيمة.
- خلو منظومة القيم الاجتماعية من القيم السلبية: النفاق والفهلوة والتواكل والدروشة والسلبية القدرية.
وحين تغيب هذه العناصر بقرار وخيارات محلية، يحل البؤس بـ "خامات محلية" وصناعة ذاتية.
خاتمة
في نهاية المطاف، يجب أن تدرك المجتمعات أن التاريخ لا يرحم المتباكين والواقفين في طابور الضحايا بانتظار شفقة الآخرين أو تغير الظروف. إن خياراتنا اليومية كأفراد ومؤسسات، وطريقة إدارتنا لمواردنا وتحدياتنا، هي التي تخط مستقبنا. تنتصر دائماً على المدى الطويل إرادة الشعوب الحية؛ لأن الرفاهية ليست سلعة تُستورد، والبؤس ليس قدراً يُفرض من الخارج، بل كلاهما يُصنع وينبت من التربة المحلية ذاتها.
كل الشعوب تحصل على ماتستحق.