جدلية الوحشية الفطرية وطموح التسامي
كمال غبريال
الحوار المتمدن
-
العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 20:59
المحور:
قضايا ثقافية
"هل التقدم والتطور الحضاري يحتاج لجهد لمقاومة نوازع النفس البشرية، التي تميل فطرياً للوحشية، ولكل ماهو مضاد للحضارة؟
هل الشعوب التي نراها توغل في السقوط والتردي الحضاري، هي تلك التي تتبع فطرتها، ولا تجبر نفسها على تحضر مصطنع مفارق لطبيعتها الأصيلة؟
أم أن السعي للتطور له أيضاً نوازع فطرية في النفس البشرية، هي التي تدفع بعض الأفراد والشعوب للزحف دوماً نحو آفاق جديدة؟"
هذا يأخذنا إلى سؤال وجودي جوهري:
هل الحضارة ثوب مُصطنع نرتديه إكراهاً لكبح طبيعتنا البدائية والتوحش الأصيل في نفوسنا؟
أم أن السعي نحو التطور والعمران هو نفسه نداء الفطرة الإنسانية في أرقى صورها؟
لقد انقسم الفكر الإنساني في تفسير هذه الجدلية إلى اتجاهين رئيسيين:
فمن ناحية، ذهب الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز ومؤسس التحليل النفسي زيجموند فرويد إلى أن الإنسان في "حالة الطبيعة" كائن يميل بطبعه للأنانية والعدوان، وأن الحضارة ليست سوى عقد اجتماعي ومجهود مضنٍ ومستمر لكبت هذه الغرائز السفلية. وفق هذا المنظور، تُصبح القوانين والأخلاق أطراً قسرية تُفرَض على النفس لمنعها من الارتداد إلى الوحشية.
غير أن النظر إلى السقوط الحضاري أو انزلاق مجتمع ما نحو الفوضى والتوحش باعتباره "عودة مجردة للفطرة الأصيلة" يغفل جانباً عميقاً من الحقيقة.
إن تراجع الأمم لا يحدث لأنها سئمت التحضر وقررت الاسترخاء، بل يحدث نتيجة لتفكك المؤسسات الحامية للعدل، واستشراء الخوف والمشاعر السلبية التي تُخرج أسوأ ما في البنية النفسية للإنسان؛ فالوحشية في أوقات الانهيار هي رد فعل غريزي للبقاء في بيئة أصبحت تفتقر إلى الأمان.
على الجانب الآخر، تجسد رؤى مفكرين مثل أرسطو وابن خلدون البعد الآخر للفطرة؛ حيث يُعد الإنسان "كائناً اجتماعياً بالطبع". لا يمكن للإنسان تحقيق وجوده أو تلبية احتياجاته المادية والروحية إلا عبر العمران والتضامن. إن شغف الاكتشاف، وتأسيس العدالة، وتذوق الفنون، والبحث عن المعنى، ليست ممارسات مصطنعة، بل هي دوافع أصيلة كامنة في عمق النفس البشرية تدفع البشرية دوماً للزحف نحو آفاق جديدة.
في الحقيقة، إن الإنسان ليس "وحشاً كاسراً يُجبر على التحضر"، ولا "ملاكاً خالصاً تلوثه البيئة"، بل هو كائن تتجاذبه قوتان فطريتان متوازيتان:
قطب البقاء والغريزة: الذي يميل إلى الأنانية، الخوف، السيطرة، وصيانة الذات بأي ثمن عند الشعور بالخطر.
قطب التسامي والعمران: الذي يميل إلى الاكتشاف، التضامن، التعاون، العدل، وبناء الفنون والعلوم.
تتضح لنا النتيجة في أن التقدم الحضاري يتطلب بالفعل جهداً حثيثاً لمقاومة نوازع الجشع والعدوان، لكن هذا الجهد لا يُبذل لصالح شيء غريب عن طبيعتنا، بل يُبذل لصالح دافع فطري آخر أكثر سمواً. إن الشعوب التي تنجح في صناعة الحضارة والاستمرار فيها هي تلك التي تستطيع بناء مؤسسات وقيم تحمي دافع التسامي والعمران، وتلجم في الوقت نفسه نوازع الخوف والغريزة.
نستطيع القول ان هناك أفراد وشعوب تتغلب لديهم نوازع البدائية الوحشية على نوازع التقدم فيتدهورون حضارياً، وشعوب أخري يحدث لها العكس، فتتغلب نوازع التطور.
التاريخ البشري في جوهره ليس حركة مستقيمة نحو الأمام، بل هو صراع ديناميكي مستمر بين هذين الاتجاهين داخل الفرد والمجتمع:
عندما تتغلب "نوازع التطور": تنجح المجتمعات في الاستثمار في التعليم، وسيادة القانون، وإعلاء قيم التعاون، وإدارة الاختلاف بأساليب سلمية. هنا تُبنى المؤسسات التي تُحجم الخوف والأنانية، وتسمح للطاقة الإنسانية أن تتجه نحو الإبداع، والعمران، والاكتشاف.
عندما تتغلب "نوازع البدائية والوحشية": يحدث هذا غالباً عندما تنكفئ المجتمعات على الخوف، وتغلب فيها أنانيات القبيلة أو الفئة أو الفرد، وتنهار سيادة القانون. حينها تُستدعى الغرائز البدائية لحماية الذات بأي ثمن، مما يؤدي إلى تآكل المكاسب الحضارية والانزلاق نحو التردي والفوضى.
المسألة إذن ليست بكاملها قضية "جينات" أو "طبيعة ثابتة" لشعب دون آخر، بل هي ترجع في جانب قد يكون الأكبر منها إلى توازن القوى الداخلي بين ما نغذيه من دوافع التسامي وما نتركه ينمو من غرائز التوحش والخوف. وإن كان اتجاه شعوب إلى السير بعكس اتجاه الحضارة الإنسانية المعاصرة، وفشل كل محاولات دفعها للالتحاق بمسيرة الحضارة، يدفعنا لإعطاء وزن أكبر لتأثير العوامل الچينية الموروثة.
الرأي الذي يميل إلى منح الوزن الأكبر للجينات عند تفسير تعثر بعض الشعوب، يستند إلى الملاحظات التالية:
بطء وصعوبة التغيير: استعصاء بعض المجتمعات على التحول الحضاري ورَفْضها لمنظومات القيمة الحديثة رغم كل محاولات التحديث والتعليم والدعم الخارجي على مدى عقود طويلة.
ثبات بعض الأنماط السلوكية: استمرار أنماط من التعصب، أو الميل للحلول العنيفة، أو التكتلات العرقية/القبلية الضيقة عبر الأجيال والقرون، مما يوحي للبعض بوجود "تأطير بيولوجي" أو جيني متوارث يحدد حدود القدرة على التحضر.
لكن مقابل التركيز على العوامل الچينية، هناك من يذهب إلى آليات أعمق وأكثر تعقيداً تعمل بذات القوة:
1. الوراثة الثقافية (Cultural Epigenetics) والذاكرة الجمعية:
التراث الثقافي، والمنظومات العقائدية، والموروثات السلوكية تنتقل عبر الأجيال بالتربية والتلقين اليومي بنفس قوة وفعالية الجينات تقريباً. عندما تترسخ قيم معينة في "البنية الذهنية" لمجتمع ما، يصبح الخروج منها أشبه بفرز نسيج جيني جديد، رغم أنها في الأصل تراكمات ثقافية تاريخية.
2. فخاخ الفقر والمؤسسات المغلقة (Institutional Inertia):
التاريخ يظهر أن المجتمعات التي "تفشل" في الملائمة الحضارية غالباً ما تكون محاصرة بـ أنظمة سياسية واجتماعية ريعية أو استبدادية تحمي نفسها عبر تغذية الخوف واستدعاء الغرائز البدائية (كالقبلية أو الطائفية). فالإنسان في هذه البيئات لا يتصرف بـ "جيناته"، بل بـ "منطق البقاء" الذي تفرضه عليه بيئته القاسية.
3. الصدمات الحضارية والتغيير الفوقي:
محاولات "دفع" الشعوب لنحو الحضارة المعاصرة كثيراً ما فشلت لأنها جاءت كفرض فوقي أو نتاج استعمار/تدخل خارجي، مما أدى إلى رد فعل عكسي تمثل في الانكفاء على الهوية البدائية دفاعاً عن الذات، وليس رفضاً للتحضر بحد ذاته.
الحضارة في النهاية هي خيار وممارسة يومية لحماية الدافع الأول وضبط الدافع الثاني.