مضيق هرمز ومستقبل القانون الدولي


كمال غبريال
الحوار المتمدن - العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 01:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في خطوة تعكس ذروة الارتجالية في إدارة العلاقات الدولية، جاء التصريح المنسوب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليفجر قنبلة سياسية وقانونية جديدة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. الإعلان عن فرض "إغلاق انتقائي" ضد إيران، وتسمية الولايات المتحدة بـ "حامي مضيق هرمز"، مقابل فرض "إتاوة" أو ضريبة بنسبة 20% على البضائع المارة. لا يمثل فقط صدمة للاقتصاد العالمي، بل يعد هدمًا علنيًا لأسس القانون الدولي الذي ينظم حركة الملاحة البحرية منذ عقود.
هذا الطرح يضع العالم أمام معادلة صفرية مرعبة: استبدال "البلطجة والابتزاز الإيراني" بـ "إتاوات أمريكية".
أولاً: عدم جواز فرض الرسوم (ماذا يقول القانون الدولي؟)
من الناحية القانونية الصرفة، لا تمتلك أي دولة في العالم—سواء كانت دولة شاطئية أو قوة عظمى لحماية الممرات—الحق في فرض رسوم أو ضرائب على عبور السفن في المضايق الدولية.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982): المادة 38 من الاتفاقية تكفل لجميع السفن والطائرات حق "المرور العابر" دون عوائق عبر المضايق المستخدمة للملاحة الدولية.
منع فرض الاتاوات: تنص القوانين الدولية صراحة على أنه لا يجوز فرض أي رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها، إلا إذا كانت هذه الرسوم مقابل خدمات محددة ومباشرة قُدمت للسفينة (مثل الإرشاد البحري أو الإنقاذ)، وطبيعي في هذه الحالة أن تقدر قيمة الرسوم على أساس قيمة الخدمة المقدمة، وليس على أساس قيمة حمولة السفينة.
سيادة المضيق: حتى الدول المشاطئة للمضيق (مثل عُمان وإيران) لا تملك قانونًا حق جباية أموال من السفن المارة في المياه الدولية أو الممرات الملاحية للمضيق. بالتالي، فإن قيام دولة خارجية (الولايات المتحدة) بفرض "ضريبة حماية" بنسبة 20% يعد انتهاكًا صارخًا لسيادة القانون الدولي، وتأصيلًا لشرعية القوة على حساب شرعية الحق.
ثانياً: من الابتزاز الإيراني إلى "الأتاوة" الأمريكية
لطالما عانى العالم من الممارسات الإيرانية في مضيق هرمز، من احتجاز ناقلات النفط، وزرع الألغام البحرية، وتهديد الملاحة كوسيلة للابتزاز السياسي ورفع العقوبات. وكانت المطالبات الدولية دائمًا تصب في خانة ضرورة كبح جماح هذا السلوك وحماية التجارة العالمية.
لكن الصدمة تكمن في أن البديل المطروح ليس فرض القانون، بل تحويل الأمن الدولي إلى "بيزنس" تجاري؛ حيث تُقايَض السلامة الإقليمية بالمال.
إن إعلان أمريكا نفسها "حاميًا للمضيق" وفرض نسبة 20% يشبه تمامًا سلوك "الخوة" أو "الأتاوة" التي كانت تفرضها العصابات تاريخيًا لحماية القوافل. هذا التحول يسقط الغطاء الأخلاقي والقانوني عن الدور الأمريكي كضامن للاستقرار، ويحوله إلى طرف مستفيد ماليًا من استمرار التوتر.
ثالثاً: سابقة خطيرة تهدد حركة الملاحة والاجواء العالمية
إذا مرّ هذا المقترح أو تم التعامل معه كأمر واقع، فإن العالم سيتجه نحو فوضى عارمة وسوابق كارثية:
1. شرعنة الجباية في الممرات الأخرى: ما الذي يمنع دولًا أخرى تطل على مضايق حيوية (مثل مضيق باب المندب، مالقا، أو جبل طارق) من فرض رسوم مماثلة بحجة "تأمين المخاطر"؟
2. الممرات الجوية: قد يمتد هذا الفكر الارتجالي إلى الأجواء الدولية، فتبدأ الدول بفرض رسوم باهظة على الطيران المدني بحجة حماية الأجواء من الصراعات.
3. التضخم العالمي: فرض 20% على البضائع المارة عبر مضيق يتدفق منه نحو خمس نفط العالم يعني قفزة جنونية في أسعار الطاقة، وتسونامي تضخم يضرب السلع والخدمات عالميًا، مما يدفع الاقتصاد الدولي نحو الركود.
رابعاً: متى يتوقف هذا التهريج والارتجالية؟
إن معالجة قضايا السلم والأمن الدوليين بهذه العقلية "الصفقاتية" (Transactional) تعكس أزمة عميقة في النظام الدولي الحالي. القضايا التي تمس قوت الشعوب واستقرار الدول لا يمكن إدارتها عبر تغريدات أو قرارات أحادية مرتجلة تضرب بعرض الحائط مئات السنين من التطور القانوني البشري.
يتوقف هذا التهريج عندما تدرك القوى العظمى أن أمن العالم كلٌ لا يتجزأ، وأن المساس بحرية التجارة العالمية هو ارتداد نحو "قانون الغاب". حماية مضيق هرمز يجب أن تكون تحت مظلة الأمم المتحدة ووفقًا للقانون الدولي، وبمشاركة القوى الإقليمية والدولية المتضررة، وليس من خلال خصخصة الأمن وتحويل الممرات الدولية إلى بوابات تحصيل أموال.
خاتمة
إن حماية المضيق من "البلطجة الإيرانية" ضرورة ملحة، لكن استبدالها بـ "أتاوات أمريكية" هو علاج أشد فتكًا من المرض نفسه. إن العالم اليوم بحاجة إلى العودة إلى الرصانة السياسية والالتزام بالمواثيق الدولية، فالاستقرار لا يُباع ولا يُشترى، والممرات الدولية ملك للإنسانية وليست شركات خاصة تبحث عن أرباح ربع سنوية.