قوة حزب الله من ضعف خصومه


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 22:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

"فيا عجباً والله! يميت القلب ويجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم". عبارة قالها الإمام علي موبخاً فيها أنصاره بقصد استنهاضهم، ويصح قولها اليوم لاستنهاض أنصار الدولة في لبنان، بعد توبيخهم، وهم أكثرية ترى في مشروع الدولة خلاصاً للوطن، على فشلهم في توحيد صفوفهم، في مواجهة حزب الله الناجح حتى الآن في حشد محازبيه ومؤيديه ومناصريه وسراياه لمناهضة مشروع الدولة؟
الدولة التي تشكل خلاصاً للوطن هي دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والحريات والديمقراطية والعدالة، ليست تشبهها دولة ولاية الفقيه ولا أية دولة دينية ولا دولة البروليتاريا ولا الدولة القومية. لأن هذه كلها نماذج استبدادية معادية للديمقراطية وتربي شعوبها على العنصرية والعنف وكره الآخر المختلف.
يستغرب حزب الله حين يدان موقفه، لأنه لا يعترف بأن كل سلاح خارج الدولة هو، بالبداهة وبالتعريف، عدوان على الدولة. حتى السلاح الذي استخدمه مقاوموه الأبطال لتحرير التراب الوطني من الاحتلال، صار عدواً للدولة حين استخدمته القيادة السياسية لاستدراج العدو إلى احتلال جديد.
ولا يعترف بأن كل سلاح خارج الدولة هو سلاح ميليشيوي، وكل ميليشيا هي، بالتعريف وبالبداهة، عدو الدولة. وبأنه لا فرق بين ميليشيا مسلحة وأخرى غير مسلحة. فالسلاح الميليشيوي أداة للتشبيح على الأموال والممتلكات العامة والخاصة، والتشبيح بغير السلاح يقوض أركان دولة الكفاءة وتكافؤ الفرص. أما العقل الميليشيوي فشعاره أنا أو لا أحد، ولا ينتج غير ثقافة الكراهية والحروب الأهلية.
ويستغرب الآخرون، من خصوم حزب الله أو على الأقل من غير مؤيديه، الذين تحدروا من الحرب الأهلية وخاضوا معاركها، والذين شاركوا في ثورة 17 تشرين، والذين يديرون دفة الحكم في أيامنا، حين تدان مواقفهم من مشروع الدولة.
الدولة العميقة هي التي حمت الوطن من محاولات التدمير. فهل يعقل أن توكل إلى الميليشيات مهمة إعادة بناء الوطن والدولة والتأسيس لمرحلة السلام، خصوصاً أن أحداً ممن شاركوا في الحرب الأهلية لم يشارك في نقد أو مراجعة، كأن الأمر لا يعنيه؟ وها هو يستعاد الزجل الطائفي بين العلمانية وإلغاء الطائفية السياسية، ويتكرر، على المنابر والشاشات ومواقع التواصل، الصراع ذاته بين راغب بكتابة تاريخ الجمهورية وآخرين يريد كل منهم كتابة تاريخ طائفته، ويُستأنف السجال حول النظام والكيان وسايكس بيكو والعروبة والفينيقية والفدرالية والتقسيم والغبن والخوف، كما لو أن حرباً أهلية لم تقع، ولا انتهكت ميليشياتنا السيادة، ولا احتلت جيوش أجنبية بلادنا، ولا دُمرت قرى وجُرفت بيوت وسقط مئات الآلاف قتلى وجرحى.
مجموعات ثورة 17 تشرين لم تتعلم من التجربة. كان عددها بالمئات، تفشى بينها وباء "الأنا" فضاع مشروع الدولة بين كثرة الاجتهادات والتأويلات والمرجعيات، حتى بات سهلاً قمعها بهراوات الشرطة والغزوات الموتوسيكلية.
فيما يتركز اهتمامنا اليوم على تجميع المؤيدين لمشروع الدولة، دعماً لخطاب القسم والبيان الحكومي وقرارات الشرعية، ترانا غارقين في البحث عن جنس الملائكة، تعصف بيننا تباينات واختلافات على مباني النصوص لا على معانيها، ويضيع مشروع الدولة بين تعدد مصطلحاتنا ومفاهيمنا، ونخلط بين الدولة والسلطة والأجهزة والمؤسسات، وينخر سوس التنافس والتنازع والارتباك والشخصنة خشب تجمعاتنا الطرية. لكننا محكومون بالمضي في الطريق التي شقته ثورة 17 تشرين من أجل إعادة بناء الوطن وإعادة تشكيل السلطة على أساس الدستور والديمقراطية.
لقد أُهدرت فرصة ثمينة في مرسوم تشكيل حكومة العهد الأولى، إذ عاد إلى السلطة التنفيذية مَن أولوياتُهم تمثيلُ أحزابهم لا تمثيل مصلحة الشعب باستعادة الدولة من مغتصبيها. إن آليات المحاصصة التي كانت سبباً في تقويض أسس الدولة، دولة القانون والمؤسسات، جعلت العهد يميل إلى مهادنة المحاصصين وإشراكهم في القرارات السياسية، كما جعلت الحكومة تكتفي بصلاحيات إدارية وإغاثية كأن مواجهة الأزمات الكبيرة المتراكمة منذ بداية الحرب الأهلية ليست من صلاحياتها.
لم يفت الأوان بعد. إن النخب اللبنانية، ولا سيما الشبابية منها، مطالبة بتوحيد جهود كل الحريصين على إعادة بناء الوطن والدولة، على تنوعهم واختلاف مشاربهم لتشكيل تيار شعبي واسع مهمته دعم خطاب القسم والبيان الحكومي وقرارات الشرعية، ومطالبة الحكومة بالخروج من حالة المراوحة والبطء في ممارسة دورها كسلطة سياسية مسؤولة عن إيجاد حلول للكارثة المالية النقدية، وعن محاربة الفساد، وعن مواكبة رئيس الجمهورية في عملية التفاوض، لإزالة الاحتلال وإعادة الإعمار وعودة النازحين، وعن تنفيذ قراراتها السيادية التاريخية، وعن تأمين الشروط القانونية والسياسية لتكون الانتخابات النيابية المقبلة فرصة لتبديل هذا الطقم النيابي ولإعادة تكوين السلطة.