الوجود المسيحي والتعصب المسيحي


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 20:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

الاحتفالات بعيد الفصح أكدت لي حقيقتين، تمسك "المسيحيين" بلبنان، وإمعان بعض المتطرفين منهم في التفريط بالوطن. وضعت الكلمة بين مزدوجين لأنني، مع إصراري على تفادي استخدام مصطلحات طائفية، لم أجد غير هذا المصطلح لأوكد على أن وجودهم في لبنان لعب دوراً أساسياً في تأسيسه ثم في الدفاع عنه وفي الحفاظ عليه؛ ولأنني، من موقع إعجابي بمعظم قياداتهم الروحية، ولا سيما من تعاقبوا، منذ الاستقلال، على البطريركية التي بادرت إلى تأسيس الجمهورية ثم كانت تهب إلى نجدتها كلما تعرضت لخطر، أحمّل المارونية السياسية، بسياسييها وروحييها، الحجم الأكبر من المسؤولية عما آلت إليه أحوال بلاد الأرز.
في كتابي الذي حمل عنوان "في نقد الحرب الأهلية"، لم يسلم أحد من لذعة قلمي. بدأت بنفسي لأشجع سواي على ممارسة النقد الذاتي، وانتهيت بالمثقفين وبمن ظنوا أنفسهم متفرجين ومحايدين، مروراً بما سمي "اليمين المسيحي واليسار المسلم" والحركة الوطنية والتجمع الإسلامي والمجتمع الدولي والمحيط العربي والصحافة والمصارف. أخصص هذه المقالة الآن لأستكمل فقرة من الكتاب عنوانها "البطريركية المارونية عمرت والمارونية السياسية دمرت".
حفزتني على الكتابة عن هذا الموضوع اليوم مشاهد الاحتفالات بعيد الفصح في كنائس لبنان. تمسك أهالي القرى الحدودية في الجنوب بأرضهم، وصمودهم وتجمعهم حول كنائسهم، تعبير عن إصرارهم على عدم التخلي عن انتمائهم إلى لبنان، ليشكل هذا الإصرار إحدى الضمانات لبقاء الجنوب جزءاً من الجمهورية اللبنانية. في سائر القرى اللبنانية من مرجعيون والقليعة في الجنوب وحتى دير الأحمر والقاع في البقاع، وبشري وحلبا في الشمال وفي كل كنائس الجبل، الصلوات كلها تتضرع إلى الخالق بأن يحمي لبنان.
أخشى على موقف الكنيسة وعلى دموع البطريرك في عظة العيد من أن تشوهها أقلام المؤرخين وتحرفها تدخلات السياسيين. لم تتعرض قرية عين إبل للغزو والاعتداء عند إعلان لبنان الكبير بسبب خلاف أو اختلاف ديني أو لاهوتي أو فقهي، بل بسبب سياسي. خط التماس هو ذاته منذ قرن. مع لبنان الوطن والدولة أم ضده، وغزاة الأمس المحليون "ميليشيويون" من طفار ذاك الزمان.
السياسيون والمؤرخون يحكون عن مسلم ومسيحي، فيما تقصر هذه المصطلحات عن قول الحقيقة. سكان البيوت المهجورة في القرى المهدمة، ومعظمهم من الشيعة، لم ينزحوا طوعاً ولا هم اختاروا الشتات على الأرصفة والنوم في مراكز الإيواء أو في سياراتهم، ولم يفعلوا ذلك لأسباب دينية، بل نزحوا قسراً لأسباب سياسية. هم ليسوا أقل انتماء إلى أرضهم وتمسكاً بمنازلهم وذكرياتهم.
قد يسأل سائل، هل من فارق بين الإيمان الديني والإيمان بالوطن؟ هو مطابق لدى أي مواطن، أياً يكن دينه، إذا رأى في الوطن مساحة لاستقراره النفسي والمادي والاجتماعي، ودافعاً للبحث عن مصدر اطمئنان وحماية له من أي اعتداء. مسيحيو لبنان كانوا أسبق إلى حب الوطن من مسلميه، لأنهم كانوا أكثر عرضة للاستبداد العثماني، خصوصاً أنه استبداد سياسي يلبس لبوس الدين.
أما حين يتحول الدين من دافع سياسي بحثاً عن الحرية، إلى مبرر إيديولوجي تجسيداً لعقيدة، فإن الإيمان يتحول بدوره إلى تعصب ديني ثم سياسي، ويتحول لبنان بموجب ذلك، في نظر المتعصبين، من وطن للمسيحيين إلى وطن مسيحي، إن لم يكن على كامل مساحته فعلى بعضها على شكل فدراليات أو كانتونات، وتحت أي صيغة تخلط الديني بالسياسي. لقد تجسد ذلك طيلة مرحلة الاستقلال بمنهج تفكير المارونية السياسية المتعارض مع نهج البطريركية المؤسس للجمهورية.
على المقلب الآخر، عندما يختلط الإيمان الديني بالمعتقد السياسي، أو بالأحرى الحزبي، لا يبقى الوطن مساحة للحرية والمواطنة والمساواة. فليس صدفة أن تكون القرى التي رفض أهلها النزوح هي الخارجة عن سطوة الثنائي. هذا يثبت أن ادعاءاته الدينية زائفة وأن إصرار أهالي هذه القرى المنتشرة على الحدود الجنوبية والشرقية، على اختلاف انتماءاتهم الدينية، على الصمود ورفضهم النزوح، هو تجسيد للمقاومة الحقيقية التي حمت القرى وأهلها من العدوان والتي ستبقي الجنوب جزءاً عزيزاً من الوطن. إنها المقاومة الحقيقية لأنها مقاومة وطنية غير طائفية.
أما النازحون قسراً فقليلهم مضلل أو منتفع أو جاهل ومتعصب، ومعظمهم مغلوب على أمره ينشد الدولة وينتظر بارقة أمل تأتيه منها. المتعصبون على جانبي خطوط التماس الافتراضية، يطالبون الدولة بالذهاب بعيداً في ممارسة الحزم تطبيقاً لقراراتها في حصرية السلاح واحتكار العنف الشرعي والمشروع، فيما يكفي أن تثبت الدولة هيبتها بحزم ضد منتهكي القوانين، من قانون السير حتى قانون الضرائب، مروراً بمنع حمل السلاح ونقله، وخصوصاً من يستخدمون المنصات الإعلامية والإلكترونية ويملأون الفضاء تهديداً ووعيداً وشتائم ولغة زقاقية.
مثل هذا الحزم يكفي لتحويل الالتفاف حول الدولة، دعماً لخطاب القسم والبيان الوزاري، إلى ما يشبه كرة الثلج، ويحفز الناشطين من المجتمع المدني ومن النازحين قسراً ومن المتحدرين من ثورة 17 تشرين ونضالها السلمي لملء الساحات، وراء الجيش والقوى الأمنية، دفاعاً عن الوطن ضد الغزاة وضد المفرطين بوحدة الوطن وبسيادة الدولة، وضد المتطرفين من دعاة الحرب والتقسيم والفدرلة.