أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - انتصار الثورة المحطمة














المزيد.....

انتصار الثورة المحطمة


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6523 - 2020 / 3 / 25 - 11:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد تسع سنوات، نجد أنفسنا، نحن السوريين، أمام ثورة تحطمت تحت آلة بطش وحشية، كما تحطمت غيرها الكثير من الثورات عبر التاريخ. لكن ما يثقل على نفس السوريين الذين خرجوا على نظام الأسد أن ثورتهم تحطمت من داخلها أيضاً، وتاهت عن هويتها السياسية إلى حد أنها انقلبت إلى هوية مضادة سياسياً (غلبت عليها سياسات مستبدة في العلاقة مع الشارع، وأظهرت تبعية وارتهان متزايد لمصالح دول تعلو على مصالح الشعب السوري وثورته) وهوية مضادة فكرياً (سيطرة الفكر الإسلامي الجهادي العدمي). لا يغير في الأمر أن تكون الثورة قد تحطمت من الداخل تحت تأثير القمع أو تحت تأثير تناقض القوى المكونة لها، أو للسببين معا، كما نرجح. المهم أن الثورة لم تحافظ على هويتها وراحت تتخذ طابعاً لا ثورياً أكثر فأكثر، وتستهلك بتسارع كبير القيمة الأخلاقية السامية للثورة.
من الخطأ الاعتقاد أن استمرار المواجهة العسكرية مع نظام الأسد يكافئ استمرار الثورة، ذلك أن الفصائل العسكرية التي أتيحت لها سبل الصمود والاستمرار والتي تولت هذه المواجهة كانت، في الواقع، أقل عداء لنظام الأسد من عدائها لقوى الثورة، نقصد للقوى ذات المضمون الديموقرطي التي تهدف إلى تغيير فعلي في آلية العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فقد تعايشت هذه الفصائل مع نظام الأسد في فترات الحصار عبر عملاء تجاريين ومعابر مأجورة أثرت من خلالها النخبة الفاسدة والمتحكمة على رأس هذه الفصائل التي "تصالحت" تالياً مع نظام الأسد، فدخل بعضها في عداد قواته، فيما خرج البعض الآخر، ممن رفض المصالحة، إلى مناطق إدلب مكرهاً، ليجد نفسه محكوماً بالعموم، إما لجبهة النصرة أو للدولة التركية. بالمقابل، لم تستطع هذه الفصائل التعايش مع العناصر الديموقراطية العلمانية المتواجدة في مناطق سيطرتها، فكان مصير هذه العناصر الإذعان أو الاغتيال أو السجن أو الفرار، تماماً كحالها في مناطق سيطرة نظام الأسد. استمرار المواجهة العسكرية، والتقدم هنا والتراجع هناك، صار تعبيراً عن صراع من نوع آخر لا علاقة له بالصراع الثوري الأول الذي اندلع لدوافع تحررية، مختلفة تماماً عن الدوافع التي راحت تغذيها الفصائل الإسلامية وداعميها الإقليميين (صراع مصالح بين دول تستثمر في الانقسام الطائفي).
ما سبق من عرض لا يخرج عن السياق العام للثورات التي تدفعها عوامل مختلفة لاتخاذ مسارات عدمية، غير أن الفارق السوري يكمن في أن تاريخ الثورة السورية لم يعرض علينا تمايزاً يفرز بين الهوية الثورية التي جرى إقصاؤها بتدريج متسارع، وبين الهوية الإسلامية الجهادية المضادة للثورة التي سيطرت على الضفة المواجهة لنظام الأسد. كان من شأن غياب هذا التمايز أن جعل "أهل الثورة" يتحملون أخلاقياً وزر جرائم "أهل الثورة المضادة"، أو بكلام آخر، سمح لهؤلاء الأخيرين أن يرتكبوا جرائمهم باسم الثورة. نعتقد أن هذا التداخل سوف يثقل على تأريخ (كتابة تاريخ) الثورة، كما أثقل على تاريخها نفسه.
يمكن رد التداخل، أو عدم وضوح التمايز بين الهويتين الثورية والمضادة للثورة، إلى عاملين: العامل الأول هو الصعوبة النفسية لدى أهل الثورة السورية في رؤية التبدل الجوهري في طبيعة الصراع، وخروجه عن كونه صراعاً ثورياً إلى كونه صراعاً عدمياً، أي لا ينطوي على قيمة ثورية، ولا يفضي إلى تغيير فعلي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. بقول آخر، الرفض النفسي لدى أهل الثورة برؤية احتضار ثورتهم، وتحولها إلى صراع مصالح إقليمية ودولية مستقلة أصلاً عن مصلحة الثورة. هذه الصعوبة النفسية جعلت أهل الثورة يقحمون رغباتهم الثورية في المادة الإسلامية غير الثورية المسيطرة على الصراع العسكري ضد نظام الأسد، ولاسيما أن كثير من عناصر الفصائل الإسلامية الجهادية كانوا هم أنفسهم عناصر فاعلة ونشطة في مرحلة الثورة الأولى. ولتأمين هذه الحاجة النفسية اجتهد الوعي في حجب الطبيعة المضادة للثورة (جرائم القتل الوحشي والتمثيل بالجثث، والبطش بالعناصر الديموقراطية والعلمانية، سياسات التمييز الطائفي والعشائري وبروز النزعات القومية الشوفينية) بوصفها "نتائج ثانوية" للثورة، وليست متن ثورة مضادة. كانت غاية الوعي هي الوصول سلفاً إلى النتيجة المرغوبة وهي أن الثورة مستمرة.
العامل الثاني هو الروح الانتقامية العصبوية والوحشية التي لا حدود لها، التي تتعامل بها قوات نظام الأسد وحلفائه مع المناطق التي يستردون السيطرة عليها، الأمر الذي يدفع السوريين بشكل عفوي ومفهوم إلى مساندة الفصائل التي تواجه قوات النظام وتمنعه من إعادة السيطرة على مناطقها. تكرست بالتالي حقيقة تقول إن هذه الفصائل هي "الامتداد الطبيعي" للثورة التي خرج إليها السوريون ضد نظام الأسد. هذا المآل الثقيل الذي صار إليه أهل الثورة دفعهم إلى محاججات دفاعية، مثل إن أصل الشرور هو نظام الأسد، وأنه لا يجوز المساواة بين الضحية والجلاد ..الخ.
الواقع أن غالبية القوى الديموقراطية السورية المقهورة ساندت القوى العسكرية الإسلامية فقط لأنها تواجه نظام الأسد، رغم أن القوى الإسلامية ساهمت في سحق الديموقراطيين وجعلت من نفسها "أنظمة" قمع، كل حسب قدرته، ومن مناطق سيطرتها مناطق طاردة لطيف من التنوع السوري الديني والقومي. النتيجة هي غياب أو شحوب التمايز بين معسكرين سياسيين وفكريين سوريين متمايزين في العمق. يترتب على هذه النتيجة أن صورة الثورة الأولى، بما هي مسعى تغيير سياسي عميق ينسجم مع مصالح المحكومين وأدنى إلى قيم الحداثة والأخلاق الإنسانية، تداخلت أو ضاعت في صورة الصراع الطائفي المرتهن للخارج وغير الثوري الذي ابتلع الثورة. هذه الحقيقة حرمت الثورة السورية من بلورة وإبراز علوها الأخلاقي ورمزيتها الثورية المتمايزة، الأمر الذي حرمها بالتالي من تحقيق انتصار معنوي وأخلاقي صريح رغم هزيمتها المادية أو العسكرية، الانتصار الذي يشكل سنداً روحيا للثائرين المهزومين، ويشكل خميرة ورصيد معنوي لثورات قادمة. وهو انتصار لا يمكن لأي قوة، مهما توحشت، أن تمحوه. خسارة أهل الثورة السورية لهذا السند المعنوي لا يقل ثقلاً وألماً عن خسارتهم المادية.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,759,191,477
- في الذكرى التاسعة للثورة السورية
- ادلب، هل يكون الشفاءمن جنس المرض
- اللقاء السوري الديموقراطي: ولادة جديد؟
- حين نتأمل في -صفقة القرن-
- حدود الاحتجاجات في مناطق سيطرة نظام الأسد
- الراية البيضاء
- تجاور الأزمنة في سورية
- أسئلة بخصوص مقتل قاسم سليماني
- شرنقة
- مفتاح ومعصم
- إمكانية المهمة الديموقراطية في سوريا
- شبهات النظام وشبهات الوسط الثقافي السوري
- دروس الموجة الثانية من الثورات العربية
- مهزومون على ضفتي الفجوة السورية
- في الحاجة الى معارضة سورية مختلفة
- ظاهرة المنتديات والمجموعات الثقافية في سورية
- عن الشاعر عدنان مقداد
- ثورة يتيمة
- في تشابه الحكايتين الكردية والعلوية في سورية
- سجين جواز السفر


المزيد.....




- بعد أشهر من الإغلاق بسبب كورونا.. الحياة تعود إلى شوارع الصي ...
- كيف تقوم دبي بإحياء المواقع السياحية عبر التجارب الافتراضية؟ ...
- اكتشاف آلية خفية لسلوك الطعام
- -رويترز-: حالة جونسون استقرت خلال الليل ومعنوياته مرتفعة
- ساعي بريد بريطاني يبتكر طريقة فريدة للتسرية عن السكان القابع ...
- في ظل كورونا.. ووتش تدعو دول الخليج للتساهل مع الوافدين
- اليمن.. مخاوف من توافد مهاجرين أفارقة نحو منطقة حدودية مع ال ...
- ألمانيا ـ سجن لاجئ سوري للمرة الثانية بسبب كورونا
- أفيخاي أدرعي يشارك في الاحتفال بعيد ميلاد سعد لمجرد
- بريطانيا: جونسون يتنفس دون أي مساعدة ولا يحتاج لجهاز تنفس


المزيد.....

- الزوبعة / علا شيب الدين
- محافظة اللاذقية تغيرات سكانية ومجالية خلال الزمة / منذر خدام
- داعشلوجيا / عبد الواحد حركات أبو بكر
- ديوان دار سعدى / قحطان محمد صالح الهيتي
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2019 - الجزء الثامن / غازي الصوراني
- فلسطين، خطة ترامب والاستعمار الصهيوني / زهير الصباغ
- تِلْكَ الدَّوْلَةُ المُسْتَقِيمَةُ: كِيَاسَةُ الإِفْشَاءِ أَ ... / غياث المرزوق
- دفاعا عن حزب العمال الشيوعى المصرى والمفكر الماركسي إبراهيم ... / سعيد العليمى
- القدرة التنافسية للدول العربية مع اشارة خاصة الى العراق دراس ... / د. عدنان فرحان الجوراني
- مستقبل الدولار وما يحدث حاليا / محمود يوسف بكير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - انتصار الثورة المحطمة